بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الحوار الفلسطيني.. المسار والمحددات والمصير

22/06/2003

د. محمد خالد الأزعر **

الحركات الإسلامية أسست شرعيتها على المقاومة

للتوتر الراهن بين القوى السياسية الفلسطينية المصنفة تحت عنوانين عريضين: السلطة والمعارضة أصول تاريخية ممتدة؛ إذ يمكن تتبع هذه الظاهرة التي يعدها البعض انشطارًا أو تعارضًا خبيثًا في المجال السياسي، ويراها آخرون مظهرًا للتعددية الحميدة والمطلوبة منذ أواخر العهد العثماني.

ففي مطلع القرن العشرين انخرط الفلسطينيون في الأحزاب العربية التي راوحت بين اتجاهين في إطار النزاع العثماني العربي: اتجاه المطالبة السلمية الاحتجاجية باللامركزية ضمن سيادة الدولة العلية، واتجاه السعي إلى الاستقلال الكامل عن تلك الدولة ولو باستخدام العنف.. ومن المعروف أن الغلبة كانت لهذا الاتجاه الأخير.

وحين أخذت فلسطين طابعها القُطري تحت الانتداب البريطاني برز تنافس اختلطت داخله التمايزات السياسية بالتدافع القبلي العائلي بالنزعات الزعامية بين معسكري آل الحسيني وآل النشاشيبي، هنالك اكتسب "الحسينيون" وعميدهم المفتي محمد أمين الحسيني مكانة الأكثرية أو السلطة بالمعنى المعاصر، فيما عرف "النشاشيبيون" بالأقلية أو المعارضة، وقد تبلور ذلك الخلاف متخذًا هيئته السياسية في نشوء حزبين كبيرين: الحزب العربي لآل الحسيني ومن والاهم، وحزب الدفاع الوطني لآل النشاشيبي ومناصريهم. وتعامدت العوامل المغذية للتعارض بين المعسكرين مع خلاف واضح بينها في مقاربة القضية الوطنية وكيفية التعاطي مع الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية، حيث وصف الحسينيون بالتشدد والصدامية، فيما عرف عن النشاشيبيين الميل للمساومة والحلول الوسط.

إلى جوار هذين المعسكرين الكبيرين عرفت الحياة السياسية الفلسطينية تيارات أخرى على خلفية ميول وخيارات أيديولوجية وفكرية متباينة؛ فكان هناك -قبل النكبة وبعدها- الشيوعيون والقوميون والإسلاميون والمستقلون.

منظمة التحرير.. الميثاق حد أدنى مشترك

وعندما نشأت منظمة التحرير الفلسطينية في منتصف الستينيات من القرن الماضي وجدت هذه التيارات بأطرها السياسية الحركية (الحزبية - الفصائلية) طريقها إلى داخل المنظمة، وهذا التحشيد هو الذي أضفى عليها صفة الإطار الجبهوي العريض.

ما يعنينا من هذه الخلفية أن المنظمة عملت مطولا على تعبئة القوى الفلسطينية السياسية والمسلحة والشعبية خلف ميثاقيها الوطني، مع الإقرار من الجميع بأن ثمة فروقًا نسبية في النوازع والتوجهات الإيديولوجية، شريطة ألا تكون هذه الفروق مدخلا للصراعات الداخلية، أو عمليات الاستبعاد، أو كسر العظم. ومع أن المنظمة نجحت في إدارة العملية السياسية والتفاعلات بين القوى المنضوية تحت لوائها في حدود هذه الشروط؛ فإن التاريخ السياسي للعلائق بين قوى المنظمة لا يخلو من الصدامات العضوية المسلحة بعد الفشل في احتواء بعض الخلافات، ومن ذلك أن حركة فتح ذاتها -كبرى الفصائل والعمود الرئيسي للمنظمة- تعرضت للانشقاق، ثم القتال الداخلي في منتصف الثمانينيات، لكن الاحتكام للسلاح لم يكن السبيل الأكثر انتشارًا بهذا الخصوص، وعلة ذلك إدراك الجميع أن المبادرة إلى هذا السبيل سوف تلحق الضرر بصاحبها، وتخصم من رصيد شعبيته إلى أبعد الحدود، كما أنه لم يتحقق هدف فلسطيني كبير كي تتعارك عليه الفصائل من الأصل!

