|

|
|
بوش يؤكد أن العراق مثال للديمقراطية الإسلامية |
واكب
الاحتلال الأمريكي للعراق وحديث
الإدارة الأمريكية المتكرر عن "نموذج
ديمقراطي عراقي" يكون نبراسا لدول
المنطقة العربية تهتدي به، سعي عدد من
الدول العربية للقيام بتغييرات
ديمقراطية شكلية، من قبيل إجراء
انتخابات برلمانية تعددية جديدة، أو
رفع بعض قيود حرية الصحافة، أو وضع
دساتير جديدة، فضلا عن تغييرات أخرى
فيما يتعلق بإلغاء قوانين مقيدة
للحريات، أو إنشاء هيئات حكومية لحقوق
الإنسان.. وهو ما أثار التساؤل حول ما
إذا كانت هذه التغييرات أمورا روتينية
أم جاءت ضمن محاولات التجميل العربية
لاتقاء مبضع الجراح الأمريكي الذي أشار
بوضوح إلى نيته إجراء عمليات أخرى
مرتقبة في الجسد العربي؟!.
ففي
توقيت واحد تقريبا ألغت كل من قطر
والأردن قيودا على حرية الصحافة، تم
بموجبها إلغاء منصب الرقيب ووزارة
الإعلام رسميا في قطر. وألغيت مواد
قانونية تسمح بحبس الصحفيين في الأردن،
كما قررت قطر وضع دستور دائم ينص على بعض
الحقوق والحريات الهامة.
وأجريت
انتخابات عامة في اليمن. وستُجرى
الثانية في الأردن في يونيه القادم.
فيما تتوقع مصادر سياسية مصرية أن يتم
حل البرلمان المصري في يوليه المقبل (فترته
الحالية تنتهي في عام 2005)، وإجراء
انتخابات جديدة في نوفمبر 2003 وفق قانون
انتخابي جديد.
وفي
كل هذه الانتخابات لوحظ أن هناك درجة ما
من الغزل بين الحكومات وقوى المعارضة؛
حيث دارت أحاديث في اليمن عن تحالفات
انتخابية بين الإسلاميين
والاشتراكيين، واحتمالات عودة التحالف
الحكومي بين حزب الحكومة "المؤتمر
الشعبي" وحزب المعارضة الإسلامي
الرئيسي "الإصلاح" بعدما حقق
الأخير اختراقات هامة في نتائج
الانتخابات، وبوادر "ترضية" بين
الحزب الإسلامي الرئيسي في الأردن "جبهة
العمل" والحكومة نتج عنها مشاركة
الحزب في الانتخابات المقبلة لأول مرة
منذ مقاطعته للانتخابات عام 1997، فضلا عن
حالة من المصارحة بين الحزب الحاكم في
مصر "الوطني" وأحزاب المعارضة
يقودها أمين عام الحزب الجديد صفوت
الشريف، تستهدف حصار نفوذ القوى
الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان
المسلمين المنافس الرئيسي للحزب الوطني
الحاكم في أي انتخابات.
وواكب
ما سبق خطوات أخرى على طريق إلغاء
قوانين مقيدة للحريات في بعض الدول
العربية، أبرزها مصر التي قامت بإلغاء
محاكم أمن الدولة العليا، وإلغاء عقوبة
الأشغال الشاقة، إضافة إلى إنشاء مجلس
لشئون حقوق الإنسان تابع للحكومة
المصرية لأول مرة، فضلا عن الحديث عن
تعديل ميثاق الجامعة العربية، والوثيقة
التي قدمتها مصر في هذا الصدد.
...
خطوات "التجميل" العربية هذه لا
تعني بالطبع أن التحول الديمقراطي
الكبير قادم، أو أنها خطوات ديمقراطية
بالمعنى الدقيق للكلمة؛ لأن غالبية هذه
الإجراءات إما ناقصة أو لا أثر لها
يُذكر على الحياة السياسية.. ولكنها في
المحصلة النهائية قد تكون خطوات على هذا
الطريق، أو تأتي لأهداف حكومية عربية
أخرى مجهولة ربما تكون السعي للاستقواء
بالداخل على أي محاولات غزو أو فرض
قرارات خارجية، وربما تكون أشبه
بالانحناء حتى تمر العاصفة!.
فليس
سرا أن غالبية هذه الانتخابات والخطوات
الإصلاحية العربية تواجه العشرات من
علامات الاستفهام، وفي التحليل الأخير
لن تقدم أو تؤخر، أو هي أشبه بعمليات
تجميل لجسد مترهل يحتاج إلى جراحة كاملة..
فلا الانتخابات العربية تُجرى بنزاهة
وحيدة كاملين، ولا القوانين التي يتم
إلغاؤها ستمنع استمرار تقييد حرية
الصحافة أو محاكمة المدنيين أمام محاكم
استثنائية؛ لأن هناك ترسانة أخرى بديلة
من هذه القوانين سيئة السمعة!.
ولكن
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن مجرد
التحرك في هذا الاتجاه ما كان له أن يتم
قبل طرح خطط فرض الديمقراطية على العالم
العربي، وبدء خطة واشنطن لاقتلاع أنظمة
الحكم التي تطلق عليها "مارقة" أو
"غير متعاونة".
فمنذ
تفجيرات 11 سبتمبر وهناك اتجاه يتبلور في
أمريكا يرى أن الولايات المتحدة يجب أن
تولي مزيدًا من الاهتمام بقضية
الديمقراطية في العالم العربي، في إطار
ما تسميه "تجفيف منابع الإرهاب"؛
لأن إرهاب 11 سبتمبر يعود -في التصور
الأمريكي- في جزء منه إلى حالة الانغلاق
السياسي في العالم العربي والذي تمخض
عنه خلق جماعات سرية تناصب الأنظمة
العداء، وترى أن الولايات المتحدة تعضد
هذه الأنظمة القائمة؛ ومن ثَم يجب
مواجهة الولايات المتحدة نفسها
باعتبارها أس البلاء.
ولكن
المشكلة أن سلوك الولايات المتحدة ما
بعد 11 سبتمبر تجاه العرب والمسلمين
عموما وغزوها لأفغانستان ثم العراق
وظهور أطماع واضحة لها في ثروات هذه
البلاد، فضلا عن ظهور حالة من العداء
الحضاري لكل ما هو مسلم.. كل ذلك دفع
الحكومات العربية للتشكيك في هذا الهدف
الأمريكي؛ ومن ثم التردد في إجراء أي
تعديلات ديمقراطية حقيقية.
ويعضد
هذه الرؤية الأخيرة أن الولايات
المتحدة بدأت -على العكس من المتوقع-
تقوم بإجراءات من جانبها تخرق حقوق
الإنسان والمعاهدات الدولية
والديمقراطية حتى في أمريكا نفسها،
وتهدم أركان الأمم المتحدة، بل إنها
تطالب الدول العربية ذاتها بإجراءات
غير ديمقراطية، مثل قمع قوى إسلامية
فاعلة ومنعها من الانتخابات، والتدخل
في مناهج التعليم والشريعة في دول عدة
مثل السعودية وباكستان ومصر وغيرها؛
مما يضعف مصداقية الخطاب الأمريكي عن
الديمقراطية في العالم العربي، ويشجع
الحكومات على الاكتفاء بالتجميل دون
الجراحة.
حوار
الطرشان!
والحقيقة
أن هناك حوارا شبه مستمر بين الحكومات
العربية والإدارة الأمريكية منذ أحداث
11 سبتمبر، وبداية الحديث عن حتمية
التطور الديمقراطي في البلاد العربية
هدفه إقناع الأنظمة العربية (المتضررة
من هذا السعي الأمريكي لفرض
الديمقراطية عنوة) للأمريكان بأن
الديمقراطية لن تأتي لهم بمن يحفظ أمنهم
ومصالحهم كما يتصورون، ولكن بمن يهدد
هذه المصالح؛ حيث ستفرز أي انتخابات
عربية حرة انتصارا ساحقا للتيار
الإسلامي ووصوله للحكم؛ وهو أمر اعترف
به الأمريكيون أيضا في خطاب "هاس"
مدير تخطيط السياسات بوزارة الخارجية
الأمريكية عن خطة
الديمقراطية في العالم الإسلامي
في ديسمبر 2002.
وبالمقابل
لا ينصت فريق في الإدارة الأمريكية لهذه
النصائح، ويعتبرها نتاج خوف هؤلاء
الحكام على مقاعدهم على غرار حالة
الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، حتى
إن "جيمس ولزي" مدير المخابرات
الأمريكية السابق انتقد -في محاضرة له
بثتها هيئة الإذاعة البريطانية-
الحكومات العربية، وقال لها: "نريدكم
أن تقلقوا، وأن تفهموا أن واشنطن ستقف
مع من تخافون منهم (يقصد الشعوب) أكثر من
أي شيء آخر...".
بل
أكد البيت الأبيض في 29 أبريل 2003 على لسان
"آري فلايشر" المتحدث الرسمي عقب
المظاهرات العراقية المطالبة بدولة
إسلامية أن الولايات المتحدة "لا
تعارض تشكيل حكومة إسلامية ديمقراطية
في العراق"، ولكنه كرر معارضة واشنطن
لتكرار النموذج الإيراني في بغداد؛ وهو
ما يعني أن هناك قبولا رسميا أمريكيا
بدور للإسلاميين في الحكم في العالم
العربي، وسبق أن أكده مدير تخطيط
السياسات بالخارجية الأمريكية "هاس"
عندما زار دولا عربية في ديسمبر الماضي
بقوله: إن "الولايات المتحدة لا تعارض
الأحزاب الإسلامية"، وإن "الإدارة
الأمريكية تدرك أن تكثيف الديمقراطية
في العالم الإسلامي ينطوي على مغامرة
بانتخاب قادة لا تفضلهم واشنطن، إلا أن
واشنطن -كما قال- عاقدة العزم على دعم
الديمقراطية حتى وإن أدت إلى تولي أشخاص
لا تحبهم السلطة في بلادهم".
ولكن الأنظمة العربية لا تقبل هذا التفكير الأمريكي، وقد تطرق كبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي "يوسف مايكل إبراهيم" لهذا في صحيفة "نيويورك تايمز" أبريل 2003 (ونقلته عنها جريدة العربي 20 أبريل 2003)؛ حيث تحدث عن مخاوف الزعماء العرب من فكرة الديمقراطية الأمريكية هذه،
ونقل عن الرئيس المصري مبارك قوله -في حوار خاص ذكر أنه جرى مع الرئيس لمدة 3 ساعات حول
السياسة الأمريكية والمنطقة العربية-: "حين يتحدث الأمريكيون عن الديمقراطية في الشرق الأوسط فمن يعتقدون أنه سيتولى السلطة؟.. هل سيتولاها ديمقراطيون؟.. لا بل سيسيطر على السلطة في القاهرة وعمان والرياض وفلسطين الجماعات المنبثقة عن الإخوان المسلمين".
واللافت
هنا أن هناك هوة واسعة بين مواقف
الأنظمة العربية وآراء الإدارة
الأمريكية حول هذه القضية أيا كان الهدف
الأمريكي وراء اللعب بورقة الإسلاميين،
وهذه الهوة زادها اتساعا الشعور
الأمريكي بالنشوة عقب احتلال العراق (رغم
تحذيرات الأنظمة العربية)، فأصبح
الأمريكان يشككون في كل نصائح الزعامات
العربية، ولديهم إصرار أكبر على
استعمال العصا وحدها كمحرك وحيد
للسياسة الأمريكية في المنطقة العربية؛
وهو ما يعني أن حوار الطرفين تحول إلى
حوار الطرشان .
فوائد
التجميل.. وسلبياته
ولا يعني هذا بالطبع أن عمليات تجميل الأنظمة العربية الحالية بلا فائدة، بل إنها خطوة إيجابية، وربما من حسنات الغزو الأمريكي القليلة للعراق، إذا جاز الحديث عن حسنات للغزو والاحتلال! خصوصا أن أوراقا عربية رسمية سودانية وسعودية (سبق أن تم تقديمها للجامعة العربية وتأجل النقاش حولها في قمة شرم الشيخ لقمة مقبلة!) تحدثت عن ضرورة "جسر الهوة بين الأنظمة العربية وشعوبها، وخلق قنوات اتصال بين الحكومات والقوى الشعبية المعارضة، حتى إذا دخلت الحكومات في مواجهة خارجية تكون مستندة إلى ظهر قوي! على اعتبار أن هذا هو لب المشكلة التي تواجهها العديد من الحكومات العربية في مصر وسوريا والسعودية وغيرها، حيث دخلت في مواجهة مكشوفة مع أمريكا منذ 11 سبتمبر، وجاءت على رأس الدول التي تطالب أجهزة الاستخبارات الأمريكية بتغييرها؛ بدعوى مسئوليتها في نهاية الأمر عن رعاية وتشجيع نمو "الإرهاب" الذي ضرب نيويورك!.
ولكن
المشكلة أن عمليات التجميل -بالمقابل-
قد يكون لها آثار عكسية، وربما تكون
أيضا خطوات مؤقتة لتهدئة جبهة النقد
الداخلية والخارجية نحو الحكومات
العربية، وقد تزيد حالة الاحتقان
والغضب الشعبي في ظل الإحباط المتزايد
من الأنظمة العربية الحاكمة، بسبب ما
يحدث في فلسطين، وما حدث في العراق، وما
يجري تدبيره لسوريا وإيران الآن!
وأنصار
هذا الرأي يدللون على ذلك بما حدث
بالفعل في عدة عواصم عربية، مثل حالة
التهدئة في مصر خلال حرب العراق بين
الحكومة وجماعة الإخوان المسلمين لحد
تسيير مظاهرات مشتركة بين الإخوان
والحزب الحاكم، ثم معاودة التصعيد
الحكومي ضد الإخوان عقب انتهاء الحرب،
واعتقال قرابة 25 من قيادات الجماعة في
محافظات مصرية مختلفة.
وربما
يزيد القلق الحكومي ما يُشاع أو تروجه
جهات معينة عن حوارات تديرها أمريكا أو
الاتحاد الأوروبي مع معارضين، خصوصا من
التيار الإسلامي في مصر أو الأردن أو
غيرهما بصورة تشي بأن الغرب يبحث بالفعل
عن بدائل لهذه الأنظمة، ويستعد بحوارات
مع أقوى الجماعات المسيطرة (الإسلاميين)
كي لا يُفاجأ بتغييرات سريعة تهدد
مصالحه في هذه البلدان.
ويبقى السؤال حائرا: هل ستقتصر مؤثرات
مرحلة ما بعد صدام في العالم العربي على
عمليات التجميل لوجه الأنظمة الحاكمة
ببعض الماكياج الأمريكي الديمقراطي؟ أم
يتبعها خطوات حقيقية يفترض أنها تعبر عن
تعلم حكومات المنطقة للدرس الأمريكي؟!.
والأهم:
هل تصدق واشنطن في خطتها لنشر
الديمقراطية في العالم العربي
والإسلامي؟ أم أن تجربة العراق هي
بالفعل النموذج الذي اختارته أمريكا
للتطبيق في العالم العربي والإسلامي
لإنشاء "ديمقراطية إسلامية"، بحيث
يصبح العراق المُحرر -كما قال الرئيس
بوش أمام تجمع لمسلمي أمريكا في
ميتشيجان 28 أبريل الجاري- هو "مثال
للديمقراطية الإسلامية"؟!.
اقرأ
أيضًا:
** محلل الشئون السياسية - إسلام أون لاين.نت
|