بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الإمبراطورية الأمريكية.. ثلاثية الثروة والدين والقوة

29/03/2003

سمير مرقص**

الإمبراطورية الأمريكية فاقت التوسع النازي

هل ظهرت النزعة الإمبراطورية الأمريكية الجديدة فجأة ومنفصلة عن سياق قائم؟ وهل كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي البداية التي انطلقت من خلالها الولايات المتحدة لتدشين واقع جديد ورسم معالم الإمبراطورية الجديدة؟ وهل ساهمت الإدارة الأمريكية اليمينية في تشكيل معالم تلك الإمبراطورية أم أنها ساهمت فقط في إبرازها وتجسيدها سريعًا على أرض الواقع؟ 
حتى نجيب على هذه التساؤلات وغيرها علينا أن نتناول عدداً من النقاط التي تساهم في تشكيل الصورة وإبرازها:

الإمبراطورية الأمريكية.. خلفية تاريخية

1- أمريكا.. بناء القوة الذاتية:

عكفت الولايات المتحدة الأمريكية منذ استقلالها على بناء قوتها الذاتية، وانطلق هذا البلد -بتعبير بول كيندي- في تقدمه بسرعة صاعقة، مستغلا قلة القيود الاجتماعية والجغرافية، وانعدام الأخطار الخارجية الجسيمة، إضافة إلى تدفق رأس المال الاستثماري وخاصة الداخلي. وقد أدى الازدهار الاقتصادي إلى ازدهار التجارة الخارجية، وهو الأمر الذي دفع إلى الاهتمام بالعلاقات الدولية، وبروز الحاجة إلى تشكل سياسة خارجية أمريكية. فلقد ضغطت الجماعات ذات المصالح لفتح أسواق خارجية فيما وراء البحار. وهكذا فإن تنامي القوة الصناعية الأمريكية والتجارة الخارجية قد خلق الاهتمام بالسياسة الخارجية، وبدء تحديد الدور الأمريكي في إطار العلاقات الدولية.

2- أمريكا: التوسع من الداخل إلى الخارج:

لقد اعتمدت أمريكا في بناء قوتها الذاتية على التوسع من الداخل إلى الخارج، أي داخل أراضيها أولاً، فبعد انفصال أمريكا عن بريطانيا عام 1783 شرعت في قتل أبناء الأرض الأصليين من الهنود الحمر، فعمل المستوطنون الأمريكيون خلال الفترة 1801 - 1845 على السيطرة على جنوب المحيط الأطلسي (فلوريدا) والوسط وشمال الوسط. ثم أحكمت السيطرة على معظم المناطق في الفترة 1846 - 1890 من الوسط والجنوب والشمال، وصولاً إلى أقصى الغرب الأمريكي حتى ساحل المحيط الهادي. وهكذا اكتملت السيادة التامة على كل أراضي العالم الجديد من عام 1853م، والسيطرة الميدانية لا تعني فقط الوجود الفيزيقي البشري، وإنما ثروات وخيرات هذا العالم البكر.

3- التوسع الخارجي وتشكل السياسة الخارجية الأمريكية:

توسعت أمريكا من الداخل إلى الخارج، بعكس التوسع الأوروبي حيث التوسع إلى المستعمرات أولاً ثم نزح الثروات والعودة إلى الداخل لبناء القوة الذاتية. وقد انعكس هذا الاختلاف موضوعيًا على جوهر الرؤية الحاكمة الأمريكية للعلاقات الدولية من جانب، والدور العملي الذي سيتحدد وفقًا لهذه الرؤية من جانب آخر. فالخبرة الأوروبية للتوسع كانت في إطار التوازن الدولي للقوى الأوروبية بحسب معاهدة وستفاليا 1648، بينما الخبرة الأمريكية للتوسع لم تكن في إطار توازن القوى الدولية، وإنما انطلق على قاعدة أن أمريكا؛ القوة البازغة؛ مساوية للنظام الدولي.

بعد أن استكملت الدولة الجديدة السيطرة على كامل "أراضيها"، بدأت في التوسع نحو مجالها الإستراتيجي (أي نحو المحيطين: الهادي والأطلسي)، فنجد أمريكا في اتجاه المحيط الهادي، تسيطر على هاواي وبيرل هاربور في عامي 1842 و1887، ثم جزر الميدواي عام 1867، ثم جزر ساموا عام 1878، ونشبت معركة في الفلبين وقت الحرب الأمريكية الأسبانية، وانتهت بسيطرة أمريكا على تلك الجزر الشاسعة عام 1898.

أما في اتجاه الأطلسي فنجد أمريكا تسيطر على جزر بورتريكو عام 1898 ثم تتحكم في قناة بنما في عام 1903، ثم غزو فنزويلا ونيكاراجوا وهايتي وكوبا والمكسيك.

وهكذا توسعت أمريكا من الداخل إلى الخارج، بعكس التوسع الأوروبي حيث التوسع إلى المستعمرات أولاً، ثم نزح الثروات والعودة إلى الداخل لبناء القوة الذاتية. وقد انعكس هذا الاختلاف موضوعيًا على جوهر الرؤية الحاكمة الأمريكية للعلاقات الدولية من جانب، والدور العملي الذي سيتحدد وفقًا لهذه الرؤية من جانب آخر. فالخبرة الأوروبية للتوسع كانت في إطار التوازن الدولي للقوى الأوروبية بحسب معاهدة وستفاليا 1648، بينما الخبرة الأمريكية للتوسع لم تكن في إطار توازن القوى الدولية، وإنما انطلقت على قاعدة أن أمريكا (القوة البازغة) مساوية للنظام الدولي.

4- جوهر السياسة الخارجية الأمريكية: المصلحة القومية العليا (الثروة - القيم/ الدين - القوة):

إن الإمبراطوريات– بحسب كسينجر– لا تهتم بأن تدير شئونها في إطار نظام دولي، فهي تطمح إلى أن تكون هي ذاتها النظام الدولي. هكذا مارست الولايات المتحدة الأمريكية دورها في العلاقات الدولية منذ اليوم الأول الذي بدأ فيه توسعها الدولي.

