English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


أمريكا والعالم الإسلامي في نظام دولي مختلف‏‏*

24/03/2003

أنور الهواري**

حرق العلم الأمريكي

يبدو أن العلاقات الدولية المعاصرة‏‏ صار مقدرًا لها أن تشهد وتستقبل ولادة عملية لمفهوم دار الإسلام ليس كميراث سياسي ينتمي إلى مراحل تاريخية غابرة؛‏ وإنما كمفهوم واصطلاح يمثل ويدل على إطار مستقبلي قادم،‏ يحوي داخله قوة إستراتيجية ذات مضامين عقائدية وسياسية وروحية وثقافية،‏ يتم ابتكارها وإبداعها في مواجهة ما تطرحه الغزوات الأمريكية من تحديات توشك أن تغرق العالم الإسلامي في بحر من المجهول‏،‏ وبالقدر ذاته توشك أن تقوض ما بقي من سلام العالم وأمنه‏.‏

وابتداء‏ ليس من الجديد‏ التذكير بأن دار الإسلام - بمعناها التاريخي - لم تكن تعني قطبا دوليا مغلقا على أصحابه،‏ ولم تكن تعني فضاء روحيا وثقافيا مقصورا على أهله‏‏ وإنما كان - بالأساس - اختيارا إنسانيا مفتوحا أمام الإنسان بما هو إنسان‏.‏ ومن ثم فإن المصطلح لم يكن يعكس إكراها عقائديا،‏ ولم يكن يحمل تمييزا عنصريا‏؛‏ وإنما كان يرسخ مظلة القيم الإنسانية الجوهرية‏:‏ حرية بلا إكراه،‏ عدالة بلا ظلم،‏ مساواة بلا تفرقة‏.‏

وعلى هذا الأساس،‏ فإن دار الإسلام - كمفهوم وإصلاح مستقبلي - إنما تعني دار الإنسان‏.‏ ليكون إسهامها فكريا يسعى لإعادة تأسيس العلاقات الدولية المعارضة وفقا لمنظور أكثر إنسانية ورحمة‏.‏

والمرتجى - عمليا - من مفهوم دار الإسلام أو دار الإنسان هو التأسيس المنهجي لأفق إستراتيجي عربي وإسلامي،‏ تنطلق منه ردود الفعل والاستجابات والتفاعلات العربية والإسلامية،‏ ردا على ما تطرحه السياسات الأمريكية تجاه دار الإسلام من أزمات وإشكالات،‏ فهذا المفهوم - من جهة أولى - يقدم إطارا مشروعا ومبررا لوحدة الوجود الإسلامي‏.‏

وهو - من جهة ثانية - يعانق بين وحدة الوجود الإسلامي ووحدة المصير الإنساني،‏ ويجعل من كليهما إضافة للآخر وليس ضدا له‏.‏ وهو - من جهة ثالثة - يزاوج بين قيم الحضارة الإسلامية ومنجزات الحداثة الغربية،‏ خاصة فيما يدور حول الدولة الحديثة،‏ والمجتمع الدولي الحديث‏.‏ وبصياغة أخرى فإن مفهوم دار الإسلام باعتبارها دار الإنسان،‏ إنما هي عنوان على شراكة دولية جديدة،‏ تجمع - ولا تفرق - المسلمين مع غيرهم من كل الثقافات والحضارات والأديان والمذاهب‏.‏

ومن زاوية إعادة تأسيس وبناء نظام دولي جديد،‏ فالمؤكد أن النظام الدولي الراهن إنما هو - الآن - رهن لحالة من التغير والتطور،‏ تجري تفاعلاتها حاليا بكل عنف وشدة‏.‏ فما الحرب ضد الحرب على العراق،‏ إلا حرب عالمية من نوع جديد حول التشكيل الواقعي والميداني لملامح نظام دولي قادم اليوم أو غدا‏.‏

وأقل ما يمكن قوله،‏ في طبيعة النظام الدولي الراهن،‏ أن الخطر عليه يأتي من قمته،‏ وبالتحديد الصريح،‏ فإن الخطر على الأسرة الدولية - كوجود إنساني وحضاري،‏ وعلى النظام الدولي كنسق لترتيب مراكز القوة وأشكال الاتصال وأنماط التفاعل بين مكونات الأسرة الدولية‏-‏ إنما صار يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد‏.‏ فسياساتها الخارجية يتم إدراكها وفهمها وتفسيرها من أغلبية سكان الأرض،‏ على أنها سياسات انفراد واستحواذ وهيمنة واستعلاء على كل من سواها‏.‏ فهي مصدر خطر على الجميع،‏ ولكن قد تتفاوت درجات ومستويات هذا الخطر من مكان إلى آخر‏.‏

