 |
|
دور
كبير للعشائر في الحرب |
فور
بدء الغزو الأمريكي للعراق حرصت قرابة 5
صحف أمريكية على نشر شعر حماسي للشاعر
المسرحي المعروف "هارولد بنتر" عن
جنود قوات الغزو بعنوان "فليبارك
الرب أمريكا" يقول ملخصه: "ها هم
يذهبون ثانيا.. اليانكيون في دروعهم..
يتغنون ببهجة.. يسبحون بحمد الرب
الأمريكي.. في طرق مفروشة بجثث الموتى..
لا يريدون الفناء.. رؤوس تتدحرج على
الرمال.. ورؤوس تسبح في الطين.. ورؤوس
ملطخة بالتراب.. عينك زاغت وأنفك زكم..
تشم فقط رائحة نتانة الموتى.. ولكن هذا
الهواء الميت الذي تشمه هو رائحة الرب
الأمريكي".
ومع
أن الهدف من نشر هذا الشعر كان إظهار
عزيمة الأمريكان وقوتهم وصمودهم ورفع
روحهم المعنوية، على اعتبار أن تصور
مخططي سياسة الحرب الأمريكية كان يقوم
على فرضية أن العراق سيستسلم في غضون 3
أيام يخرج بعدها العراقيون مرحبين
بقوات الغزو؛ فقد أظهرت المعارك عكس ذلك،
حتى إن مدينة واحدة مثل الناصرية التي
حددوا -كما يقول قادة عسكريون أمريكيون-
ستة ساعات فقط لانهيارها ظلت تقاوم 24
ساعة في 10 أيام، ولا تزال!
وبعد
أن كانت خطة أمريكا تقوم على "الصدمة
والدهشة" لكسر شوكة القيادة العراقية،
تحولت إلى "صدمة مرتدة" على
الأمريكان، أفشلت خطط "اليانكيين"،
حتى إن مجلة "نيويوركر" نشرت 31 مارس
2003 تقريرا على لسان قادة في البنتاجون
ينتقدون خطة وزير الدفاع وأركان حربه،
ويقولون بأنهم "كانوا مأخوذين جدًّا
بنظرية الصدمة والترويع، وبدا لهم
النصر مؤكدًا"، وهو ما لم يحدث!
ويطرح
هذا سؤالاً حول سر صمود العراقيين في
الجنوب والصمود الأكبر المرتقب في
بغداد، حسبما يرى المحللون العسكريون،
والأسباب أو العوامل التي ساعدت عليه،
وبالتالي هل يستمر مفعولها في بغداد؟
وإلى متى؟ وهل هذا الصمود راجع لتأثيرات
الحرب النفسية فقط التي كسبها
العراقيون في الأيام الأولى (الصدمة
المرتدة) مع رؤية اليانكيين قتلى وأسرى
وجرحى، وإسقاط الأباتشي ببندقية فلاح
عراقي أم أن هناك "خلطة سرية"
عراقية وراء ذلك؟!
من
الواضح أن هناك جملة عناصر وراء هذا
الاستبسال الشعبي العراقي في المقام
الأول من جهة، ونجاح التكتيك الحربي
العراقي في الاستفادة من دروس الماضي،
ورفض المواجهة المباشرة، وتفضيل حرب
المدن، وحرب الاستنزاف على طريقة "ستالينجراد"
التي استعصت على النازيين، وارتدوا
عنها مهزومين لتنهار بعدها إمبراطورية
هتلر.
ولكن
بالإضافة إلى سلاح الحرب النفسية،
والتخطيط العسكري الجيد الذي أسهب في
تفصيله المحللون، واستعمال "تقنيات
الفقراء" في تضليل الصواريخ
الأمريكية.. هناك جملة عوامل عراقية
أخرى ساهمت في الصمود، وستكون هي الفيصل
في المرحلة المقبلة، ويمكن تقسيمها إلى
عوامل نفسية وتعبوية، وأخرى عوامل
عسكرية:
أولا:
العوامل النفسية والتعبوية
وأبرز
هذه العوامل ما يلي:
1-
عامل "المواطنة": وهو الذي دفع
العراقيين في الداخل والخارج إلى
التكاتف لمقاومة قوات الغزو الخارجي،
والذود عن بلادهم، وتنحية خلافاتهم مع
الحكم العراقي جانبًا، حتى إن الكثيرين
من المعارضين العراقيين في الخارج دعوا
لمواجهة الغزو الخارجي أولا، كما أن
استطلاعًا للرأي العام أجرته "إسلام
أون لاين.نت" حول "أيهما أخطر على
مستقبل المنطقة: الغزو الخارجي أم
الحكومات الديكتاتورية أم هما معا؟"..