لقد ظلت الحوارات البينية المشفوعة بالوساطات الداخلية أو العربية أكثر الوسائل تكرارية في حسم الخلافات أو لجمها بين الفصائل، فإن لم تنجح هذه الوسائل كانت الانشقاقات -على مستوى الفصيل الواحد- أو الخروج المؤقت من عباءة المنظمة لبعض المختلفين.. هي البدائل. وللحقيقة فقد بقيت هذه البدائل مأمونة ومقبولة طالما أنها كانت الأنسب لدرء خطر الاقتتال الداخلي، مع أنها ألحقت خسائر معينة بقضية الوحدة الوطنية وقوة الجبهة الداخلية لمنظمة التحرير، وسمحت في أحيان كثيرة للأطراف الخارجية بالتدخل على خطوط سياسات المنظمة.

ظهور الإسلاميين.. جدد المقاومة وعقد الصراع

على أن هذا المشهد العام للعلاقة بين الفصائل -التقاء وائتلافًا أو خصومة وتشرذمًا- تغير إلى حد بالغ غداة اندلاع انتفاضة الثمانينيات، ثم بشكل جذري تقريبًا بعد توقيع اتفاق أوسلو وما نجم عنه من تداعيات؛ فلقد أضحى التباين بين مكونات الجسد السياسي الفلسطيني أبعد غورًا وأوسع مساحة من ذي قبل.. لماذا؟ لأن الخصومات الداخلية ما عادت محدودة بالفصائل العلمانية (الوطنية) المشتركة في جبهة منظمة التحرير؛ إذ كانت التيارات الإسلامية قد خرجت عن كمونها الممتد، وتأطرت في حركات تنظيمية قوية، وتمكنت بسرعة قياسية من شغل مكانة كبيرة بين يدي الشارع الفلسطيني، وحظي خطابها بصدقية عالية بفعل ممارسات نضالية سياسية ومسلحة ومدنية.

وبقليل من المبالغة يصح القول بأن هذه التيارات وتنظيماتها جددت شباب الحركة الوطنية الفلسطينية، وذلك في وقت بدت فيه الفصائل التقليدية وكأنها أصيبت بالشيخوخة والتكلس التعبوي، وصارت أميل إلى خطاب المهادنة مع إسرائيل والتخلي عما يعرف بالثوابت الوطنية (ميثاق المنظمة)، تحت شعار الواقعية والظروف الإقليمية والدولية غير المواتية.

ومما لا يشار إليه كثيرًا في الوقت الراهن أن التيار المستنفذ في منظمة التحرير أقدم على تغيير خطابه إزاء الصراع والتسوية مع إسرائيل منذ ما قبل الانتفاضة الأولى ومدريد وأوسلو. ومن ذلك إعلان التخلي عن وسيلة الكفاح المسلح، والانغماس في جهود التسوية السلمية في منتصف الثمانينيات.. لكن التردد بهذا الصدد حسم إلى حد منظور بعد اندلاع تلك الانتفاضة بالموافقة عام 1988 على هدف الدولة المستقلة بصفة نهائية في حدود الأرض الفلسطينية عام 1967، والدخول في مفاوضات وحوارات ظاهرة وخفية مع الولايات المتحدة وبعض القوى الإسرائيلية.

ومؤدى ذلك أن انهيار الاتحاد السوفيتي (الحليف الدولي للنضال الفلسطيني) وانعكاسات حرب الخليج الثانية (1991) كانا مجرد حدثين معجلين لاتجاه التحول عن الهدف والوسيلة داخل المنظمة لا سببين جوهريين لذلك الاتجاه بحسب التفسير الرائج.

والرأي الراجح أن صعود حظوظ التيارات الإسلامية الراديكالية -وعمادها حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي"- واستقطابها المنافس للشارع الفلسطيني حول أهداف حركة التحرر الفلسطيني ووسائلها التي تتمثل في التحرير الكامل لفلسطين بالكفاح المسلح وغير المسلح.. كان عنصرًا رئيسيًّا في ضلوع قيادة منظمة التحرير أكثر فأكثر في اتجاه التحول إلى التسوية السلمية. ومما يقال في ذلك إن هذه القيادة أرادت بذلك تقديم مستندات تجديد الثقة بها وتعويم ذاتها إقليميًّا ودوليًّا، وكانت عملية أوسلو ذروة هذه المحاولة.

مهما يكن من أمر فقد كان من شأن هذه الصورة العامة لحركة القوى الفلسطينية المنغمسة في التسوية والمستعصمة بخطاب التحرير واستمرارية النضال بكل الوسائل.. ازدياد الهوة الداخلية فلسطينيًّا بين الفريقين، بل وصعوبة تجسيد هذه الهوة لكونها تتصل بالتوفيق بين مختلفين كليًّا تقريبًا حول ما يصعب التوفيق فيه: أهداف حركة التحرر ووسائلها.

وأهم من ذلك أن هذا الخلاف يطاول الأسس النظرية الأيديولوجية لكل من الفريقين. ويكفي إشارةً لتأثيرات هذا البعد أن بعض المعارضين لنهج التسوية السلمية المبتسرة (على غرار أوسلو أو خريطة الطريق لاحقًا) وتحديدًا حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي".. لا يسعهم إزاحة هذه الأسس جانبًا (كالقول بأن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز بحال التخلي عنها، أو النداء بفريضة الجهاد!) بدون التضحية باهتزاز أركان وجودهما من الأصل. وفي الوقت ذاته فإن أنصار التسوية القائمين بالسلطة الوطنية بعد أوسلو لا يمكنهم الإعراض عن سبيلهم السياسي والعودة إلى خطاب النضال الفلسطيني المتقادم بنظرهم بدون التضحية بما يعتبر مكتسبات لهم (ولفلسطين!)، وصولاً إلى احتمال سحب أوراق اعتمادهم إسرائيليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

هذا يعني باقتضاب أن كلا من السلطة والمعارضة في الحقل السياسي الفلسطيني ينظر إلى تخليه عن خطابه وممارساته كمؤشر لاهتزاز شرعيته وربما تقوضها. ويقينًا يؤدي هذا التفسير -بغض النظر عن حكمته وصحته- إلى تعقيد قضية التقارب وفشل الحوار بينهما.

وعلاوة على هذا التأثير الساحق لتباين التصورات الأيديولوجية حول مفهوم الصراع؛ فإن تعثر الحوار الداخلي الفلسطيني يعزى أيضًا إلى الصورة التي يتبناها كل فريق عن ذاته من حيث الحجم الكمي والنوعي لشعبيته ومساحته في الشارع العام. فالسلطة تستصغر شأن المعارضين، وهم بدورهم يجادلون في صحة ادعائها بأنها تمثل الأغلبية. وفي جولة حوارية جرت بين حركتي "فتح" و"حماس" منذ 10 أعوام (الخرطوم - يناير 1993) طالبت حماس بنسبة 40% من عدد مقاعد المجلس الوطني لمنظمة التحرير كأحد شروطها لدخول المنظمة؛ الأمر الذي استكثرته عليها قيادة فتح، وكان ذلك سببًا (غير وحيد) لفشل تلك الجولة.

وفي كل حال كان التعارض بين القوى "العلمانية" -وربما ظل حتى الآن- أكثر بساطة من حيث الدوافع واحتمالات التسوية. وهذا مغاير لما يبدو عليه الأمر منذ يفوع القوى الإسلامية وقيام السلطة خلال السنوات العشر الماضية. ولنا أن نضيف إلى الصعوبات المشار إليها بهذا الخصوص أن التيارات الإسلامية تقع بثقلها الجماهيري وكوادرها القيادية الأهم ومناضليها داخل الميدان الفلسطيني ذاته؛ مما يحجم كثيرًا من احتمالات ضغط الأطراف الثالثة الصديقة والمعادية إقليميًّا ودوليًّا عليها. ولم يكن الحال هكذا بالنسبة لفصائل منظمة التحرير التي كانت خلافاتها ومصالحاتها تجري في أحيان كثيرة على وقع مواقف تلك الأطراف.

ولا يعني ذلك أن التحولات الخارجية السلبية ضد "الراديكاليين" الإقليميين (كاحتلال العراق ومحاصرة إيران وتهديد سوريا ولبنان) ليست بلا مغزى بالنسبة لمواقف تيارات المعارضة الفلسطينية. إنما نود القول بأن هذه التيارات لديها فرص ملموسة للتكيف مع المستجدات السلبية؛ نظرًا لتمركزها في الداخل الفلسطيني ووجودها على مسافة من الأطراف الخارجية.

انتفاضة الأقصى.. فرصة ضائعة

لقد كان المنتظر والمأمول أن تقود فعاليات انتفاضة الأقصى معطوفة على فشل نهج التسوية السلمية ك-ما أظهرت أعمال قمة كامب ديفيد (2 يوليو 2000)- إلى تقارب السلطة والمعارضة. وذلك على اعتبارات عدة مثل: نفاد فرص أنماط النضال السياسي والتفاوضي البحتة التي انشغلت بها السلطة لعقد كامل من السنين. وتجلى العزوف الإسرائيلي عن التسوية بحد معقول من التوازن الحقوقي (ناهيك عن العدالة التاريخية)، وعدم تمييز الإرهاب الإسرائيلي بين دماء للسلطة وأخرى للمعارضة، وما تفرضه وحدة الدم في الميدان من وحدة للداخل الفلسطيني بين مختلف التوجهات والأطر.

لكن الذي حدث أن السلطة لم تتخلَّ عن منهجيتها رغم الخراب الذي ألحقته إسرائيل بها من حيث البنية المؤسساتية والإهانات التي وجهتها لرموزها القيادية. وقد نستثني من هذا التقدير قطاعًا معينًا من حركة فتح (حزب السلطة وركيزتها الميدانية) هو كتائب شهداء الأقصى الذي مال نسبيًّا إلى خطاب المعارضين المقاومين بكل الوسائل بما في ذلك العمليات الاستشهادية.

وإذا نحينا بعض التفاصيل نلاحظ -مع آخرين- أن خطاب السلطة انتكس بصورة أقوى وبوتيرة متسارعة عما كان عليه قبل الانتفاضة؛ فقد احتفظت بتكييفاتها لطبيعة الصراع والمرحلة، ولم تعلن خروجها من عباءة أوسلو التي لا تختلف إلا في بعض الهوامش عن خريطة الطريق، وأضافت إليها كمبررٍ ما يقال عن تداعيات ما بعد 11 سبتمبر أمريكيًّا (ودوليًّا)، وما بعد احتلال العراق (إقليميًّا ودوليًّا)، وهي اتخذت من هذه التكييفات -بقديمها وجديدها- متكأً لتحولات طاولت بناها وسياساتها (كاستحداث منصب رئيس الوزراء الفاعل عوضًا عن رئيس السلطة المهجور والمحاصر، وإدانة المقاومة إلى طور وسمها بالإرهاب في قمة العقبة يوم 4-6-2003).

ولأن هذا العكوف على الخطاب بقديمه وجديده بما في ذلك الانصياع لاستحقاقات خريطة الطريق من الجانب الفلسطيني يفضي إلى الاحتكاك -حتى لا نقول الصدام- العضوي مع تيارات المعارضة (المقاومة)؛ فقد أمسى الوضع الداخلي الفلسطيني على شفا جرف هار؛ ذلك لأن المطلوب من هذه التيارات الأخيرة هو تقريبًا إلقاء السلاح بالكامل مع تحولات فكرية وسياسية جذرية تجاه أيلولة الصراع مع إسرائيل؛ وهو ما يعني -كما ألمحنا أعلاه- نزع أسس شرعيتها وطي صفحة تضحياتها الجسيمة بلا ثمن، غير الحفاظ على حياة قادتها وكوادرها؛ الأمر الذي يعز التسليم به من جانب هذه التيارات.

والشاهد أن السلطة توقن بهذه الحقيقة.. توقن بأن المبادرة العاجلة إلى التنفيذ الحرفي لاستحقاقات خريطة الطريق وبيانات قمتي شرم الشيخ والعقبة ستفضي إلى الخيار الكريه؛ أي الصدام العضوي مع المعارضين بكل ما يترتب عليه من وسمها بأشنع الأوصاف، وصولا إلى تعريض هامش شرعيتها الداخلي لخطر التحلل. وأغلب الظن أن تيارات المعارضة على وعي بهذا المأزق، لا سيما أن العامل الإسرائيلي -والدولي الأمريكي بالذات- ليس رؤوفًا بالسلطة، ويطالبها بإنجاز ما عليها بلا مراعاة لحساسية وضعيتها بين المطارق الخارجية وسنادين الداخل الفلسطيني.

الهدنة هي الحل

كأن المشهد العام الفلسطيني في سياقه الإقليمي والدولي الراهن لا يبشر بخير بالنسبة للحوار بين السلطة والمعارضة. ولعلّ طاقة الأمل في هذا المشهد هي التي تتعلق باحتمال التوصل إلى تسكين للوضع الراهن، عبر ما يعرف بالهدنة بين الجانبين الفلسطينيين، والهدنة هنا تعني إعطاء فرصة أخرى أو وقت مستقطع آخر لمنهجية السلطة التفاوضية. وذلك بأن تعلق المعارضة نشاطها المسلح بالذات إلى أجل معلوم يفترض أن يمثل مختبرًا إضافيًّا لنوايا الطرف الإسرائيلي (إزاء تنفيذ خطة الطريقة بالذات).

غير أن التوصل إلى هذه الهدنة لا يتأتى فقط من التزام السلطة بعدم شن حرب ساخنة أو باردة على قوى المعارضة، وهذا للحقيقة أمر متفق عليه فلسطينيًّا، ولكنها تتأتى من -وتقوم على- هدنة رديفة بل أساسية من جانب إسرائيل بحق هذه القوى. أي أن تكف إسرائيل يدها عن ملاحقة كوادر المقاومة وقيادييها بالقتل العمد والمطاردة والسجن، فضلا عن إيقاف إرهاب الدولة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ذاته. ونحسب أن المعارضة بهذه المطالب تبغي عرض إنجاز على أبناء شعبها يبرر بقدر ما تضحياتهم السخية، وبخاصة خلال السنوات الثلاثة الماضية.

السياسة الإسرائيلية إذن مدخل حاسم في تحديد مسار الحوار الداخلي الفلسطيني ومصيره؛ فهي بممارساتها ضد المقاومين تستدعي دفاعهم عن أنفسهم وتمنعهم من المهادنة وهذا منطقي؛ إذ ما معنى أن يضع هؤلاء السلاح فيما تطاردهم إسرائيل بصواريخها على مدار الساعة؟!

دور الأطراف الوسيطة

هنا بالضبط يأتي دور الأطراف الوسيطة في قضية الهدنة الذي تضطلع به القاهرة بشكل ظاهر ومباشر، ويهتم به عرب آخرون فضلاً عن واشنطن والأوروبيين من وراء حجاب. وكانت القاهرة قد أوشكت في جولات حوارية سابقة (كالتي جرت الشتاء الماضي) على إنجاز الهدنة بشقها الفلسطيني، غير أن العامل الإسرائيلي أفسد ذلك الهدف لرفض حكومة شارون التعهد بما يقتضيه تسلسل القضية ومنطقها المشار إليه.

ويفترض أن القاهرة لم تيئس من إمكانية الوفاء بهذه الهدنة وشعائرها بين السلطة والمعارضة، وبين إسرائيل والمعارضة؛ فهي أعادت تنشيط جهودها وبين يديها مستجدات أهمها احتمال قراءة المعارضة -"حماس" و"الجهاد" أساسًا- للواقع الدولي والإقليمي غداة احتلال العراق والتزامات قمتي شرم الشيخ والعقبة، بما قد يحثها على الانحناء للعاصفة المحيطة بها.. وفي المقابل لديها (القاهرة) احتمال قراءة حكومة شارون لما عليها من استحقاقات في خريطة الطريق. والمدخل هنا أن كف يد إسرائيل عن سياستها ضد المقاومين والشعب الفلسطيني لن ينظر إليها -جدلا- كتنازل لـ"حماس" و"الجهاد" يعز عليها تقديمه، وإنما كوفاء منها بهذه الاستحقاقات.

من الوارد أن القاهرة تعالج الحوار الفلسطيني بهذه المقاربة، وسوف تتوقف جدوى هذه المعالجة على اقتناع إسرائيل بها من ناحية أساسية. غير أن احترازات فصائل المقاومة من نكوص إسرائيلي غير مستبعد إزاء ما يتفق عليه قد يدعوها إلى طلب ضمانات لن تكون شفاهية بالكامل من القاهرة.

وبالتداعي فإن خبرة القاهرة بأسلوب التعامل الإسرائيلي مع الاتفاقات الشفاهية والتحريرية ربما يدعوها إلى استحضار واشنطن وبقية المعنيين بشكل ما لضمان ما يتفق عليه. وهنا قد تنشأ صعوبات جديدة، منها أن واشنطن لا تود أن تبدو كمن يقبل بالتفاوض مع "المقاومة الفلسطينية"، وهي التي تصنفها في خانة "الإرهاب"، وأن إسرائيل أميل إلى دفع العلاقة بين السلطة و"حماس" من دائرة الحوار إلى هاوية الاقتتال، ولها في ذلك مآرب كثيرة لا يعز فهمها على فطِن! ويبدو أن التوفيق بين هذه الأهواء والمواقف المتعارضة وإنشاء قدر من الثقة المتبادلة هو بيت القصيد في المحاولة المصرية العتيدة.

اقرأ أيضًا:


**كاتب أكاديمي فلسطيني 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


 

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع