|
قلما
تعرض إقليم فرعي في المنطقة العربية إلى
أحداث جسام متلاحقة كما تعرض إقليم
الخليج، فبمعدل زمني متساو تقريباً (كل
عشر سنوات) تشهد دول الخليج حدثاً جللاً
يؤثر مباشرة في مصير ومسار هذه الدول،
وتتداعى آثاره على المنطقة العربية ككل.
وآخر
هذه الأحداث الخطيرة التي تتوالى على
الخليج هو الحرب الأمريكية - البريطانية
على العراق التي انتهت عمليتها
العسكرية مؤخراً لتسفر عن وضع جديد
تماماً عبارة عن احتلال عسكري أمريكي –
بريطاني للأراضي العراقية.
وفضلاً
عن التداعيات والآثار الناجمة عن تلك
الحرب ثم ذلك الاحتلال، والتي ستطال
مختلف الأقطار العربية حكومات وشعوباً،
فإن لمنطقة الخليج على وجه الخصوص نصيباً
كبيراً من تلك التداعيات والتأثيرات،
بحكم جوارها المباشر للعراق، وبحكم
انغماسها بصورة أو بأخرى في
التفاعلات السابقة على الحرب ثم
أثناءها، وبالضرورة فيما بعدها.
ومن
بين جوانب عديدة لتلك التأثيرات تمثل كل
من العلاقات الخليجية - العراقية،
والعلاقات الخليجية-العربية جانباً
أساسياً وجوهرياً فيها، يستحق النظر
فيه ملياً ورصد أبرز ملامحه خاصة في ظل
وجود عدة رؤى وتقييمات لمواقف بعض دول
الخليج تجاه الأزمة والحرب.
المواقف
الخليجية من الحرب
لا
بد من التسليم بأن ملامح الموقف الخليجي
من الغزو الأمريكي للعراق بدأ تشكلها أو
بالفعل تشكلت قبل الغزو بوقت طويل، فقد
استمرت الأزمة بين الولايات المتحدة
الأمريكية والعراق حوالي ثمانية أشهر
تقريباً منذ شهر يونيو العام الماضي
عندما بدأت الإدارة الأمريكية الكشف عن
نواياها بضرب العراق، فمنذ ذلك الحين
وبمرور الوقت ومع اشتداد الأزمة
والمواقف الخليجية يجري فرزها وبلورتها
إماً طوعاً أو كرهاً.
يصعب
الحديث عن موقف خليجي واحد أو موحد من
المسألة العراقية ككل وليس فقط تجاه
الأزمة الأخيرة، وهذا التباين إن لم يكن
الانقسام يُعد سمة ملازمة لمواقف دول
الخليج منذ انتهاء حرب الخليج الثانية
وإخراج العراق من الكويت. لكنه بدا أكثر
وضوحاً واتساعاً مع استمرار الحصار
الاقتصادي على الشعب العراقي ثم مع
انكشاف النوايا الأمريكية باستهداف
العراق بغض النظر عن تقارير المفتشين
الدوليين.
وفي
هذا الإطار يمكن الحديث عن ثلاث درجات
متفاوتة من المواقف الخليجية:
الأول
هو موقف الكويت الثابت منذ تعرضها للغزو
العراقي عام 1990 وهو موقف يرفض التعامل
مع نظام الرئيس صدام حسين ويعتبر العراق
أشد عداء وأكثر خطراً على الكويت من أي
مصدر تهديد آخر في المنطقة، واتساقاً مع
هذا الاحتقان الكويتي الشديد تجاه نظام
بغداد كان الموقف الكويتي دائماً
الأقرب والأكثر تأييداً صراحة أو ضمناً
للتحركات الأمريكية نحو العراق على مدى
السنوات الماضية وليس فقط في الأزمة
الأخيرة.