كشف عن جنوح الغالبية العظمى نحو عامل
"الغزو الخارجي".
2- عامل "الدين":
فبالإضافة إلى تأثر العراق -شأنه شأن غالبية الأقطار العربية- بالصحوة الإسلامية المتزايدة التي اخترقت الحدود عبر الفضائيات وتقنيات الاتصال والإنترنت الحديثة، حدث تحول مهم في عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي منذ هزيمة عام 1991 لينحو أكثر نحو الدين بدلا من العلمانية، وهو ما انعكس ليس فقط على تغيير شكل العلم العراقي وتزيينه بعبارة "الله أكبر"، ولكن في اتخاذ الحكومة العراقية خطوات حقيقية لغلق الخمارات والملاهي المبتذلة التي اشتهرت بها بغداد، وتغيير لغة خطابها إلى خطاب ديني.
صحيح
أن الهدف الأول المعلن لهذا الحزب الذي
نشأ اشتراكيًا في سوريا عام 1947، ثم
العراق عام 1952.. كان "النضال ضد
الاستعمار من أجل تحرير الوطن"؛ ما
يحمس أنصاره على مواجهة الغزو الأنجلو
أمريكي الحالي، وأن هناك من اعتبر لجوء
البعثيين للدين مجرد حيلة، ولكن تأثير
دخول الدين كعنصر إيماني فطري على فكر
البعث ساهم في مزيد من صلابة الموقف
الشعبي العراقي.
3-
عقدة فيتنام: وهذا العامل لا علاقة
مباشرة له بالصمود العراقي، ولكنه ظهر
كنتيجة غير مباشرة لهذا الصمود، وكان له
أثر مدمر على المعنويات الأمريكية،
ويمكن تتبعه بسهولة من رصد وسائل
الإعلام الغربية وتصريحات القادة
الأمريكيين؛ حيث أصبحت كل معركة
ونتائجها مع العراقيين تُقارن بما حدث
في فيتنام؛ فهجوم الأباتشي على
الناصرية يوم 24 مارس وكثافة النيران
العراقية دفعت الجنود العائدين للحديث
عن "أساليب فيتنامية" في الحرب،
وحرب العصابات في مدن الناصرية والفاو
وأم قصر انعكست على تصريحات قادة
عسكريين أمريكيين شبهوا القتال في
العراق بمثيله في فيتنام، وهو أمر أقلق
القادة العسكريين الأمريكيين، خصوصا مع
استحضار غالبية محطات التلفزيون
الغربية خبرة حرب فيتنام وعرض أفلام
وثائقية عنها.
4-
الجنرال "جو وطين ورمل": وهذا
العامل له تأثير السحر على معنويات
وفاعلية الهجوم على العراق، وقد اعترف
القادة العسكريون الأمريكان بأن هذا
الجنرال -(جو وطين وغبار) كما أسموه- يؤثر
على قواتهم، ويصعب حركتها في الوقت الذي
يوفر للعراقيين الفرصة للتحرك بحرية
لاعتيادهم عليه.
فلم
تأتِ هذه العواصف الرملية فقط مبكرة عن
موعد إبريل ومايو، ولكنها تسببت في
إطلاق الجنود النيران أحيانًا على
بعضهم البعض فيما عرف بـ"النيران
الصديقة"، وهذه الأجواء مرشحة
للتدهور مع دخول القتال شهر إبريل وربما
مايو؛ حيث يبدأ عامل آخر أكثر إحباطا
للقوات الغازية، وهو الحر وارتفاع
درجات الحرارة في العراق إلى 50 و55 درجة
مئوية، وإذا أضيف لهذا اضطرار جنود
الغزو لارتداء الملابس الثقيلة الخاصة
بالحماية من المواد الكيماوية
والبيولوجية عند اقتحام بغداد إجباريا
لتوقع قادتهم استعمال العراقيين لها،
يمكن تصور صعوبات الحرب بالنسبة لقوات
الغزو مستقبلا.