يمكن القول: إن جوهر النظرة الأمريكية للسياسة الخارجية وللعلاقات الدولية يقوم على المصلحة الأمريكية القومية العليا بالأساس، والتي تتكون من ثلاثية: الثروة - القيم/الدين - القوة.

إن تحالف الساسة ورجال المال ورجال الدين في أمريكا قد رسم الخلفية الفكرية الحاسمة للمصلحة القومية العليا للولايات المتحدة، التي ألقت بظلالها على سياستها الخارجية ودورها في العلاقات الدولية. ويعبر أحد قادة البحرية الأمريكية عما سبق بقوله: "على الولايات المتحدة أن تنشر نفوذها التجاري في أنحاء الأرض كلها.. والتصدي للأهداف الإمبريالية الأوروبية.. إن مبدأ مونرو يوجب على الولايات المتحدة رفض أي نفوذ آخر.. الأمر محكوم بالمصلحة القومية وحدها، ولا يبدو أن له حدودًا. فعلى الولايات المتحدة الارتقاء إلى مصاف القوى العظمى.. وتكمن المصلحة القومية، من حيث جوهرها المعلن في طلبها بهيمنة أمريكية ممتدة إلى ما بعد البحار..".

إن قراءة كثير من النصوص الواردة على لسان رجال الدين والسياسة والمال تعكس الرغبة للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والدينية على العالم. فالمشروع الأمريكي منذ وقت مبكر "بات هو جذْب كل أنام الكوكب إلى مجتمع مثالي، تشكل على الأرض الأمريكية، وتحقيقه أولاً بالتسامح، ثم بالقوة عند الاقتضاء، وأخيرًا -وهو الأفضل- بالتجارة، إن مهمة أمريكا هي أن تدل بقية العالم على طريق التوبة والتطهير الكبير والإصلاح الاجتماعي، وتراكم الثروة بشتى الطرق".

يعكس ما سبق نظرة للذات "رسالية" و"استعلائية" تجاه العالم الذي لم يزل يعيش في الظلمة بتبني قيمها وبالتجارة طواعية أو بالقوة إذا لزم الأمر. إن الرسالة الأمريكية هي مصلحتها القومية، وتحقيق المصلحة القومية إنما يحقق الرسالة الأمريكية: بالقيم/ الدين، والقوة، والتجارة، إنها استعادة للثلاثية الأوروبية". العسكري والتاجر والمبشر.

بيد أن الثلاثية الأوروبية كانت تعبر عن قوى أوروبية متعددة، أما في الحالة الأمريكية فإنها تعبر عن حاله قوة مطلعة ذات طابع إمبراطوري خارج لعبة التوازن الدولي، وهو فيما يبدو ما حكم الرؤية الأمريكية للعالم على مدى قرنين تقريبًا. إن الإمبراطوريات -بحسب كسينجر- لا تهتم بأن تدير شئونها في إطار نظام دولي؛ فهي تطمح إلى أن تكون هي ذاتها النظام الدولي. هكذا مارست الولايات المتحدة الأمريكية دورها في العلاقات الدولية منذ اليوم الأول الذي بدأ فيه توسعها الدولي.

5- السياسة الخارجية الأمريكية بين منهجي روزفلت وويلسون:

الإدارة الأمريكية الحالية- ومنذ أن تسلمت مسئولياتها- قد حملت كلا الاتجاهين، وأصبحت تعبيرًا حيًا لليمين ببعديه السياسي والديني. فهي تتمثل المفاخرة الويلسونية باستثنائية أمريكا، وكذلك القوة الروزفلتية لتعميم هذه الاستثنائية. ومن جانب آخر، تعبر هذه الإدارة عن اليمين السياسي بسياساته الاقتصادية والضرائبية والاجتماعية المتشددة، كذلك اليمين الديني برؤاه "المانوية" للعالم القائمة على ثنائية الخير والشر، كذلك الالتزام بتحقيق الإرادة الإلهية في تنقية أمريكا والعالم من الشر

إن المتتبع لمسيرة السياسة الخارجية الأمريكية وإستراتيجياتها المتعاقبة للعالم منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى إدارة بوش الابن سوف يجد أنها تتحدد استجابة لأمرين:

- القوة المتنامية باطراد.

- المصالح التوسعية الإمبراطورية.

وقد تراوحت السياسة الخارجية الأمريكية بين مبدأين:

1- مبدأ "القوة" الروزفلتي.

2- مبدأ "تمثل القيم الأمريكية" الويلسوني.

بالنسبة للمبدأ الأول؛ حيث أرساه تيودور روزفلت بما أسماه سياسة العصا الغليظة، وهي السياسة التي بررت حق الولايات المتحدة الأمريكية في ممارسة دور الشرطي، وبخاصة في أمريكا اللاتينية. إن هذه السياسة كانت تعكس مقدار القوة التي بلغتها أمريكا، فنراه يعتبر أمريكا، ليس فقط، صاحبة رسالة كونية، ولكنها أيضا قوة عظمى، وربما أعظم قوة. وإن هذه الرسالة هي القادرة على حراسة وضبط العلاقات الدولية بحكم القوة التي بلغتها. ويذكر كيسنجر عن روزفلت أنه "رفض التأثير المفترض للقانون الدولي؛ فالذي لا تستطيع الدول حمايته بقواها الذاتية لن يحميه الآخرون، فالحق الذي لا تدعمه قوة شرٌّ بل هو أكثر إيذاء من القوة المنفصلة عن الحق".

لقد طور روزفلت مبدأ مونرو الذي كان يقضي بمنع التدخل من الخارج إلى حماية مصالح الولايات المتحدة الآخذة في الامتداد إلى مناطق خارج حدودها.