وبعبارة واضحة،‏ فإن التوجه الاستعماري الأمريكي صوب العالم الإسلامي،‏ إنما هو محصلة طبيعية لترتيب مواقع ومراكز القوة في النظام الدولي الراهن،‏ ومن ثم فإن إستراتيجية العالم الإسلامي في المقاومة والمواجهة إنما يجب أن تنطلق من غزل وبناء وتشييد نظام دولي مختلف يحتوي على قفص محكم توضع في داخله القوة الأمريكية طوعا أو كرها،‏ فتلزم حدودها،‏ وتكف عن العض والنهش والعقر بأنيابها الحادة في لحوم وعظام الأبرياء‏.‏

وقد اختارت الإدارة الأمريكية في داخل العالم الإسلامي،‏ أكثر نقاطه ضعفا وهشاشة من الصومال إلى أفغانستان إلى العراق‏.‏

واختيارها لأن تبدأ بالأضعف سواء كان إقليما أو دولة أو حضارة،‏ لا يعني أنها سوف تعفي الآخرين من هيمنتها،‏ إنما يعني أنها تبدأ بالممكن اليوم،‏ حتى تصل إلى المستحيل غدا،‏ أي تبدأ باليسير وتصبر على الصعب حتى يقع،‏ فقد أجلت معاركها مع الصين،‏ وتتفادى كوريا،‏ وتكتم غيظها من أوروبا،‏ وتضع عينا على أفريقيا،‏ وتنظر بأخرى إلى  آسيا الوسطي،‏ فهي تؤجل كل ذلك،‏ وتستفرغ كل جهدها في أولى تجاربها الاستعمارية،‏ وهي هذه التي تجري الآن في العالم الإسلامي‏.‏

صحيح أن الإدارة الأمريكية،‏ اختارت التراب الإسلامي،‏ لتبدأ به معركتها المستقبلية من أجل الاستعمار والسيطرة،‏ وربما بدا لها أن التراب الإسلامي هو أرخص تراب،‏ وربما توهمت أن الدم الإسلامي هو أرخص دم،‏ وربما حاولت إشراك الآخرين معها في التواطؤ على تراب الإسلام ودماء أبنائه،‏ ولكن يبدو أن محاولتها لم تنجح إلا لأجل محدود في غمار استغلالها لحادث الحادي عشر من سبتمبر،‏ ثم تيقظت كل القوى الحية سواء كانت حكومات أو أفرادا لحقيقة أن المعركة التي تجري اليوم بين أمريكا والإسلام ليس مقصودا منها استئصال الخطر الإسلامي،‏ وإنما المقصود منها فتح الباب أمام استفحال الخطر الأمريكي،‏ وعلى هذا الأساس يمكن فهم وتفسير المواقف الألمانية والفرنسية والروسية والصينية،‏ وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المعركة على وجهها الصحيح هي معركة أمريكا مع العالم كله لوضع اللمسات على نظام دولي يوطئ أعناق الدنيا وظهورها مطية للراكب الأمريكي‏.‏

وعلى أرض الواقع،‏ فقد أرسلت الإدارة الأمريكية بثلث مليون من فلذات أكبادها إلى  قلب العالم الإسلامي،‏ وهم مقاتلون محترفون،‏ جاءوا لممارسة مهمة القتل بكل أشكاله،‏ وقد توافرت لهم أحدث معداته وأدواته‏.‏

والعجيب،‏ أن المواجهة الحقيقية لهذا الخطر،‏ لم تبدأ من العالم الإسلامي،‏ وإنما بدأت خارجه،‏ فتباشير المواجهة جاءت من أعضاء في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي،‏ والصين،‏ وروسيا،‏ قبل أن تأتي من منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية،‏ وجاءت من حكومات أجنبية قبل أن تأتي من حكومات عربية،‏ وجاءت من مؤسسات مسيحية كاثوليكية وبروتستانتية وأرثوذكسية قبل أن تأتي من مؤسسات دينية إسلامية كبري،‏ وجاءت من رموز وأحزاب سياسية خارجية قبل أن تتحرك رموز وأحزاب سياسية عربية وإسلامية‏.‏

وينتفي العجب،‏ إذا نجحنا في إدراك المسألة على وجهها الصحيح ووضعناها في موقعها السليم،‏ فالمعركة ليست بين أمريكا والإرهاب الإسلامي،‏ وليست بين أمريكا والعراق وليست بين أمريكا والعالم الإسلامي،‏ وإنما هي معركة تخوضها أمريكا لتغيير بنية النظام الدولي بكامله،‏ وقد وقع اختيارها على العالم الإسلامي لأنها تقدر أن المعركة فيه أسهل من المعركة في غيره،‏ وأن الانتصار عليه أقل كلفة من الانتصار على من سواه،‏ وأن من السهل تحريض القوي الأخرى أو على الأقل تحييدها إزاء هذه المعركة بدعوى أن هذا العالم الإسلامي هو موطن الإرهاب،‏ ومرتع الديكتاتورية والاستبداد،‏ ومصدر كل خطر وتهديد يمس سلام العالم وأمنه،‏ وربما خططت الإدارة الأمريكية لتحسين الاستفادة القصوى من بعض النزاعات والخلافات التقليدية بين هذا الطرف الدولي أو ذاك وهذا الطرف الإسلامي أو ذاك،‏ بحيث تقنع الجميع أن الخطر الإسلامي يقترب من كل منهم بلا استثناء،‏ وأنه خطر مشترك،‏ يستدعي جهدا مشتركا تتزعمه وتقوده أمريكا،‏ ومن حسن الحظ فإن هذه المحاولة الأمريكية لم يحالفها التوفيق،‏ وإذا كانت هناك أية نجاحات لإعاقة الأصابع الأمريكية من إطلاق النار وتأجيلها حتى اليوم،‏ فإن هذه النجاحات ثمرة لمجهودات خارجية وليست ثمرة لمجهودات عربية وإسلامية‏.‏

والآن،‏ فقد جاء دور العالم الإسلامي،‏ ليضع إستراتيجية الرد والمقاومة،‏ ويمكن - باختصار شديد - تلخيص بنود هذه الاستراتيجية في‏:‏

- نقل الهوية الإسلامية من هوية موروثة محايدة وخاملة،‏ إلى  هوية متحركة وفاعلة في الحاضر والمستقبل‏.‏

- تجسيد هذه الهوية في إطار سياسي وثقافي مفتوح على امتداد الجغرافيا السياسية للحضارة الإسلامية أي دار الإسلام أو دار الإنسان‏.‏

- مد الجسور بين هذا الإطار وكافة مكونات النظام الدولي الراهن بحيث تكون دار الإسلام إضافة فكرية وعملية يتقدم بها المسلمون المعاصرون لإخوانهم من بني الإنسان،‏ كإسهام منهم في حل الصراعات وتقليص النزاعات وإطفاء الحروب،‏ وألا تكون مصدرا لموجة جديدة من الخصومات والعداوات والانقسامات والحروب‏.‏ بحيث يستقر في وعي الرأي العام العالمي المعاصر مترادفات أن دار الإسلام هي دار الإنسان وأنها نبع لإثراء السلام وليست تهديدا له‏.‏

- أما ذروة هذه الاستراتيجية فهي تعني‏:‏ أن صد الهجوم الأمريكي على العالم الإسلامي ليس واجبا على المسلمين وحدهم،‏ وإنما هو واجب على كل وحدات النظام الدولي،‏ وأن استعداد المسلمين للمقاومة لا يعني أن المسلمين يعملون لأنفسهم فقط،‏ وإنما المقاومة العربية / الإسلامية هي - في التحليل الأخير - عمل من أجل الإنسانية،‏ وبالتحديد‏ هي عمل من أجل الحفاظ على أمن العالم واستقراره‏.‏

فإخلاء العالم من الهيمنة الأمريكية،‏ وحماية النظام الدولي من غطرستها،‏ هي الرسالة التي يجب أن تنتظم كل جهودنا وأن تنطلق منها إستراتيجيتنا في المقاومة،‏ والتي يجب أن نتقدم بها إلى العالم،‏ والتي على أساسها سوف يتحدد موقعنا في أي نظام دولي قادم‏.‏

وختاما،‏ فإن دار الإسلام ليست جدارا يختبئ المسلمون خلفه،‏ وليست كهفا ينعزلون فيه،‏ وليست حصنا حربيا يقاتلون الناس منه‏؛ ‏وإنما هي ميلاد جديد،‏ لحضارة ذات طابع إنساني رحيم،‏ عليها أن تعرف كيف يولد اليسر من رحم العسر، وكيف ينبثق النور من رحم الظلام‏.‏

اقرأ أيضًا:


* نقلا عن جريدة الأهرام 24-3-2003

** مدير تحرير السياسة الدولية - الأهرام 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع