|
ليس
صدفة إطلاقًا إقدام الكنيست على الموافقة على
بيان سياسي يعتبر أن "أراضي يهودا والسامرة
وقطاع غزة ليست أراضي محتلة لا تاريخيًّا ولا
سياسيًّا ولا قانونيًّا" كما حصل مؤخرًا،
وليس صدفة أن يصوت الكنيست بنسبة كبيرة ضد
اقتراح قانون "خريطة الطريق" الذي
طرحناه على الكنيست لإحراج الائتلاف ولإثبات
رفض الحكومة مشروعًا يتضمن التزامات
إسرائيلية يحتاج إلى التطبيق.
فالائتلاف
الحكومي الإسرائيلي -صقوريا ويمينيا- متطرف
إلى أبعد الحدود، ويساهم في ذلك من يقود
الائتلاف: النائب غدعون ساعر الذي يرفض
مبدئيًّا مشروع خريطة الطريق، ويمثل تطلعات
مركز الليكود المتغطرسة.
"خريطة
الطريق" مليئة بالثغرات، وتحفظاتنا عليها
كثيرة وعديدة، ومنها: أنها تفتقد إلى آلية
تنفيذ ملزمة وخاصة للحكومة الإسرائيلية،
بينما تضع بين أيدي الحكومة الإسرائيلية
كثيرًا من الريادة ومن إمكانيات التقدم أو
التأخر خلال مراحل الخريطة الثلاث، في حين أن
أكثر السلبيات بروزًا هي تلك الفكرة المتعلقة
فيما يُسمّى "دولة مؤقتة" فلسطينية على
حدود ما يقارب 42% فقط من أراضي الضفة الغربية
وغزة. إن المؤقت في سياسة إسرائيل على مسار
الصراع العربي الإسرائيلي وتحديدًا
الإسرائيلي الفلسطيني هو الأكثر ثباتًا؛
ولذلك فإن التحفظ الأساسي هو أن يتحول ذلك إلى
واقع أبرتهايد "بموافقة" فلسطينية
ودولية، وخاصة مع استمرار العمل على إقامة
جدار الفصل العنصري الذي أصبح بحق عقبة كأداة
أخرى أمام قيام دولة فلسطينية على حدود
الرابع من حزيران.
وبالرغم
من تحفظاتنا المعروفة على خريطة الطريق؛
فإننا نتفهم الظرف الدولي والتطورات
الجيوسياسية إقليميًّا وعالميًّا التي دفعت
بالقيادة الفلسطينية إلى قبول هذا المشروع
الذي طرح بداية من قبل "اللجنة الرباعية"،
ثم قررت الإدارة الأمريكية قيام المشروع
وإزاحة المشاركة الأوروبية والأمم المتحدة
وروسيا جانبًا.
فنحن
على يقين بأن القيادة الفلسطينية تمتلك
الكثير من التحفظات والملاحظات والاعتراضات
عليها، وقد سمعت ذلك من الرئيس ياسر عرفات
ورئيس الوزراء أبو مازن في أكثر من مناسبة،
لقد قبلها الجانب الفلسطيني كخطوة للخروج من
عنق الزجاجة السياسي والعسكري، ولربما
لتحسين ظروف الناس الذين سمع صوتهم العالي
مطالبًا بتغيير هذه الظروف.
إن
استمرار بناء الجدار العنصري الذي يخلق سجنًا
كبيرًا يمنع المواطن الفلسطيني من العيش
بكرامة أو من الانتقال من القرية إلى المدينة
لتلقي العلاج في المستشفيات أو حرية الحركة
أو الدراسة وغيرها.. يخلق حدودًا ثابتة
سياسية، خلافًا لادعاءات إريل شارون، وذلك
عدا مصادرة آلاف الدونمات من الفلسطينيين. إن
استمرار بناء الجدار، إضافة إلى استمرار
النشاط الاستيطاني وعدم تفكيك المستوطنات..
هو العقبة الأكثر صعوبة أمام تحقيق إقامة
دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من
حزيران 1967، وعليه فإما هذا أو ذاك: إما إقامة
دولة فلسطينية إثر جلاء الاحتلال من كافة
الأراضي المحتلة عام 67 كحل وسط تاريخي بين
الحركة الوطنية الفلسطينية من جهة وإسرائيل
من جهة أخرى، أو إقامة بانطوستونات على غرار
بانطوستونات السود في جنوب أفريقيا إبان حكم
الفصل العنصري؛ أي أن ذلك سيكون حلا، عنوانه
هو "إعادة تنظيم الاحتلال".
وأمام
هذا الواقع نقول: إننا وبالرغم من دعمنا
المستمر الفكري والسياسي للطرح الذي يقول
بضرورة إقامة دولتين الواحدة إلى جانب الأخرى
(فلسطين وإسرائيل) على حدود الرابع من حزيران؛
فإن استمرار طرح فكرة "الدولة المؤقتة" (التي
يجب رفضها) وإقامة الجدار الفاصل، واستمرار
تواجد المشروع الاستيطاني سوف تضطرنا إلى طرح
تحدٍّ ينص على عرض فكرة إقامة دولة واحدة
ديمقراطية من النهر إلى البحر يتمتع فيها
الجميع، جميع المواطنين عربًا ويهودًا بميزة
"شخص واحد - صوت واحد". وتضم التجمعين
البشريين اللذين يجمع كل منهما سمات ثقافية
موحدة: التجمع الأول هو العرب الفلسطينيون
الذين تجمعهم الثقافة العربية الإسلامية (ويضمن
ذلك المسيحيين العرب أبناء الحضارة
الإسلامية)، واليهود الإسرائيليون الذين
تجمعهم الثقافة الإسرائيلية العبرية الجديدة.
إن
هذا الطرح يلقى رفضا جامحًا في كل أوساط
المجتمع الإسرائيلي تقريبًا، ونحن إذ نطرحه
اليوم فنحن لا نفعل ذلك بديلا عن فكرة
الدولتين التي لا نزال نطمح فيها ونسعى
إليها، وربما يجب القول والجزم أنها الأقرب
واقعيًّا إلى التنفيذ محليًّا ودوليًّا
وإقليميًّا وعربيًّا وإسرائيليًّا، بل إننا
نطرح ذلك في محاولة لوضع أيديولوجية اليمين
الإسرائيلي وممارساته التوسعية
والاستيطانية الناكرة للدولة الفلسطينية من
جهة، وللوجود الوطني الفلسطيني من جهة أخرى؛
لتضع هذه الأيدلوجية في زاوية فكرية سياسية
ربما تؤدي لاحقًا إلى خلق حالة من الجدل
الشعبي ولو حتى في صفوف النخب الإسرائيلية
لدفعها إلى نتيجة وحتمية أنه لا مجال
لاستمرار المشروع الاستيطاني والتوسعي في
الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، وأنه
لا مجال أمام الفلسطينيين بأن يقبلوا بحالة
جديدة من نظام الفصل العنصري، يكون السود
فيها أبناء الشعب الفلسطيني، وترجمتها
السياسية هو ذلك البند في خريطة الطريق الذي
يتحدث عن "دولة فلسطينية مؤقتة"، لا يمكن
أن تكون انعكاسًا لطموحات شعب يبحث عن
الانعتاق من الاحتلال، ويناضل من أجل الحرية
والاستقلال.
|