بالنسبة للمبدأ الثاني؛ جاء وودرو ويلسون، الذي يتفق أنه وضع مبدأ ضرورة أن تتمثل الأمم الأخرى القيم الأمريكية من خلال منظومة كونية؛ فالمبرر الذي بموجبه وافق ويلسون على المشاركة في الحرب العالمية الأولى كان إعادة تشكيل العالم على صورة أمريكا.

قد يبدو أن هناك تناقضًا بين المبدأين، إلا أنه تناقض سطحي، حيث لا يوجد خلاف على الهدف الإستراتيجي البعيد؛ ألا وهو السيادة الأمريكية الكونية. فما رآه البعض أحيانا حول سياسة ويلسون بأنها تهدف إلى النزعة الأخلاقية صحيح شكلا، إلا أنه لا يختلف كثيرًا عن النهج الروزفلتي؛ فلقد وافق على الدخول في الحرب العالمية الأولى، ليثبت "عظمة" أمريكا وتميزها، وأنه ليس من حق أمريكا أن تدخر قيمها لنفسها فقط، كما رأى أن أمن أمريكا لا ينفصل عن أمن باقي الجنس البشري كله، إنها المسئولية عن الآخرين التي اتخذت طابعًا أخلاقيًا، حيث أمريكا لديه (أي ويلسون) أمة صاحبة رسالة، وإن كان هذا لا يمنع من ممارسة القوة.

إن الجانب الأخلاقي في الثلاثية الأمريكية يتسم بالطابع الديني؛ وهو ما جعل للنموذج الأمريكي "رحمة الرسالية"، وذلك يعود لتأسيس القارة الجديدة (أمريكا)، أو "إنجلترا الجديدة" new England على يد البيوريتانيين وهم فئة متشددة بروتستانتية، ولقد كانت لهم رؤية خاصة للعالم وللحياة وللإنسان وخلافة. ولا يمكن إغفال أن أمريكا قد تأسس فيها المجتمع والدين في آن واحد، وهو ما سيدفع إلى أن تتحرك مجموعات بشرية لتنظيم نفسها كحركة سياسية اجتماعية ذات مرجعية دينية، وأن تؤسس كيانات وتحالفات عدة في إطار المجتمع المدني لديها رؤية سياسية، وهو ما اصطلح على تسميتهم باليمين الديني، الذي سيعمل كجماعة ضغط، حتى وصول الرئيس بوش الابن إلى الحكم.

 الإدارة الأمريكية الحالية

1- اليمين الحاكم: السياسي والديني:

تراوحت السياسة الأمريكية على مدى القرن العشرين بين هذين الاتجاهين غير المتناقضين، على أنه يمكن القول إن الإدارة الأمريكية الحالية -ومنذ أن تسلمت مسئولياتها- قد حملت كلا الاتجاهين معًا، كذلك أصبحت تعبيرًا حيًا لليمين ببعديه السياسي والديني. فالإدارة الحالية تتمثل المفاخرة الويلسونية باستثنائية أمريكا، وكذلك القوة الروزفلتية لتعميم هذه الاستثنائية. ومن جانب آخر تعبر هذه الإدارة عن اليمين السياسي بسياساته الاقتصادية والضرائبية والاجتماعية المتشددة، كذلك اليمين الديني برؤاه "المانوية" للعالم القائمة على ثنائية الخير والشر، كذلك الالتزام بتحقيق الإرادة الإلهية في تنقية أمريكا والعالم من الشر. ونظرا لأن بوش الابن من أتباع هذا الاتجاه؛ فإن توليه الرئاسة يعني وصول اليمين الديني للمشاركة في الحكم للمرة الأولى. وهكذا باتت الإدارة الأمريكية الحالية تعبيرا عن اليميني السياسي الديني. وتعد الإدارة الأمريكية الحالية هي الإدارة المعنية بمواصلة التوسع الإمبراطوري الذي توقف في فترتي كلينتون، وذلك باحتكار الثروات، وبالحملات العسكرية الرادعة، وبالتبشير الديني القيمي الأمريكي، كما يوضحه الشكل التالي:

وتجدر الإشارة إلى أن رؤية هذه الإدارة لم تكن وليدة الفوز بمقعد الرئاسة، أو حادث الحادي عشر من سبتمبر، وإنما هي تسبق ذلك. وللتدليل على ذلك لا بد من قراءة وثائق الحملة الانتخابية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية من جهة، كذلك الأوراق التي قدمت إلى هذه الإدارة بخاصة حول الشرق الأوسط والعراق في الشهر الأول من توليها مسئولياتها.

2- رؤية الإدارة الحالية للعالم منذ الحملة الانتخابية إلى ما بعد 11 سبتمبر (وثيقة كونداليزا رايس):

الأمر واضح ومباشر في رؤية الحزب الجمهوري، فالمصلحة القومية المباشرة هي الهدف، والقيم تابعة لتحقيق هذه المصلحة. وتحدد كوندوليزا رايس أمرين في غاية الأهمية لتحقيق المصلحة القومية الأمريكية هما:

- دعم السياسات الاقتصادية الدولية التي تفعل مميزات الاقتصاد الأمريكي، وتوسع أطر التجارة الحرة، باعتبارهما أداتين حاسمتين في صياغة السياسية الدولية.

- أن تكون قوة أمريكا العسكرية أكيدة ومصونة، لأن الولايات المتحدة هي الضامنة الوحيدة للسلام والاستقرار الشاملين.

من الأهمية بمكان ولفهم إدارة الرئيس بوش الحالية من حيث رؤيتها التي تحكم نظرتها إلى العالم، والسلوك الذي سوف يترتب على هذه الرؤية -وبخاصة موقفها من "الشرق الأوسط" والعراق- أن نعود إلى حملته الانتخابية، حيث كانت تتولى السيدة كونداليزا رايس مسئولية مستشارة مرشح الرئاسة للشئون الخارجية أثناء الحملة الانتخابية، وقامت بصياغة وثيقة تعكس رؤية مرشح الرئاسة حول رؤية الحزب الجمهوري المستقبلية للعالم في حالة انتخابه. وقد نشرت هذه الوثيقة في مجلة "فورين أفيرز" في عددها الأول من عام 2000 بعنوان: "حملة 2000: النهوض بالمصالح القومية". Campaign 2000: Promoting The national Interests.

ففي هذه الوثيقة يتضح وعي الإدارة الساعية للحكم بأن الولايات المتحدة تعيش مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وأنه ينبغي لفت النظر إلى: "أن الولايات المتحدة الأمريكية قد وجدت صعوبة بالغة في تحديد مصلحتها القومية في غياب القوة السوفيتية. والواقع أننا لا نعرف ما يجب أن يكون عليه رأينا فيما يلي المواجهة الأمريكية السوفيتية من خلال الإشارات المتوالية إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إلا أن هذه المراحل الانتقالية مهمة؛ لأنها تقدم فرصا إستراتيجية، وخلال هذا الزمن المرن يمكن التأثير على شكل العالم المستقبلي. ضخامة هذه المرحلة واضحة. فالاتحاد السوفيتي كان أكثر من مجرد منافس تقليدي شامل، بل كان يتوق إلى خلق بديل اشتراكي عالمي للأسواق وللديمقراطية، لقد عزل الاتحاد السوفيتي نفسه، كما عزل عملاءه -غالبًا من غير علمهم- عن شروط الرأسمالية الدولية. وقد زرع في النهاية بذور دماره بنفسه، إذ تحول بسبب انعزاله ديناصورًا اقتصاديًا وتكنولوجياً..".

إن نقطة الانطلاق فيما سبق هو أن هذه الفترة هي فترة انتقالية، على الولايات المتحدة استثمارها لرسم معالم العالم مستقبليا على قاعدة الرأسمالية الدولية ذات البعدين: السوق والديمقراطية، وهي الصيغة التي تروج لها أمريكا تحت لافتة العولمة، على أن يتم ذلك في إطار إعادة تعريف المصلحة القومية الأمريكية بشكل محدد. وتشير السيدة رايس إلى أنه:

"يجب أن تبدأ عملية رسم سياسة خارجية جديدة من الاعتراف بأن الولايات المتحدة تتمتع "بموقع استثنائي".. بعض الدول تملك قدما داخل القطار وقدما خارجه.. بعض الدول ما زالت تأمل في إيجاد طريقة للفصل بين الديمقراطية والتطور الاقتصادي. بعضها يتمسك بأحقاد قديمة كأساليب للالتهاء عن واجب التحديث الذي ينتظرها. لكن الولايات المتحدة وحلفاءها موجودون على الجهة الصحيحة من التاريخ".

إنه الترويج لأمريكا جديدة متوافقة مع "التاريخ" متجاوزة كل من لم يزل متمسكا بالقديم. فالوثيقة تؤكد على طبيعة النظام الاقتصادي الذي يجب أن يتبع في ظل استثنائية الولايات المتحدة، وعلى ضرورة أن يلحق بها الآخرون، وأنه لا يمكن الفصل بين السوق والديمقراطية من جهة، والتحديث واتباع النموذج الأمريكي؛ أي اختيار موقع في التاريخ الذي بات أمريكيا من جهة أخرى.

ويمكن بسهولة ملاحظة: أن هذه الأفكار تنتمي لمدرسة فكرية في السياسة الأمريكية يمكن أن نطلق عليها "الاستشراقية الجديدة" من رموزها برنارد لويس وهنتينجتون، وما أفكارهم إلا تنويعات محدثة للفكر الأمريكي الكلاسيكي فيما يتعلق بالعالم، الذي مثله رؤساء من عينة مونرو وروزفلت وباكسون وويلسون، حيث: استثنائية أمريكا، وضرورة إعلاء المصلحة القومية الأمريكية، وضرورة نشر القيم الأمريكية وإن بالقوة.

وحول القوة تستطرد السيدة رايس وتقول: "إن السياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة جمهورية يجب أن تعيد التركيز على المصلحة القومية وعلى ملاحقة الأولويات الأساسية، وهذه المهمات هي:

1) ضمان أن "القوى" الأمريكية في ظل إدارة جمهورية يجب أن تمنع الحروب وتبرز السلطة وتقاتل في سبيل حماية مصالحها، إن لم تنجح في تعويق الحرب.

2) تعزيز النمو الاقتصادي والانفتاح السياسي عبر نشر التجارة الحرة ونظام مالي عالمي مستقر في أوساط جميع الملتزمين بهذه المبادئ، بما فيها العالم الغربي الذي تم تجاهله كمنطقة حيوية للمصالح الأمريكية القومية.

3) تجديد علاقات قوية ووثيقة مع الحلفاء الذين يشاطرون القيم الأمريكية، ويمكنهم بالتالي المشاركة في حمل عبء نشر السلام والازدهار والحرية.

4) تركيز الطاقات الأمريكية على عقد علاقات شاملة مع القوى الكبرى، وخصوصًا روسيا والصين، وهي علاقات تستطيع أن تصوغ -وسوف تصوغ- طابع النظام السياسي الدولي.

5) التعامل بشكل حاسم مع خطر الأنظمة المارقة (القوى العدائية)، التي تتخذ بازدياد أشكال الإرهاب وتطوير أسلحة الدمار الشامل.

يتضح من المهام السابقة تكرار المفاهيم التقليدية التي تحرص عليها الإدارة الأمريكية المتعاقبة مثل:

- ممارسة القوة لحماية المصالح.

- استقرار النظام المالي العالمي الذي يخدم أهدافها.

- التأكيد على أن هناك "قيما" أمريكية لا بد من نشرها بمعاونة الحلفاء الذين ينتمون لهذه القيم، التي تعني ضمنا أن هناك من ينتمي لقيم أخرى.

