|

|
|
أبو مازن.. من سيختار: المقاومة أم عرفات أم إسرائيل؟ |
لقد
عكس تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة
أول اختبار للتجاذب بين تياري عرفات
وأبو مازن، ولكن المحطات القادمة صعبة
جدا، وسيكون من العسير على أبو مازن
تجاوزها؛ وهذه المحطات هي:
1)
صراع أبو مازن مع مؤسسة الرئاسة سيبقى
قائما طوال المحطات الزمنية القادمة،
وخاصة على صعد التفاوض، والصلاحيات
الوزارية، والعلاقات الخارجية، وعلينا
ألا نضع هنا في اعتبارنا النصوص
القانونية فقط؛ لأن توازنات السياسة
الفلسطينية تحكمها ضغوط الداخل
والخارج، وما يرتبط بها من عوامل
واستحقاقات، وليس النصوص القابلة
للتغير تحت أي زعم. وفي إطار التجاذب
الداخلي، ستبرز هنا محاور كثيرة داخل
مؤسسات "فتح" الإطار التنظيمي، ثم
الإطار الأوسع (السلطة الفلسطينية)، ثم
الإطار الأكبر (منظمة التحرير
الفلسطينية).
2)
سيحدد مصير هذا التجاذب الداخلي الصراع
حول مسألتين، وهما السيطرة على عنصري
الأمن والمال. ولعل محاولات الدول
المانحة الحصول على شفافية أكبر،
ومحاولات أبو مازن أخذ حقيبة الشئون
الداخلية هما الأبرز في هذا السياق؛
نظراً لأهمية المسألتين في تحديد صاحب
القرار الميداني.
3)
محاولات السيطرة على المقاومة من قبل
حكومة أبو مازن ستتطلب تصادما ليس فقط
مع حماس والجهاد الأبرز في أنشطة
المقاومة، بل هناك صراع سيخاض ضد عناصر
كتائب الأقصى التابعين لـ"فتح"
والمتشككين بمهمة أبو مازن أصلا.
4)
هناك شكوك عالية من قبل الشعب الفلسطيني
في مهمة أبو مازن، وعليه أن يقدم
إثباتات أنه لم يأت للتنازل عن أحلامهم
أو بيع تضحياتهم، وهذا سيتناقض مع
استحقاقات خارطة الطريق الموافق عليها
رسميا من قبل السلطة .
بغداد
أولاً.. وفلسطين ثانياً
كما
لا يمكن إنكار أن هناك تحولات شديدة
ستحدث بعد أجواء النصر الأمريكي السريع
على العراق. وإن استتب الأمر للأمريكيين
فعليا دون مقاومة عراقية أو تحولات
إقليمية ودولية، فإن المستهدف تاليا
سيكون القضية الفلسطينية دون شك، حيث
ترى إسرائيل نفسها شريكة في النصر؛ ومن
ثم، فعلى الفلسطينيين أن يلقوا السلاح
ويقبلوا شروط الاستسلام مثل العراقيين
تماما، لعدة أسباب:
1)
ضعف كل المناصرين للمقاومة الفلسطينية
دوليا وإقليميا، وحتى الأمم المتحدة
وقراراتها الهزيلة تجاه القضية
الفلسطينية ستتلاشى لصالح مرجعية
أمريكية.
2)
تشديد الخناق على المقاومة الفلسطينية
في الداخل والخارج، وضرب المشرعين لها
في الخارج.
3)
هيمنة الحلف الأمريكي في المنطقة
المتمثلة الآن في العراق الجديد وتركيا
وإسرائيل، والسيطرة العسكرية
الأمريكية المباشرة على الممرات
والأجواء والنفط.
كل
هذا سيعني أن على الفلسطينيين تطبيق
شروط الاستسلام الإسرائيلية بنظر موفاز
وشارون، المتمثلة بخارطة الطريق
المعدلة، بما يخدم أكثر النظرة
الإسرائيلية، ويعزز دور الأمريكيين،
ويهمش أو حتى يحيد دور أوروبا والأمم
المتحدة، ويلغي بعض الإيجابيات النظرية
في هذه الخارطة التي يراها بعض
الفلسطينيين.
إن
التغيرات الدولية قد تعني لدى إسرائيل
والأمريكيين من جهة أخرى -إن فشلت آلية
خارطة الطريق- فرض اتفاق ينهي الصراع،
أو على الأقل التوصل لصفقة تعطي
الفلسطينيين دولة على مناطق (أ) و(ب)، أي
أقل من 10% من الأراضي الفلسطينية
المحتلة عام 1967، مقابل موافقة
الفلسطينيين على إسقاط حق العودة من
أجندتهم. كل هذا سيكون إشكالا بالغا،
وسيؤدي إلى التصادم بين أبو مازن -إن قبل
به- وبين قوى المقاومة الإسلامية
والوطنية وغالبية الشعب الفلسطيني في
الداخل والخارج التي لا تزال تئن من
جراحها، وما زالت تجربة أوسلو مّرة في
حلقها.
مهمة
محاطة بالشكوك
علينا
أن نتذكر أن ترحيب الإسرائيليين بتولي
أبو مازن لا يزال حذرا، رغم أنه خاض مع
شارون ذاته العديد من المفاوضات السرية
والعلنية، وتمتع بعلاقة إيجابية معه،
وكان اختياره مريحا للدوائر الرسمية
الإسرائيلية، لكن خشية الإسرائيليين
مرتبطة بمسألتين مترابطتين:
1-
قدرته على السيطرة وتحييد عرفات .
2-
قدرته على قمع المقاومة وإيجاد جهاز
أمني فلسطيني فاعل .
وكما
هو جلي فإن أبو مازن لا يزال يصارع
لانتزاع سيطرته وفرض استقلاليته.
وقانونيا هو غير مسئول عن الشئون
الأمنية والتفاوضية حسب القانون
الأساسي الفلسطيني، بل إن الرئيس عرفات
يستطيع إزاحته في أي لحظة، رغم صعوبة
ذلك، وتخوف عرفات من انعكاساته في
العلاقة مع الأوروبيين والأمريكيين.
على
ضوء ذلك ستكون مهمة أبو مازن محاطة
بالشكوك من جهات عدة:
1)
إسرائيل التي ترهن تقدمها تجاه العلاقة
مع أبو مازن بمدى تصديه للمقاومة وتحجيم
صلاحيات عرفات .
2)
مؤسسة الرئاسة التي تملك فعليا مفاتيح
السيطرة على الأمن والمصادقة على
تحركات أبو مازن السياسية والتفاوضية،
وهي تخشى في الوقت ذاته من أن تفسر
ليونتها باعتبارها خضوعا لأبو مازن.
3)
الشعب الفلسطيني الذي سينظر إلى تجاوب
أبو مازن مع الاختبارات الإسرائيلية
بمثابة تسليم لقضية الشعب الفلسطيني.
4)
أعمال العدوان والملاحقة الإسرائيلية
التي ستؤدي إلى تساؤلات ضخمة عن جدوى
التنازل لإسرائيل دون مقابل .
5)
التضحيات الجسام التي خلفت شهيدا أو
جريحا أو معتقلا في كل بيت فلسطيني،
يضاف إليها تردي الأوضاع الاقتصادية،
وهو سيؤدي إلى صيغة شعبية متفجرة في وجه
أبو مازن، إن ثبت أنه جاء ليكون عبئا
إضافيا يلاحق أبناء المقاومة الذين
يشكلون فعليا كل بيت فلسطيني، نظرا
لتشابك العلاقات الجغرافية والعائلية
في فلسطين .
وفي
ضوء ذلك ستكون صيغة الاختبار الصهيونية
بمثابة "فتنة داخلية يدفع ثمنها
الشعب الفلسطيني" بينما إسرائيل
ترتاح من عناء الملاحقة الأمنية، أو حتى
التفكير بدفع استحقاقات سياسية تأمل
السلطة بها. وسيجد أبو مازن نفسه متورطا
بكل ذلك، إن سار بمنطق الاختبارات
الصهيونية، وعندها سيحكم على مهمته
بالفشل في غضون أشهر.
"الخارطة"
تتحول إلى صفقة
من
جهتها تحاول خارطة الطريق إنجاز تسوية
دائمة حتى سنة 2005 بعد مرحلتين:
أولا:
وقف الانتفاضة، وإجراء تغييرات جذرية
في بنية السلطة (مالية وإدارية وأمنية
وقانونية) مقابل الخروج من المدن
الفلسطينية، وتفكيك بعض البؤر
الاستيطانية ووقف الاستيطان، مع اشتراط
أن يبدأ الفلسطينيون بذلك، وبعدها
يلتزم الإسرائيليون، مع ملاحظة أن وقف
الاستيطان ما زال غامضا في هذه الخارطة.
ثانيا:
الإعلان عن قيام دولة فلسطينية ذات حدود
مؤقتة بتواصل إقليمي ما، مع ارتباط ذلك
باستمرار التعاون الأمني، وإيجاد قيادة
فلسطينية جديدة، والتطبيع العربي مع
إسرائيل. ولكن هذه الدولة وماهيتها
وصلاحياتها غامضة، كما أن إمكانية
قيامها بتواصل ما مستحيلة مع بقاء
المستوطنات التي تشكل في الضفة الغربية
دولة تقابل جغرافيا المدن الفلسطينية.
وإسرائيل
من جهتها تطالب بتعديلات أخرى على هذه
الخارطة أهمها:
1-
ربط التقدم في "التنازلات"
الإسرائيلية بالأفعال الفلسطينية
الفورية ضد المقاومة من جهة، والتغيير
البنيوي للسلطة ونقل الصلاحيات من يد
عرفات لصالح رئيس الوزراء، واعتبار أن
الأفعال الفلسطينية هي الواجبة أولا
والمطلوب من إسرائيل سيأتي لاحقا.
2-
عدم تجميد الاستيطان المتعلق بما يسمى
"النمو الطبيعي" للمستوطنات
القائمة .
3-
رفض آليات الاحتكام لإطار اللجنة
الرباعية، والإصرار على الاحتكام
لإشراف أمريكي في تنفيذ الفلسطينيين
لتعهداتهم الأمنية .
4-
إزالة الغموض عن الدولة الفلسطينية ذات
الحدود المؤقتة بما يجعل تسميتها "كيانا"
مثلا، أو "حكما إداريا" أو "سلطة"،
لحين الانتهاء من التسوية الدائمة
وإقرارها.
5-
عدم الالتزام بجدول زمني محدد ينتهي حتى
عام 2005، وترك ذلك لمدى تقيد الفلسطينيين
بالالتزامات الواردة .
6-
رفض الإشارة إلى المبادرة السعودية
التي قد تثير لدى الفلسطينيين فهما
يتطلب عودة إسرائيل إلى حدود 1967 .
سيؤدي
تمرير الشروط الإسرائيلية المتوقع -نتاج
أجواء النصر الأمريكي وسيطرة رجالات
وزارة الدفاع الأمريكية والمحافظين
الجدد على عملية صنع السياسة الخارجية
الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية- إلى
فشل سريع لهذه الخارطة؛ لأنه لن تتمكن
أي قيادة فلسطينية من إقناع شعبها بهذه
الصفقة. ولعل وزير الخارجية الإسرائيلي
السابق "شلومو بن عامي" عبر عن
تناقضية خارطة الطريق بقول ملخص لكل ذلك:
"ليس هناك قيادة إسرائيلية تريد أن
تعطي، وليس هناك قيادة فلسطينية يمكن أن
تقبل"، وسيغامر أبو مازن كثيرا إن
وافق على صفقة وهمية من شارون، أو إن
تورط في استدراج شارون.
ورؤيتنا
أن شارون وتحالفه الحالي سيكونون مصرين
على التعديلات آنفة الذكر نتاج معطيات
موضوعية تتعلق بخلفيته وتحالفاته
اليمينية، وأخرى تكتيكية لا تثق بنوايا
الفلسطينيين.. بين كل ذلك سيكون أبو مازن
تائها ومهمته محفوفة بالخطر.
سيناريوهات
حكومة أبو مازن
في
ضوء حجم التناقضات الكبيرة التي تحيط
بحكومة أبو مازن بين داخلية وخارجية أو
إقليمية ودولية، ستكون حكومة أبو مازن
أمام ثلاثة سيناريوهات:
1-
الوقوف في مواجهة التناقضات، وهذا
سيتطلب إما تنحيه أمام هيمنة مؤسسة
الرئاسة من جهة، أو رفضه العمل ضد
المقاومة من جهة ثانية، أو انحيازه
المطلق للمطالب الإسرائيلية
والأمريكية، ومساعدتهم الجذرية التي قد
تنتهي بطرد عرفات. وأي خيار مما سبق كفيل
ببقاء أبو مازن مؤقتا يواجه التناقضات
التي معه أو المتعاكسة ضده.
2-
عدم الفاعلية، أي أنه سيحتفظ بمنصبه.
وهنا من المرجح أن يسير أبو مازن في خطوط
منتصفة بين الرغبات الثلاث (الأمريكيين،
عرفات، المقاومة)، وإذا أضيف إليه
استمرار العدوان وعدم رغبة شارون دفع أي
ثمن، مع انشغال الأمريكيين بترتيب
العراق في ظل بقاء جيوب للمقاومة مع
استمرار المقاومة الفلسطينية بقوة، كل
ذلك سيبقي أبو مازن وحكومته في دولة
مساحتها غرفتان في مقاطعة "رام الله"،
حيث هناك عرفات يتمتع حتى اللحظة
بالحصانة المؤقتة. وهذا يرجح تغلب خيار
المقاومة واستمراره بعنفوان ضد العدوان
الصهيوني المتصاعد.
3-
سرعة السقوط، أي أن أبو مازن وحكومته
ستتهاوى سريعا إن جرى الانجرار
لسيناريو الموافقة المطلقة للمطالب
الصهيونية، وبالتالي المواجهة الشاملة
مع المقاومة وحدوث فتنة داخلية. وإذا ما
جرى طرد عرفات بالقوة باستغلال عملية
استشهادية ضخمة، فإن حكومة أبو مازن
ستكون متهاوية بأسرع مما يظن الكثيرون.
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب وباحث فلسطيني
|