الموقف
الخليجي الثاني هو موقف كل من البحرين
وقطر والسعودية، وهي جميعاً ظلت تتعاطف
مع الشعب العراقي المغبون بتصرفات
قيادته، لكنها في الوقت ذاته لا تمتنع
أو حتى تعترض على أي سلوك أو تحرك أمريكي
ضد العراق بغض النظر عن مشروعيته، وبين
هذا وذاك فإن هذه الدول تتفهم تماماً
مشاعر الاحتقان الكويتية التي خلفها
الثاني من أغسطس 1990.
الموقف الخليجي الثالث هو موقف
الإمارات وعمان، وهما الدولتان الأقرب
تقليدياً للاتجاه الغالب على المواقف
العربية، والأكثر تعاطفاً خطاباً
وسلوكاً مع الشعب العراقي.
غير
أن ما تنبغي الإشارة إليه أن التفاوت في
المواقف الخليجية ليس نابعاً من تباين
سياسات أو اختلاف المصالح فيما بينها،
قدر ما هو تفاوت في وضعية ودور كل من تلك
الدول في ذلك النظام الإقليمي الفرعي،
فاختلاف المكانة والدور انعكس بالتالي
على درجة ونوعية علاقة كل منها
بالولايات المتحدة الأمريكية،
وبالتالي على المواقف المتخذة تجاه
الملف العراقي وسياسات واشنطن إزاءه.
إضافة إلى عامل آخر لا يقل أهمية، هو
اختلاف الخبرة التاريخية في التعامل مع
النظام العراقي، فكل من الكويت
والسعودية كانتا دائماً هما الأقرب
والأكثر تعرضاً للخطر العراقي سواء ما
وقع منه بالفعل أو ما كان محتملاً. في
حين لم تستشعر الإمارات أو عمان القدر
ذاته من الخطر أو على الأقل التهديد
وبالتالي المرارة. هذا بالطبع إضافة إلى
عوامل واعتبارات أخرى عديدة منها نمط
القيادة وإدراكاتها.. لذا فليس مستغرباً
ذلك التفاوت في المواقف بين الدول
الخليجية.
إلا
أن المواقف الخليجية اجتمعت حول بعض
القواسم المشتركة، على الأقل في نطاق
الخطاب الرسمي، من هذه القواسم
ضرورة أن يكون أي عمل عسكري ضد العراق
تحت مظلة الأمم المتحدة وفقاً لقرار من
مجلس الأمن الدولي، لكن من اللافت أن
دول الخليج اجتمعت أيضاً على موقف يبدو
متعارضاً تماماً مع ذلك الأول، فقد وضح
في غير مناسبة أن ثمة إجماعاً خليجياً (وهو
في الواقع جزء من إجماع عربي أيضاً) على
صعوبة منع الولايات المتحدة من الإقدام
على العمل العسكري إذا ما قررت ذلك أو
شرعت فيه بالفعل، ما يعني على مستوى
الممارسة أن رفض العمل العسكري دون قرار
دولي يتوقف عند نقطة المطالبة ليس أكثر،
وما لم تتحقق تلك المطالبة فليس من
الوارد بحال أن يتخذ هذا الرفض أي شكل
عملي. ومعروف أن هذا ما حدث بالفعل بل
تجاوز الموقف الخليجي هذا الحد بتقديم
بعض دول الخليج (الكويت؛ قطر؛ البحرين
على الأقل) تسهيلات عسكرية وخدمات
لوجستية مباشرة قبل وأثناء العمليات
العسكرية.
وبالنظر
إلى المواقف الخليجية الفعلية مقارنة
بالخطاب السياسي والإعلامي الرسمي،
يمكن القول إن الموقف الكويتي كان
الأكثر صراحة واتساقا، إذ جاء متسقاً
سواء مع المواقف الكويتية السابقة من
الملف العراقي، أو مع الخطاب الكويتي
خلال مراحل الأزمة ثم الحرب.. في حين
اتسمت معظم المواقف الخليجية الأخرى
بدرجة ملحوظة من الازدواجية أو على
الأقل التباين بين الخطاب والممارسة
وإن تفاوتت المسافة بينهما من دولة إلى
أخرى.
الخليج
والعراق الجديد
بعد
أن وضعت الحرب أوزارها، أصبح الحديث
الدائر في مختلف الأوساط العربية
والدولية عن المستقبل العراقي، والشكل
الذي ستتخذه الحكومة بل والدولة
العراقية الجديدة. غير أن المواقف
الخليجية تجاه هذه المسألة لم تزل غير
واضحة، فكل ما أسفر عنه اجتماع وزراء
خارجية دول مجلس التعاون الأخير هو
الدعوة إلى تسليم السلطة إلى العراقيين
في أقرب وقت، والمطالبة بوقف عمليات
الإخلال بالأمن التي سادت العراق مع
توقف العمليات العسكرية.. وهو ذاته
الموقف الذي أسفر عنه اجتماع الرياض
لدول الجوار العراقي إضافة إلى مصر
وسوريا.. وتجنبت المواقف الخليجية الخوض
في التفاصيل الخاصة بكيفية تشكيل
الحكومة العراقية الجديدة، ومدى
تمثيلها لمختلف طوائف وتقسيمات الشعب
العراقي والقوى السياسية الموجودة فيه،
ووضح أن الاهتمام الخليجي ينصب بالأساس
على الجانب الإنساني في التعامل مع
الوضع الجديد، فقررت دول الخليج تقديم
مساعدات غذائية وطبية عاجلة للشعب
العراقي، وهو ما كانت الكويت قد بدأته
مبكراً حتى من قبل انتهاء العمليات
العسكرية.
هذا
عن الموقف الخليجي من الوضع القائم، لكن
بخصوص المستقبل فمن غير الواضح حتى الآن
الاتجاه الذي ستسير إليه العلاقة بين
العراق ودول مجلس التعاون الخليجي،
خاصة على المستوى السياسي والدبلوماسي
المُعلن، حيث ستخضع العلاقات في هذا
المستوى لاعتبارات معينة أهمها القبول
الرسمي العربي العام للوضع الجديد في
العراق، وباستثناء الكويت من المتوقع
أن تتخذ دول الخليج مواقفها تجاه الوضع
السياسي الجديد في العراق في إطار
الموقف العربي العام، في حين ستكون
الكويت أولى الدول العربية وربما أولى
دول العالم التي ستعترف بالنظام الحاكم
الجديد فور تشكيله.
على
صعيد آخر، ليس من المتوقع أن تواجه
العلاقات غير الرسمية لا سيما
الاقتصادية أية مشكلات أو عقبات حقيقية
حيث ستكون دول الخليج أولى الدول
المرشحة لإقامة علاقات اقتصادية مع
الكيان العراقي الجديد، خصوصاً فيما
يتصل بالتبادل التجاري، وخدمات الشحن
والنقل، وإعادة التصدير، كما يمكن
بسهولة توقع دخول استثمارات القطاع
الخاص الخليجي بقوة إلى السوق العراقية،
سواء في نطاق المشروعات الصناعية أو في
القطاع الخدمي.
المحيط
العربي.. الفجوة تتسع
لا
تقتصر تداعيات الغزو الأمريكي للعراق
على العلاقات الخليجية– العراقية، حيث
ستمتد تلك التداعيات لتشمل كذلك المحيط
العربي ككل، وفيما يتعلق بالعلاقات
الخليجية- العربية فإن الموقف الخليجي
من الغزو لم يكن محطة فاصلة فيها، ولم
يدشن مرحلة جديدة أو يقطع مرحلة سابقة،
وهو ما يرجع بصفة أساسية إلى طبيعة
وخصوصية الحالة العراقية وملابساتها،
حيث حالت الخبرة التاريخية السيئة
والتجربة العربية مع النظام العراقي (السابق)
دون حدوث انكسار أو شرخ في الموقف
العربي تجاه دول الخليج بسبب الغزو
الأمريكي، خصوصاً أن بقية مواقف بقية
الدول العربية من الغزو لم تبتعد كثيراً
هي الأخرى عن الموقف الخليجي.
لكن
كما كان تباين المواقف العربية لافتاً
خصوصاً في المحافل الرسمية مثل قمة شرم
الشيخ واجتماعات وزراء الخارجية العرب،
فإن تفاوت المواقف الخليجية لم يكن أقل
وضوحاً. فعلى الجانب الأول وضح أن سوريا
تتبنى أكثر المواقف العربية راديكالية
في رفض الغزو، بينما في الجهة الأخرى
ذهبت الكويت إلى أبعد مدى متاح في تأييد
الموقف الأمريكي في مختلف مراحل الأزمة
ثم الحرب.
غير
أن تباعد المواقف سواء داخل النظام
الفرعي (الخليجي) أو النظام الأم (العربي)
لا يؤشر إلى تحول أو نقلة في العلاقات،
سواء داخل النظامين أو فيما بين دولهما،
ذلك أن الخط العام لتلك المواقف ليس
جديداً، وهو معروف مسبقاً، والتطور
الذي شهده كمي أكثر منه نوعيا.
ومع
ذلك تبقى حقيقة أن المسافة الفاصلة بين
المواقف تجاه الغزو الأمريكي للعراق قد
طالت بحيث أصبحت مرهقة، وربما عصية على
التجاوز أو الالتفاف حولها دون صدامات
ولو إعلامية، وهو ما ينطبق بوضوح على
دور الجامعة العربية والخلاف الحاد بين
أمينها العام عمرو موسى والكويت، وهو
بدوره ليس خلافاً جديداً، ولم ينشأ فجأة،
أو فقط بسبب الغزو الأمريكي للعراق،
فالتحفظ الكويتي والخليجي على مواقف
موسى بدأ فور توليه منصبه قبل عامين
عندما بادر إلى محاولة وساطة بين العراق
والكويت، تمهيداً لإعادة دمج العراق في
التفاعلات العربية بصورة فعلية.. لكن
تحركات الأمين العام عشية الغزو
الأمريكي للكويت، والموقف الكويتي
الفعلي عشية وأثناء الغزو مثلا طرفي
نقيض.. وفي ظل محورية السمات الشخصية
والتركيبة النفسية والسياسية في دور
الأمين عام الجامعة العربية، فإن
الخلاف القائم بين موسى وبعض المسؤولين
الكويتيين مرشح للاستمرار والتحول إلى
فجوة في العلاقة بين الكويت والجامعة
ذاتها.. وهنا يجب تذكر أن المواقف
الخليجية الأخرى وإن لم تكن دائماً
متطابقة مع مواقف الكويت، فإنها
تساندها وتدعم مواقفها، خصوصاً إذا
اضطرت إلى المفاضلة أو حسم الخيارات،
فعندها تكون الأولوية للانتماء الخليجي
وليس العربي.
في
الاتجاه ذاته، يمكن القول إن المستوى
غير الرسمي للعلاقات الخليجية-العربية
سيتأثر كثيراً بالموقف الخليجي من
الغزو الأمريكي للعراق، ورغم ما سبقت
الإشارة إليه من أن الموقف الخليجي بوجه
عام لم يكن بعيداً تماماً عن بقية
المواقف العربية، أو بالأحرى لم تكن بعض
المواقف العربية بعيدة عنه، فإن
الانطباعات الشعبية ومواقف مؤسسات
المجتمع المدني تشير إلى وجود رأي عام
عربي تميل غالبيته إلى انتقاد المواقف
الخليجية بصفة عامة، والاستياء الشديد
من الكويت بصفة خاصة، بل وتحميلها
المسؤولية عن وقوع الغزو من خلال
المساعدات اللوجستية والتسهيلات
العسكرية التي تلقتها القوات الأمريكية
والبريطانية ولم تكن لتتمكن من القيام
بالغزو بدونها.
اقرأ
أيضًا:
**
باحث في الشؤون
الاستراتيجية- القاهرة.
|