- الاهتمام بإعادة صياغة النظام السياسي الدولي إلى جانب أوروبا الحليف الرئيسي لأمريكا؛ كونه ينتمي لنفس المنظومة القيمية (الغربية) من جانب، ومكونا رئيسيا للنظام المالي العالمي من جانب آخر، وروسيا والصين.

- صك تعبير "الأنظمة المارقة" rouge regimes، التي لا بد من ترويضها وردعها.

وتقدم السيدة رايس نموذج التعامل مع الاتحاد السوفيتي؛ باعتباره نموذجا مثاليًا للسياسة الخارجية الأمريكية، فتقول: "في السبعينيات كان الاتحاد السوفيتي في ذروة قوته، وهي قوة كان أكثر من مستعد لاستخدامها؛ نظرا إلى قاعدته الاقتصادية والتكنولوجية الضعيفة"، تبين أن أمجاد تلك المرحلة ما هي إلا انتصار مكلف جدا، وتحدي الرئيس ريجان للقوة السوفيتية كان حازما، وذا توقيت جيد في آن واحد. وقد شمل تعهدات أساسية وكثيفة مع موسكو حول السلسلة الكاملة للأمور التي استعرضت في جدول يضم أقساما أربعة: ضبط التسلح، حقوق الإنسان، المسائل الاقتصادية، والنزاعات الإقليمية. ثم ركزت إدارة بوش بمزيد من الانتباه على خفض النفوذ السوفيتي في أوروبا الوسطى والشرقية. ومع تزعزع قوة الاتحاد السوفيتي لم يعد هذا قادرًا على حماية مصالحه، واستسلم على نحو سلمي للغرب، وهو انتصار هائل للقوة الغربية، وأيضًا للحرية الإنسانية".

الأمر واضح ومباشر في رؤية الحزب الجمهوري؛ فالمصلحة القومية المباشرة هي الهدف، والقيم تابعة لتحقيق هذه المصلحة. وتحدد كوندوليزا رايس أمرين في غاية الأهمية لتحقيق المصلحة القومية الأمريكية هما:

- دعم السياسات الاقتصادية الدولية التي تفعل مميزات الاقتصاد الأمريكي، وتوسع أطر التجارة الحرة، باعتبارهما أداتين حاسمتين في صياغة السياسية الدولية.

- أن تكون قوة أمريكا العسكرية أكيدة ومصونة؛ لأن الولايات المتحدة هي الضامنة الوحيدة للسلام والاستقرار الشاملين.

وبالنسبة للقوة العسكرية الأمريكية تفصل رايس رؤيتها بالغة الأهمية كما يلي:

"إن الإدارة (إدارة كلينتون) راحت تنشر القوات الأمريكية في الخارج بإيقاع كثيف، بمعدل مرة كل تسعة أسابيع. والى جانب خفضنا نفقات الدفاع إلى حدها الأدنى كنسبة مئوية من ناتج النمو الإجمالي منذ بيرل هاربور، نشرت الإدارة القوات المسلحة بمعدل أعلى من أي وقت خلال الأعوام الخمسين الأخيرة.. وسوف يواجه الرئيس الجديد الآن مهمة طويلة من إصلاح الوضع.. بدلا من الاستمرار في البناء على هيكلية الحرب البادرة. ويجب أن تفعّل الميزات التكنولوجية الأمريكية بهدف بناء قوى أخف وأكثر إهلاكًا.. يجب أن تكون القوات المسلحة الأمريكية قادرة بشكل حاسم على مواجهة ظهور أية قوة عسكرية عدائية في منطقة آسيا، والمحيط الهادي والشرق الأوسط والخليج الفارسي، وأوروبا، وهي مناطق لا تضم مصالحنا فحسب، بل مصالح كل حلفائنا الأساسيين، وقوات أمريكيا المسلحة هي الوحيدة القادرة على تنفيذ مهمة المواجهة والتعويق هذه.. لكن ماذا لو تمت مهاجمة قيمنا في مناطق لا تثير اهتمامنا الإستراتيجي؟ هل يجب على الولايات المتحدة ألا تحاول إنقاذ الأرواح في غياب دافع إستراتيجي قوي؟ بل يجب أن يكون الرئيس الأمريكي الجديد في موقع يتيح له التدخل عندما يكون مقتنعًا بأن الولايات المتحدة مضطرة بدافع الواجب إلى التدخل.. يجب أن يتذكر الرئيس أن القوات العسكرية هي أداة خاصة، وهي مقاتلة والمطلوب منها أن تكون كذلك. إنها ليست قوة شرطة مدنية، وليست حكما سياسيا، ومن الأكيد أنها لم تؤسس لبناء مجتمع مدني.."

في هذا السياق تتحدث الوثيقة عن الأنظمة المارقة ومن بينها "العراق" حيث تقول تحت عنوان: "التغلب على الأنظمة المارقة":

"... في حين يتجه التاريخ نحو الأسواق والديمقراطية، تركت بعض الدول على جانب الطريق. والعراق النموذج الأمثل لتلك الدول. فنظام صدام حسين منعزل، وقوته العسكرية ضعفت إلى حد بعيد، ويعيش شعبه في حالة من الفقر والرعب، ولا يملك موقعًا مفيدًا في السياسة الدولية. لذا فهو مصمم على تطوير أسلحة الدمار الشامل. ولن يتغير أي شيء حتى يذهب صدام. لذا يجب على الولايات المتحدة أن تحشد كل الموارد التي يمكنها حشدها، بما فيها دعم معارضيه، في سبيل إطاحته".

هذه هي الرؤية التي طرحها الحزب الجمهوري حول العالم والعراق أثناء الحملة الانتخابية، وهي تمثل عودة إلى المنهج الروزفلتي في السياسة الخارجية بغطاء ويلسوني؛ حيث المصلحة القومية والقوة والنظام الرأسمالي يمثلون الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها سياسة أمريكا الخارجية. ونظن أن الإدارة الحالية تستند على هذه الرؤية في سلوكها وممارساتها وخطابها منذ أن تولت الحكم، وما الحادي عشر من سبتمبر إلا حدث قد ساهم في تسريع التحركات الأمريكية في إعمال هذه الرؤية على أرض الواقع.

3- الإدارة الأمريكية الحالية و"الشرق الأوسط":

".. التطور الأفضل، للمصالح الأمريكية ولشعبي البلدين على حد سواء (العراق وإيران)، هو التغيير السياسي العميق، ويبدو أن التغيير في الأفق في ما يتعلق بإيران، نتيجة ديناميات السياسة الداخلية، أما العراق فمختلف، إذ لا يمكن أن يطرأ تغيير ما هناك إلا من خلال العنف."

تاريخيًا لم تهتم الولايات المتحدة الأمريكية "بالشرق الأوسط" إلا بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدأت أمريكا تضطلع بممارسة مسئولياتها كدولة قطبية ذات مصالح كونية، وحين أخذت الحرب الباردة بين القطبين الغربي والشرقي تنتقل إلى منطقة "الشرق الأوسط". بيد أن أمريكا كانت لها علاقات تجارية بالمنطقة منذ منتصف القرن الثامن عشر، بالإضافة إلى البعثات التبشيرية الأمريكية التي بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر، التي ركزت جهودها على المسيحيين الشرقيين. ويمكن القول إن الاهتمام الأمريكي بدأ مع استنزاف قدر كبير من احتياطيات النفط الأمريكي إبان الحرب العالمية الأولى؛ مما استدعى الاهتمام بمنطقة "الشرق الأوسط"، من خلال الدعوة إلى تطبيق سياسة "الباب المفتوح" التي تم بها تحقيق نوع من تكافؤ الفرص الاستثمارية أمام الدول الرأسمالية -بما فيها أمريكا- عن طريق تقسيم الأسواق لضمان تصريف المنتجات والحصول على المواد الخام؛ لإتاحة القدر نفسه من المشاركة أمام المشروعات الأمريكية في عمليات التنقيب عن البترول وإنتاجه وتسويقه.

وفي مواجهة التهديدات السوفيتية لدول "الشرق الأوسط" أصدرت الإدارة الأمريكية عام 1947 ما عرف "بمبدأ ترومان" الذي يعتمد على تقديم مساعدات اقتصادية ومعونة عسكرية أمريكية لدول المنطقة التي تتعرض لتهديد، ذلك فضلاً عن تطويق منابع النفط في "الشرق الأوسط" بالقوة العسكرية، دخل الأسطول السادس الأمريكي عام 1948 لتحقيق وجود بحري أمريكي دائم في حوض البحر المتوسط.

وبتأسيس الكيان الإسرائيلي أصبح لأمريكا حضور حيوي وفاعل في المنطقة يحقق لها أهدافها ومصالحها؛ باعتبارها "عنصر ردع إقليميا". ويمكن إيجاز مصالح أمريكا في هذه المنطقة في الآتي:

- تأمين الحصول على النفط وضمان تدفق الأرصدة النقدية العربية.

- تطويق الأنظمة والحركات الراديكالية.

- المحافظة على أمن إسرائيل ودوام تفوقها.

الإدارة الأمريكية الحالية وعسكرة العالم

1- عناصر الرؤية الحاكمة لعمل الإدارة الأمريكية الحالية:

يمكن القول إن موقف الإدارة الحالية من "الشرق الأوسط" والعراق لا يختلف كثيرًا عن الموقف التاريخي للحزب الجمهوري من الشرق الأوسط، كذلك عن الرؤية التي وعد بها أثناء الحملة الانتخابية، التي عرضناها سابقا. ولم يغير الحادي عشر من سبتمبر من هذه الرؤية، وإنما سرع من إيقاع تحقيقها على أرض الواقع، وجعله أكثر ضراوة.

وللحديث عن رؤية الإدارة الأمريكية "للشرق الأوسط" والعراق لا بد من استعراض ملامح الرؤية الفكرية الحاكمة الأمريكية فيما يتعلق بالعالم، وذلك كما يلي:

1- السيادة الأمريكية على العالم في كل المجالات.

2- تحقيق المصلحة القومية الأمريكية بكل الوسائل.

3- النموذج الأمريكي هو النموذج الذي يجب أن يحتذى.

4- هناك نظرة أحادية للعالم وللتاريخ يجب أن تستوعب قوميا ودينيًا.

5- تطبيق مبدأ الخيار صفر في العلاقات الدولية، حيث لا شيء قابل للمساومة.

6- تقسيم العالم إلى مجالات حيوية.

وسوف تنفذ هذه الرؤية من خلال المحاور الثلاثة التالية:

1- المحور الثقافي- الحضاري- الديني.

2- المحور الجغرافي - السياسي بالسيطرة على الثروات والموارد.

3- استخدام القوة بأنواعها: النووية والكيماوية والبيولوجية.

ونوجز ما سبق في الشكل التالي:

2- العسكرة.. العسكرة:

إن الفكرة واقع عملي منذ اليوم الأول لعمل هذه الإدارة؛ حيث بدأ الحديث عن تنفيذ نظام الدرع الصاروخي الذي يضمن سيطرة كونية: فضائية - أرضية، وتدمير أسلحة الدمار الشامل لدى الآخرين، واعتماد مبدأ الحرب الاستباقية (أي العمل على إجهاض أي فعل موجه ضد أمريكا قبل وقوعه)، والأخذ بممارسة القوة بشكل مطلق، وكان من نتاج ذلك تنامي سطوة وزارة الدفاع الأمريكية في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، وإعادة تقسيم العالم على أساس عسكري: 6 مناطق عسكرية يتولى مسئولية كل منطقة جنرال عسكري له أن يتصل بالرئيس مباشرة.

وفي أعقاب حادث الحادي عشر من سبتمبر فوضت الإدارة الحالية بالإجماع من قبل الكونجرس بمجلسيه لمواجهة ما يهدد الأمة الأمريكية، وهنا أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن رؤيتها التي تتجاوز الدفاع عن الأمة إلى العسكرة الكاملة للإمبراطورية، وذلك في ورقة بعنوان: "تشكيل الجيش"Transforming the Military حيث أشار رامسفيلد الذي قام بإعلانها إلى ضرورة الأخذ بإستراتيجية جديدة تتناسب والمستجدات، وتتجاوز ما كان مطروحًا عقب الحرب الباردة، وكان يسمى "مسرح حربين كبيرتين" Two Major - Theater War.

لقد كانت هذه الإستراتيجية تمكن أمريكا وقواتها العسكرية من خوض حربين في موقعين مختلفين. إلا أن رامسفيلد يؤكد على تجاوز المؤسسة العسكرية عن الإستراتيجية السابقة التي لا تعنى بمواجهة التحدي الذي جد في القرن الحادي والعشرين للدفاع عن الوطن ضد المجهول: غير المرئي، وغير المتوقع. وعليه تم تحويل الإستراتيجية العسكرية القائمة على "مواجهة الخطر" إلى إستراتيجية تعتمد "شحذ القدرات" بمختلف الطرق وفي كل الاتجاهات دون انتظار الخطر؛ وذلك بتوفير الردع في 4 مسارح عمليات في الوقت نفسه، ومساندة ذلك الردع بالقدرة اللازمة لإلحاق الهزيمة الحاسمة والسريعة بعدوين في وقت واحد.

وإلى جانب ذلك تم إقرار إمكانية تنفيذ هجوم شامل كاسح واحد في أي وقت ضد عدو محدد، بما يشتمل عليه هذا الخيار من احتلال عاصمة ذلك العدو وتغيير نظام الحكم فيه.

وفي هذه الرؤية حول مستقبل أمريكا العسكري حدد رامسفيلد إستراتيجية أسماها الخطوات الست، تتضمن ما يلي:

1- حماية الوطن الأمريكي وقواعده عبر البحار.

2- ضمان تأمين القوة الأمريكية في مواقع العمليات البعيدة.

3- حرمان أعداء أمريكا من الملجأ، والتأكد من أنهم يدركون أنه لا يوجد مكان آمن في العالم يحميهم من أن نصل إليهم.

4- حماية شبكة معلوماتنا من أي هجوم.

5- استخدام تكنولوجيا المعلومات لربط القوى الأمريكية المختلفة ببعضها البعض في العمليات الحربية.

6- تحقيق سيطرة غير مقيدة على الفضاء وحماية القدرات الفضائية الأمريكية من أي هجوم عدائي.

3- العراق في ظل العسكرة:

في السياق السابق يأتي التعامل مع العراق؛ حيث جاء في التقرير الرئاسي الذي قدم إلى الرئيس بوش في يناير 2001 الذي سمي: "الإبحار في مياه مضطربة"، حيث تضمن ما يلي:

- دعم مطلق لإسرائيل باعتبارها الركيزة الأولى لضمان الأمن الإقليمي، وكفالة تفوقها النوعي.

- تشجيع التغيير في كل من العراق وإيران مع اختلاف الوسيلة؛ حيث التغيير في إيران يمكن أن يكون بوسائل سياسية، وأما التغيير في العراق فلا يمكن أن يتم بوسائل سياسية.

وحول العراق تحديدا تشير الوثيقة إلى ما يلي:

".. التطور الأفضل للمصالح الأمريكية ولشعبي البلدين على حد سواء (العراق وإيران) هو التغيير السياسي العميق.. ويبدو أن التغيير المتاح في الأفق فيما يتعلق بإيران نتيجة ديناميات السياسة الداخلية، أما العراق فمختلف؛ إذ لا يمكن أن يطرأ تغيير ما هناك إلا من خلال العنف على غرار انقلاب أو ثورة داخلية، وبغية إضعاف النظام وجعله أكثر هشاشة، يجب وضع إستراتيجية شاملة قائمة على خطوات فاعلة للضغط على نظام صدام حسين على كل الجبهات".

".. يجب على الرئيس الجديد إعادة نظر واسعة النطاق في السياسة الأمريكية إزاء العراق؛ بغية توضيح طبيعة التهديد والردود الأمريكية المحتملة. ويجب أن تستكشف هذه المراجعة العناصر اللازمة لكسب دعم دولي على نطاق واسع في اتجاه كبح صدام، واعتماد سياسات أكثر فاعلية ضد نظامه".

"وبشكل عام يجب أن ترد الولايات المتحدة بقوة عسكرية واسعة النطاق إذا ما مارس العراق عمليات عدائية، أو استخدم أسلحة الدمار الشمال ضد بلد آخر، وإذا تابع صدام الإلغاء الوحشي للسلطة الكردية المستقلة في شمال العراق.. فمن الأرجح أن يكون ثمة دعم عالمي أقل للتدخل العسكري، لكن الولايات المتحدة مع ذلك يجب أن تكون مستعدة لاستخدام قوتها، ويجب أن تعمل الولايات المتحدة على كسب اهتمام الأصداء والحلفاء بطبيعة التهديد العراقي. من الضروري دعم استئناف عمليات التفتيش عن الأسلحة، لكن من دون جعل هذه المسألة حجر الأساس في السياسية الأمريكية بإزاء العراق".

وبالأخير أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في 20 سبتمبر الماضي إستراتيجيتها للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث جاء فيها نص:

"... الدفاع عن الولايات المتحدة والشعب الأمريكي ومصالحنا في الداخل والخارج من خلال تحديد التهديدات، والقضاء عليها قبل وصولها إلى حدودنا. وبينما ما زالت الولايات المتحدة مستمرة في جهودها لضمان الحصول على دعم المجتمع الدولي؛ فإننا لن نتردد في اتخاذ خطوات من جانب واحد، وتسديد الضربة الأولى.. إن أفضل دفاع هو الهجوم...".

الداخل الأمريكي الآن

إن المشهد الحالي في الداخل الأمريكي هو أقرب للمشهد الذي عرفته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية؛ حيث الخوف من الشيوعية وانتشارها في الواقع الأمريكي؛ الأمر الذي يهدد المشروع الأمريكي، ومن ثم انطلاق الحملة الترويعية، ضد كل من يُشتبه في أنه ينتمي أو يروج لأفكار تقترب من الشيوعية، وهي الحملة التي أطلقها السناتور جوزف مكارثي، الذي يعتبره المؤرخون بداية لتبلور تيار اليمين المحافظ الجديد، التي واصلها السناتور باري جولدووتر الذي قام في عام 1964 بتأسيس كتلة قاعدية في داخل الحزب الجمهوري لدعم سياسيات محافظة جمهورية، ويؤرخ لها الباحثون الأمريكيون بأنها بداية التحول لليمين في أمريكا، ثم مع منتصف السبعينيات بتأسيس مؤسسات بحثية والعديد من الهيئات التي تصب في اتجاه الدعوة للتيار اليميني المحافظ، وأصبحت قادرة على تشكيل الرأي العام، وتعبئة الناس خاصة الطبقات الوسطى الدنيا ذات التوجه المسيحي اليميني، ومن هذه الهيئات:

Heritage Foundation

National conservative Political Action

Conservative against liberal legislation (call)

فلقد استطاع الحزب الجمهوري أن يكون ممثلاً لهذين الاتجاهين (اليمين السياسي واليمين الديني).

وقد وصل إلى الحكم ليصل ما انقطع منذ إدارة ريجان، وخلال شهور حدثت واقعة 11 سبتمبر، حيث دعمت اليمين الأمريكي الحاكم، حيث وفرت العدو الذي يضمن لليمين المتشدد أن يحقق كل ما يصبو إليه، ويؤمن وحدة المجتمع الأمريكي، والحصول على تفويض مطلق من الكونجرس لمواجهة التهديدات والأخطار، وإطلاق يد العسكرية الأمريكية، وتفعيل المؤسسة الصناعية العسكرية، ووضع كل التسهيلات -خاصة المالية- لتأمين الدفاع عن الأمة الأمريكية بميزانيات مفتوحة، وبغير عرقلة من أي نوع -خاصة البرلمانية- وحصار الحريات المدنية باسم مواجهة الإرهاب.

لقد أدت التفاعلات إلى ضمان أغلبية جمهورية في الكونجرس بمجلسيه (النواب والشيوخ) للمرة الأولى في تاريخ أمريكا (بالنسبة للحزب الجمهوري)، كذلك التأييد المطلق للحرب من قبل رجال المال والأعمال؛ حيث أجمعت نخبة معتبرة منهم في نوفمبر الماضي -وذلك من خلال دراسة المسارات المحتملة لأسعار النفط وغير ذلك من الأمور- على أن الاقتصاد الأمريكي سينمو في حال أن تحقق الحرب نصرا سريعًا بصورة أقوى مما سيكون عليه لو لم تشن الحرب أساسًا؛ فالحرب القصيرة أفضل من اللاحرب أو عدم تغيير النظام؛ ذلك لأنها ستؤدي إلى إزالة حالة اللايقين السائدة.

إن الجمهوريين -من خلال خبرة تاريخية طويلة- يعرفون أن عسكرة السياسة الخارجية إنما تعني تحقيق أهداف داخلية، وهو ما يضع الديمقراطيين في مأزق بين تأييد الحرب ومعارضتها. والمفارقة أنه بمجرد اقتراب الحرب من موعدها فإن الانقسامات الداخلية تتضاءل، ويلتف المواطنون حول الإدارة الحالية بالرغم من أي شيء. ويشار هنا إلى أن الديمقراطيين قد ظهروا في حالة مضطربة أثناء اللقاء الشتوي الذي عقدته اللجنة الوطنية للحزب نهاية فبراير الماضي، بسبب ضغط الهجوم الجمهوري.

وبالرغم من وجود معارضة فإنها غير منظمة، وليس لديهم رؤية واضحة لإدارة حوار حولها. على العكس فإن الجمهوريين يعرفون بدقة -من خلال التحالف بين الرأسمالية، وخاصة النفطية منها من جهة، واليمين الديني من جهة أخرى- إدارة الأزمة؛ الأمر الذي مكنهم من زيادة ميزانية الدفاع.

إن الإدارة الحالية تعتمد على عنصر التعبئة الجماهيرية وإثارة المشاعر القومية حول أمن أمريكا وحماية الأمة والوطن من قوى الشر، وهي هنا تحاول إيجاد علاقة وثيقة بين مقاومة ما يتهددها بالحرب وتنشيط الاقتصاد الأمريكي الذي سوف ينعكس إيجابًا على المواطنين. وعليه فإن الانتصار العسكري سيؤمن استمرار الإدارة الحالية التي تشعر بأن التوسع الخارجي يعني استمرارية التفوق الداخلي.

خلاصة

وبعد إن ما حاولت أن أطرحه في عجالة هو:

- أن التوسع الأمريكي الإمبراطوري ليس وليد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإنما هو مرافق لمسيرة أمريكا تاريخيًا من جانب.

- أن القوة أو العسكرة مكون أساسي من مكونات النموذج الأمريكي ثلاثي العناصر، وهو حاضر أيضا عبر التاريخ، بيد أن الإدارة الأمريكية الحالية بسبب طبقتها اليمينية المتشددة: سياسيًا ودينيًا قد جسدت ما سبق بشكل واضح وبارز، ووضعته موضع التحقق، خاصة في مرحلة تاريخية أصبحت فيها أمريكا قوة عظمى، ونموذجا منتصرا، أو بعبارة أخرى: إمبراطورية متمددة.

اقرأ أيضًا:

** باحث مصري في قضايا المواطنة، واليمين الديني الأمريكي، وعضو الفريق العربي للحوار الإسلامي- المسيحي. 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع