|

|
|
الشراكة الأمريكية مع العرب لصالح شارون |
يبدو
أن الرئيس الأمريكي بوش الذي أبدى
إعجابه الشديد بوزير الإعلام العراقي
"الصحاف"، قرر أن يستلهم طرائف
الصحاف، ولكن على طريقة جحا.. تلك
الشخصية الفلكلورية صاحبة النوادر
والحكايات الضاحكة.. الذي دق مسمارا في
مكان يملكه غيره، ثم أخذ يتردد على
المكان بين الحين والآخر لزيارة مسماره،
وبمرور الوقت ادعى أن المكان ملكه،
وحجته في ذلك وسند ملكيته المؤكد هو
المسمار!
المسمار
الذي بدأ بوش دقه في المنطقة العربية
هذه المرة هو ما أسماه يوم 9 مايو الماضي
"منطقة للتجارة الحرة بين الولايات
المتحدة ودول الشرق الأوسط في غضون عشر
سنوات"؛ بحيث يظل يروج لهذا المسمار
الذي يخدم إسرائيل بالدرجة الأولى؛ حتى
تتحقق الأهداف الأمريكية في المزيد من
التفكك العربي والتبعية، وعودة فكرة
"الشرق الأوسطية" الإسرائيلية
الأصل!
فالخطة
(المسمار) التي أعلن عنها بوش في خطابه
في جامعة كارولينا الجنوبية في
كولومبيا ذات بُعد اقتصادي ظاهري،
يقترح "إقامة منطقة للتبادل الحر بين
الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط في
السنوات العشر المقبلة"؛ بهدف "قهر
الفقر، وتعلم النساء والرجال عادات
الحرية"، ولكنها تتضمن أبعادًا
سياسية خطيرة تصب في النهاية في خانة
تحقيق المصالح الأمريكية والإسرائيلية
في المنطقة العربية.
ولم
ينكر بوش بعض هذه الأهداف أو الشروط
لتحقيق الرفاهية الاقتصادية الموعودة،
مثل: قيام الدول العربية بما أسماه "إصلاحات
ضرورية كمكافحة الفساد والإرهاب،
وحماية حقوق الملكية، وتحسين مناخ
الاستثمار"، وأن تقر وتعترف بحق
إسرائيل في الوجود كدولة يهودية تعيش
بسلام مع جيرانها، مع القيام بتغييرات
في النظام القضائي العربي (؟!) فيما تولت
مصادر أخرى الكشف عن أهداف خطة بوش
الشرق أوسطية، والتي هي أهداف
إسرائيلية في المقام الأول، ومحاولة
جديدة لإحياء مشروع السوق الشرق أوسطية
الذي أعلنه شيمون بيريز رئيس الوزراء
الإسرائيلي السابق، وألف كتابا خصيصا
له.
وفي
هذا السياق أعلن بوش أن بلاده ستنظم
بالتعاون مع مملكة البحرين منتدى
لمناقشة "الإصلاحات القضائية" في
المنطقة العربية، وعين بالفعل القاضية
في المحكمة العليا "ساندرا أكونار"
لرئاسة الإصلاحات القضائية في الشرق
الأوسط في إطار مبادرته لإقامة منطقة
للتجارة الحرة بالمنطقة خلال 10 سنوات.
كما
كشفت صحف أمريكية عن أن مشروع الشراكة
هذا يتطلب تغييرات في مناهج التعليم
العربية، وفي النظم الاقتصادية
والقضائية العربية كي تتواكب مع الشروط
الأمريكية للشراكة الاقتصادية.
وقالت
صحيفة هاآرتس الإسرائيلية يوم 10 مايو
2003: إن من ضمن الشروط الأمريكية لانضمام
الدول العربية إلى اتفاقية منطقة
التجارة الحرة إنهاء المقاطعة العربية
مع إسرائيل؛ تمهيدا للتطبيع الكامل،
وإلغاء أو تخفيض الحواجز التجارية في
عمليات التجارة والاستثمار مع الشركات
الأمريكية، والحصول على عضوية منظمة
التجارة العالمية.
وأعلن
روبرت زوليك -الممثل التجاري الأمريكي-
أن اتفاقيات التجارة الحرة تستلزم قيام
الدول بتطبيق برنامج إصلاح اقتصادي
كبير، وأن التبادل التجاري الحر في
المنطقة يعني تنشيط التبادل التجاري
العربي مع إسرائيل (أي إلغاء المقاطعة،
وهو ثاني مطلب بعد ذكر هذا المطلب في نص
اتفاقية خارطة الطريق)، وقال: إنه سيتم
عقد منتدى اقتصادي عالمي في الأردن في
يونيو 2003 (منتدى دافوس) يحضره وزير
الخارجية كولن باول لهذا الغرض.
ومن
الواضح أن خطة بوش تقوم على نفس الأسس
القديمة لخطة إسرائيلية قديمة بدأ
الحديث عنها منذ مؤسس الدولة الصهيونية
"تيودور هرتزل"، واستمرت حتى
المشروع الذي أطلقه "شيمون بيريز"
في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993
حول شرق أوسط جديد يقوم على 3 أسس، هي:
التكنولوجيا الإسرائيلية، والمال
والأسواق الاستهلاكية، والعمالة
العربية الرخيصة!
خطة
قديمة.. جديدة!
والواقع
أن الخطة التي طرحها بوش ليست جديدة؛
فقد سبق أن أعلنتها وزارة الخارجية
الأمريكية في 3 إبريل الماضي، كما نوه
لها المسئولون الإسرائيليون، وأكدوا
أنها ستوضع موضع التنفيذ فور سقوط نظام
الحكم في العراق.
فقد
سبق أن أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية
يوم 3 إبريل 2003 "بيان حقائق" عن
الخطة المسماة "مبادرة الشراكة بين
الولايات المتحدة والشرق الأوسط"،
تتضمن تقديم أكثر من ألف مليون دولار من
المساعدات من الحكومة الأمريكية للدول
العربية سنويا، وتخصيص 29 مليون دولار
كتمويل مخصص لبرامج المبادرة لدعم
الإصلاح السياسي.
وحدد
البرنامج ثلاثة محاور سوف تتحرك فيها
الولايات المتحدة مع الدول العربية،
وهي:
1-
التعليم: ويركز على ربط التعليم العربي
بالبرامج الأمريكية، وتعليم البنات،
والتركيز على الإنترنت.
2-
الإصلاح الاقتصادي: ويشمل مساعدة
المشروعات الصغيرة، وزيادة الشفافية
ومحاربة الفساد.
3-
تقوية المجتمع المدني: ويتضمن
مساعدة المنظمات غير الحكومية والأفراد
المنتمين إلى جميع الفئات السياسية
العاملين في سبيل الإصلاح السياسي من
خلال آليات كصندوق ديمقراطية الشرق
الأوسط، وبرامج "ستزيد شفافية
الأنظمة القانونية والتنظيمية، وتحسن
إدارة العملية القضائية".
أيضا
كان من اللافت أن يعلن "زلمان شوفال"
-السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن،
مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل
شارون- قبيل سقوط نظام صدام حسين في
التاسع من إبريل 2003.. أن "الأحداث
المتسارعة في بغداد، والسقوط القريب
لنظام صدام يمكن أن يوجدا الظروف
المناسبة لقيام شرق أوسط جديد أكثر
سلامًا، نأمل أن يكون له تأثير إيجابي
على قوى أخرى إرهابية أو تدعم الإرهاب
في المنطقة"، وكأنه يعلم بتفاصيل
الخطط الأمريكية!
والأكثر
أهمية أن هذه الخطة المتعلقة بإنشاء "شرق
أوسط" تنخرط فيه الدولة العبرية يرجع
أساسها إلى آباء الصهيونية الأوائل:
هرتزل (الذي دعا لضرورة قيام كومنولث
شرق أوسطي يكون لدولة اليهود فيه شأن
فاعل، ودور اقتصادي قائد)، وبن غوريون (الذي
اقترح على الرئيس الأمريكي أيزنهاور
إقامة سد منيع ضد التيار القومي العربي،
يضم إسرائيل وتركيا وإيران وإثيوبيا،
وذلك في الرسالة التي وجهها إليه عام
1958).
وكان
آخرها مشروع "شمعون بيرس" الذي
طرحه خلال زيارته للولايات المتحدة في
نيسان 1986، على نمط مشروع مارشال لأوروبا
الغربية بعد الحرب العالمية الثانية،
والذي نتج عنه قيام السوق الأوربية
المشتركة. ثم أعيد تسويقه عام 1992 عقب
اتفاقيات أوسلو.
ومن
الواضح إذن أنه في ظل حالة النشوة
الأمريكية عقب احتلال العراق، وفرض أمر
واقع جديد في المنطقة العربية.. أن
الحاجة نشأت لمد المنطقة بـ"جزرة"
تشجع القادة العرب على الانخراط في
الخطة الأمريكية للشرق أوسطية، وتوازن
"العصا" التي رفعها بوش في وجه هذه
الحكومات عقب اجتياح العراق، مهددا
المعارضين بالويل والثبور..
وإن
هذه الخطة التي توهم الجميع بتدفق
الخيرات الأمريكية على المنطقة كلها
تستهدف في النهاية توفير الأمن للدولة
الصهيونية؛ باعتباره -كما قالت
كوندوليزا رايس- مفتاح أمن العالم كله،
وتسليمها قيادة المنطقة العربية، خصوصا
أن اليمين المسيحي المتصهين هو الذي
يهيمن على مقاليد الأمور في الإدارة
الأمريكية الحالية، ويتبنى المخططات
الإسرائيلية للمنطقة.
اقرأ
أيضًا:
**
محلل الشؤون السياسية بموقع إسلام أون لاين .نت
|