ثانيا:
العوامل العسكرية
وهذه
العوامل لا تتطرق إلى دور الجيش النظامي
العراقي بقدر ما تتطرق إلى الأطراف
العسكرية الأخرى الفاعلة التي يثق بها
النظام، والتي يمكن أن نطلق عليها مجازا
اسم "القوات المسيّسة" أو التي
تستند إلى "مبدأ أو عقيدة" في
تحركها، وهذه يقصد بها أساسًا 4 قوى مهمة
تُعد بمثابة الأركان التي يستند إليها
حكم الرئيس العراقي صدام حسين، وتشمل
الاستشهاديين وقوات فدائيي صدام وقوات
الحرس الجمهوري وعناصر العشائر
العراقية.
 |
|
الاستشهاديون سلاح الرعب ضد الأمريكان |
1-
الاستشهاديون والمتطوعون العرب:
منذ
ما يقرب من 3 أشهر وفي أوج التهديدات
الأمريكية بشن حرب على العراق، وردت
أنباء عن وصول عدد من المقاتلين العرب
من جنسيات مختلفة -منهم خليجيون- إلى
العاصمة العراقية بغداد للقيام بعمليات
فدائية ضد القوات الأمريكية البريطانية
في حالة تقدم القوات الغازية إلى بغداد،
وخوضها لحرب الشوارع من أجل إلحاق أكبر
قدر من الخسائر بين صفوف القوات الغازية.
ولا
يُعرف على وجه الدقة عدد هؤلاء
الاستشهاديين، ولكن متحدثا عسكريا
عراقيا أعلن يوم 30 مارس 2003 أن أكثر من 4
آلاف عربي من كافة الدول العربية وصلوا
إلى بغداد للقيام بعمليات استشهادية.
وقد
بثّ التلفزيون العراقي الرسمي بالفعل
عددًا من الصور واللقاءات الشخصية مع
بعض هؤلاء الاستشهاديين قبل بدء الحرب،
وهم يجرون تدريبات عسكرية، بعضهم تحدث
بلغة دينية عن مفهوم الاستشهاد في سبيل
الله للدفاع عن ثغور الإسلام، ووجوب
الجهاد إذا وطئ الغزاة أرض المسلمين،
والبعض الآخر كان يتحدث عن الاستشهاد
"من أجل صدام"، ويضع هذا الشعار على
الملابس التي يرتديها، ويهتف هؤلاء
بعبارة "بالروح بالدم نفديك يا صدام"!
وفي
أوائل شهر فبراير 2003 هدد نائب الرئيس
العراقي طه ياسين رمضان باستخدام "العمليات
الاستشهادية" ضد القوات الأمريكية في
حال ما إذا غزت العراق، وقال بأنها لن
تستخدم فقط في العراق، ولكن أيضا ضد
المصالح الأمريكية الأخرى، ثم عاد وكرر
هذا التهديد في أعقاب أول عملية
استشهادية -قيل: إن ضابطا عراقيا قام بها
في اليوم العاشر للحرب، وقتل فيها 5 جنود
أمريكان- في مقابلة مع مجلة دير شبيجل
الألمانية (عدد 28 مارس 2003)، مؤكدًا أن
"هذه فقط البداية.. وستسمعون أخبارًا
جيدة أكثر في الأيام القادمة".
ودعا
رمضان العراقيين لمهاجمة قوات الغزو في
أماكنهم قائلا: "نحن نمتلك حق استعمال
أيّ وسائل"، وأن "استشهاديا يستطيع
قتل 5 آلاف في مهمة واحدة"، ثم نصح
الأمريكان -لتجنّب ذلك في المستقبل- بأن
"يحزموا الحقائب ويتركونا دون تدخّل".
وعلى
الرغم من قلة أعداد هؤلاء الاستشهاديين،
وخلط بعضهم بين الاستشهاد في سبيل الله
والاستشهاد "من أجل صدام"؛ فإن
الأثر النفسي لسلاح الاستشهاد يلعب
دورًا خطيرًا في هدم الروح المعنوية
لقوات الغزو، ويعيد لأذهانهم العمليات
الاستشهادية التي طالما سمعوا عنها
وشاهدوها في فلسطين ضد جنود الاحتلال
الإسرائيلي؛ وهو ما لم يُخفِه القادة
الأمريكيون، وإن سعوا للتخفيف من وطأته!
حيث قال الميجور جنرال فيكتور رينوارت
مدير العمليات في القيادة الأمريكية
الوسطى: "نحن قلقون بشأن أي هجوم غير
تقليدي على قواتنا، وتتم دراسة كل من
هذه الهجمات"، كما قال رئيس هيئة
الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال
ريتشارد مايرز: إن القوات الأمريكية
والبريطانية "يمكن أن تغير أساليبها
للتغلب على خطر الهجمات التي يفجر فيها
المهاجمون أنفسهم".
2-
فدائيو صدام:
 |
|
فدائيو صدام .. البنتاجون تحذر منهم! |
يختلف
فدائيو صدام عن الاستشهاديين في أنهم
قوات شبه نظامية من المدنيين من أنصار
حزب البعث، هدفها استنزاف القوات
المهاجمة، والعمل خلف خطوط العدو بشكل
رئيسي؛ ولهذا لعبت دورًا حيويًا في ضرب
خطوط إمدادات قوات الغزو في الجنوب ووسط
العراق.
ولا
تتوافر معلومات محايدة عن تدريب وأعداد
هذه القوات -التي نشأت عام 1995 على يد نجل
الرئيس العراقي عدي- بدقة إلا من مصادر
المعارضة العراقية والمخابرات
الأمريكية، ولكن اللافت أن أداءها في
مدن الجنوب العراقي كان عاليا بشهادة
الأعداء؛ بدرجة أكسبت العراقيين الحرب
النفسية منذ الأيام الأولى، ودفعت
مخططي الحرب لتحذير قواتهم من هؤلاء
الفدائيين الذين وضعوا خططًا غير دقيقة
لمواجهتهم ثبت عدم صحتها.
ووفقا
لأرقام معلنة من جانب مجلس العلاقات
الخارجية الأمريكي ومن قوى المعارضة
العراقية يبلغ عدد "فدائيي صدام"
ما بين 30 إلى 60 ألفا من القوات شبه
العسكرية الشابة من عناصر حزب البعث ممن
يجيدون أساليب الكر والفر، وتبدأ
أعمارهم من سن 16 عاما فما فوق، ويحملون
أسلحة آلية، ويتسلحون بالقذائف
الصاروخية والمدفعية المحمولة على
العربات العسكرية.
ولكن
وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)
تقدر أعداد تلك القوات (فدائيي صدام) بما
يتراوح من 5 إلى 20 ألف جندي فقط، وتقول
بأن معظمهم من تكريت، مسقط رأس الرئيس
العراقي، وأن هذا سبب ولائها الشديد
لصدام.
ولا
يتبع هؤلاء -نظاميا- الجيش العراقي،
وبالتالي لا يرتدي الفدائيون زيا
عسكريا معينا، ولهذا اشتكى الغزاة من أن
مدنيين يهاجمونهم قالوا بأنهم عسكريون
بلباس مدني، ولكن ما يتردد عن إشراف عدي ابن الرئيس
العراقي عليهم يشير إلى رابطة
ما بينهم وبين الجيش على الأقل من قبيل
تنظيم العمليات.
ويتقاضى
أفراد تنظيم فدائيي صدام مرتبات مجزية،
تبدأ بنحو خمسين ألف دينار عراقي شهريا
مع مزايا خاصة أخرى في الملبس والمأكل
والمسكن، فضلا عن الرعاية الاجتماعية
لأسرهم، ويعرف عنهم ولاؤهم الشديد
وانتماؤهم المطلق للرئيس العراقي صدام
حسين.
وتقدر
بعض الدراسات تعداد فدائيي صدام بنحو 150
ألفًا في تقديرات عراقية أخرى؛ ولهذا
يعتبر البعض أن تنظيم فدائيي صدام سيكون
هو خط الدفاع الأخير لحماية العراق
وقيادته عند الحاجة بعد قوات الحرس
الجمهوري خصوصا في حرب المدن.
وقد
اعترف تقرير سري لوكالة الاستخبارات
المركزية الأمريكية (سي آي إيه) نشرته
الصحف الأمريكية بخطورة هؤلاء
الفدائيين، واعتبرها "التهديد
الأكبر للقوات الأمريكية وقوات التحالف،
وخصوصا خطوط الإمداد ووحدات المؤخرة".
3-
الحرس الجمهوري:
تعد
هذه القوات هي أساس الدفاع عن العاصمة
بغداد بجانب القوات النظامية؛ حيث
تتفوق في تسليحها وتدريبها والمزايا
التي تتمتع بها، فضلا عن أن أغلب
عناصرها أيضا من العشائر العراقية التي
ينتمي إليها الرئيس العراقي، ومن
مدينته (تكريت).
وتنقسم
هذه القوات إلى ثلاث فرق رئيسية، هي: "فرقة
المدينة" المتمركزة حاليا قرب جنوب
بغداد، وستكون أول من يلاقي قوات الغزو،
و"فرقة النداء" المتمركزة شرق
العاصمة، ثم "فرقة حمورابي" التي
تتمركز في غرب بغداد.
وتعتبر
قوات الحرس الجمهوري هي الأكثر كفاءة من
الناحية العسكرية، والأكثر موالاة
لصدام حسين، ويتراوح تعدادها بين 120 إلى
150 ألفا، وكل فرقة تنقسم إلى ألوية
وأفواج، وكل فوج تعداده ألف فرد، ويقدر
عدد آليات هذه القوات -وفق مصادر
المعارضة العراقية- بحوالي 10 آلاف، أما
أسلحتها فتتراوح بين القاذفات والبنادق
والعربات المدرعة والدبابات والصواريخ.
4-
العشائر.. القوة الحقيقية:
ليس
هناك حصر موحد بعدد العشائر العراقية،
خصوصا أن كل عشيرة تنقسم إلى عدة "أفخاذ"
و"بطون"، بيد أن هناك تقديرات عامة؛
فموقع "بوابة العراق" المعارض
http://www.iraqgate.net/tribe/index.htm
يورد تفاصيل بأعداد العشائر تتضمن
معلومات عن 132 عشيرة في العراق،
وبالمقابل تشير مصادر عراقية أخرى إلى
أن هناك ما يقرب من 50 قبيلة كبيرة في
العراق، وهذه تنقسم إلى ما يقرب من 2000
فخذ وبطن. ويتراوح عدد كل تشكيلة قبلية
منها بين أكثر من مليون شخص وعدة آلاف
شخص فقط. وبين الكيانات القبلية الكبيرة
هناك بينها ما يقرب من 30 إلى 35 عشيرة
يُعتقد أن لها دورًا مهمًا في السيطرة
على العراق.
وبشكل
عام يمكن القول بأن هذه العشائر هي
القوة الحقيقة الشعبية التي ستقف وراء
الصمود العراقي من منطلق الحفاظ على أرض
كل عشيرة من جهة، والدفاع عن أرض العراق
من منطلق ديني ووطني من جهة ثانية،
ويعتقد أن دورهم في الجنوب كان حاسمًا
في عرقلة تقدم قوات الغزو، خصوصا في
الناصرية ومدن الجنوب عمومًا.
فالعراق
تاريخيا عبارة عن مجموعة من العشائر أو
القبائل، والتقاليد التي يعود تاريخها
لأيام الإمبراطورية العثمانية كانت
تستند إلى هذه العشائر في توزيع النفوذ،
وعندما أقام البريطانيون عام 1921 مملكة
تتولى حكم ما عرف حينها بمنطقة "انتداب"
منحت للندن من قبل عصبة الأمم، اضطر
مكتب المستعمرات البريطاني للتعامل مع
هذه الحقيقة، وبحث عن حاكم للعراق من
عشيرة قوية وذات نفوذ وصيت، ووقع
الاختيار على الملك "فيصل الأول"
ذي الأصول الهاشمية الذي ينتسب لمكة
المكرمة، ولكن ظلت مع ذلك المقاومة التي
تقودها العشائر الأخرى ضد هذا الملك
الذي وضع يده في يد قوات الاحتلال
الإنجليزي تؤرق حكمه طوال 12 عامًا.
وعندما
قامت ثورة عام 1958 كان عليها أيضا مواجهة
نفس التحدي؛ ألا وهو السيطرة على
العشائر خصوصا ذات المرجعية الدينية
"الشيعية" في الجنوب العراقي؛ حيث
سعت أنظمة الحكم المتعاقبة خلال
الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي
لمراعاة دور العشائر من جهة، والسعي
لتنمية دور الحضر والمدن الحضارية من
جهة أخرى في مواجهة هذه العشائرية.
ومنذ
قيام الجمهورية الحالية بقيادة صدام
حسين في 17 تموز 1968، كانت العشائر
العراقية تمثل الأغلبية الصامتة من
العراقيين التي كان يحسب لها الحكام ألف
حساب، كما أنها بقيت وطيلة تلك المرحلة
من تاريخ العراق الحديث على ولائها
المطلق للمرجعية الدينية ووفائها للقيم
والمبادئ الإسلامية.
ولأن
حكم الرئيس العراقي صدام حسين كان من
أكثر النظم العراقية استنادا إلى
عشيرته من بين مئات العشائر العراقية؛
فقد كان من الطبيعي أن تثور العشائر
أيضا على الحكم في فترات مختلفة؛ حيث تم
التعامل معها بشدة لتثبيت أركان الحكم
في البداية.
ومع
بدء وفرة عوائد البترول خلال
السبعينيات لجأت حكومة حزب البعث الذي
ينتمي إليه صدام حسين إلى استغلال
الأموال التي وفرتها مبيعات النفط
الهائلة في عام 1973 في كسب ود العراقيين
وولائهم لبغداد، وخصوصا بين الجماعات
العرقية والطبقية والعشائرية التي
استفادت من هبات الحكومة التي وفرت لهم
الرعاية الصحية والتعليم والمساكن، كما
حسنت ووسعت -إلى حد كبير- أوضاع البنى
التحتية.
وعندما
سعت قوات التحالف في حرب 1991 لإثارة
العشائر الجنوبية والشمالية ضد حكم
الرئيس العراقي لتقويضه استنادا إلى
قصور يده عن هذه العشائر بفعل قرار حظر
الطيران العراقي في هذه المنطقة، سعى
الرئيس العراقي بدوره لمزيد من إعطاء
المزايا لعشائر الجنوب والشمال، وإحياء
أهم العناصر الأساسية للهوية العراقية -وهي
العشائرية- لتقف أمام الخطة الأمريكية؛
حيث تعتبر التقاليد العشائرية غالبا
التعامل مع أجنبي ضد أبناء البلاد خيانة.
كما
دعا الرئيس العراقي صدام حسين العشائر
العراقية فور بدء الغزو إلى مقاومة
القوات الأمريكية والبريطانية التي تشن
حربًا على العراق "دون انتظار الأمر
من المراجع" الاعتيادية كما قال،
وشدد صدام في رسالة وجهها إلى شيوخ
العشائر العراقية، وبثها التلفزيون
العراقي على الدافع الإيماني والوطني،
قائلا: "إن من كان يتردد في القتال قبل
الآن منتظرا أمرًا؛ فإننا بهذه الرسالة
نوجه لكم أمر الإيمان والدين والوطن
والجهاد".
واللافت
أن أكثر العشائر انقلابا على الحكم
العراقي كانت العشائر الجنوبية، وهو ما
يثير التساؤل حول سبب صمودها في الجنوب
أمام الغزو الأخير، ويؤشر لتغليب دور
الدين والخيار الوطني في الدفاع عن
البلاد.
ولهذا
قال محللون غربيون قبل بدء الحرب بأن
إدارة بوش تتجاهل سندًا آخر يعتمد عليه
صدام حسين في قوته، هو تلك السلسلة
المركبة من التحالفات مع زعماء العشائر
العراقية؛ لأن "هؤلاء حلفاء يمكن
كسبهم بالمال لا شراؤهم"، داعين
الرئيس بوش وصقوره لفهم أن العشائر
يمكنها التسريع بالإطاحة بصدام دون أن
تضطر أمريكا لإطلاق رصاصة واحدة على
اعتبار أن العراق يعد بالأساس مجتمعا
عشائريا!
ومع
أن هناك العديد من العشائر تعادي حكم
الرئيس العراقي أو تخشى الصدام معه؛ فإن
العشائر السنية التي تعيش بالقرب من
العاصمة العراقية بغداد وتتمتع بنفوذ
وقوة كبيرة تعتبر أحد أضلاع مربع الدفاع
عن بغداد بجانب الحرس الجمهوري وفدائيي
صدام والاستشهاديين.
فالقبيلة
القائمة على رأس السلطة تقوم على
تحالفات واسعة بين القبائل السنية مثل
عشيرة "البيجات" التي تتألف بدورها
من 10 أفخاذ، وهناك 3 عشائر أخرى (هي: آل
أبو خطاب، وآل أبو مصلت، وآل بو المجيد)
متحالفة مع الحكم. أما العشيرة المهيمنة
على السلطة فتنتمي إلى فخذ "آل بو
الغفور" وهي نفس الفخذ التي ينتمي
إليها الرئيس صدام حسين نفسه، وهذه
الفخذ عقدت تحالفا مع بيت آخر من نفس
العشيرة، هو بيت آل بو سلطان الذي ينتمي
إليه قائد الحرس الجمهوري كمال مصطفى،
وبالتالي فإن النظام العراقي أصبح
يستند لنواة صلبة من آل أبو الغفور وآل
بو سلطان، المهيمنين على الحزب وعلى
المستويات القيادية في الجيش
وبيروقراطية الدولة.
اقرأ
أيضًا:
** محلل الشؤون السياسية بموقع إسلام أون لاين.نت
|