English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


رئيس وزراء فلسطيني.. إرضاء للخارج وتوتيرا للداخل

12/03/2003

د. خالد محمد الأزعر **

إريل شارون ومحمود عباس.. الهدف وقف المقاومة المسلحة

 في كلمته أمام أعضاء من المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية التقوا في "رام الله"، قال ياسر عرفات: "أرجو موافقتكم على ترشيح محمود عباس لمنصب رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني". وتابع: "وافقت اللجنة التنفيذية على هذه المبادرة وتسمية الأخ الحبيب محمود عباس رئيسًا لوزراء السلطة الوطنية".

علينا أن نتذكر جيدًا هذه الكلمة في تاريخها ومكانها المحددين، والجهات التي ذكرت في سياقها، من أجل تزكية استحداث منصب رئيس وزراء فلسطيني للمرة الأولى في تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وسبب هذه الالتفاتة أن ياسر عرفات رئيس المنظمة والسلطة الرجل القوي في النظام الفلسطيني منذ عام 1968، صاحب أطول تاريخ على رأس الحركة الوطنية الفلسطينية، الذي ظلّ يتمتع بصلاحيات قيادية لم تجتمع لغيره حتى من بعض قادة الدول في العالم الثالث.. قد يكون بكلماته هذه افتتح مراسم اختتام دورة تاريخية كاملة في عملية السياسة والحكم في فلسطين. وبصيغة أوضح فإنه إذا ما اتسقت هذه الخطوة في تداعياتها مع المساعي الرامية إلى إزاحة عرفات بصفته القيادية عن بؤرة صناعة القرار داخل النظام الفلسطيني؛ فقد يُقال بعد حين: إن هذا الرجل تولى إسدال الستار بنفسه على عهده وحقبته التاريخية في مسار حركة التحرر الفلسطيني؛ استجابة لضغوط مورست من خارج هذه الحركة.

لكن هذه النتيجة لن تظهر في القريب العاجل. وظهورها يقتضي مرور وقت يخصص لمتابعة دقيقة لحجم الصلاحيات الدستورية القانونية التي ستمنح لرئيس الوزراء العتيد، وتلك التي سوف تنسل من بين يدي عرفات. والأهم من ذلك في تحديد تأثيرات هذا التغيير في المناصب والقيادات هو مراقبة مجريات الواقع الفعلي على صعيد عملية صنع القرار الفلسطيني داخل المؤسسة المهجورة (منظمة التحرير)، والمؤسسة المضغوطة المطاردة (السلطة الفلسطينية). ولا نستطيع أيضا أن نغض أعيننا عن تفاعلات العملية السياسية داخل "فتح"؛ فهي ما زالت الأقوى في المؤسستين، وعرفات لم يزل زعيمها بلا منازع.

بين ضغوط الرئيس والبرلمان

النذر الأولية لا تشي بأن عرفات بصدد مغادرة المسرح إلى الظل بالمعنى الذي يتصوره العاملون على هذا الاتجاه: الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية والدول المانحة ومن قبلهم إسرائيل، فما أعلن من نصوص "دستورية" أعدت خصيصًا لهذا الغرض يقضي بأن رئيس الدولة -أي عرفات نفسه- هو الذي يعين رئيس الوزراء من حزب الأغلبية النيابية، ويكون الرئيسان (رئيس السلطة ورئيس الوزراء) شريكين متشاورين في النظر في مختلف الشؤون العامة. وقد منح رئيس الوزراء صلاحيات داخلية مالية وإدارية واسعة، لكنه يخضع بدوره لثقة البرلمان (المجلس التشريعي الفلسطيني). ويملك رئيس السلطة إقالة رئيس الوزراء، وعليه عندئذ أن يستبدل به آخر يحظى بثقة المجلس.

نصوص من هذا القبيل لا تبتعد دستوريًّا برئيس الوزراء عن سلطة الرئيس عرفات، ولا سيما أن عرفات هو زعيم حزب الأغلبية التشريعية (فتح)؛ وهو ما يجعل رئيس الوزراء مضغوطًا بين رئيس الدولة، ومنظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، وحزبه.

وقد يقال: إن النظام الفلسطيني يمضي -والحال هكذا- على طريقة النظم البرلمانية السائدة في بعض الدول كبريطانيا وتركيا وإسرائيل أيضًا، تلك التي يقع فيها رأس الدولة -الرئيس أو الملك- في منصب شرفي رفيع، يملك ولا يحكم. لكن المؤشرات الأولية لا توحي بذلك؛ لأكثر من سبب: ليس أقلها أهمية رئاسة عرفات للحزب الحاكم الذي ينتمي إليه رئيس وزرائه؛ ولذا فإن الأقرب للصواب تصنيف النظام الفلسطيني في طوره الجديد ضمن النظم المختلطة بين الرئاسي والبرلماني، التي يتم في إطارها تقاسم السلطات والصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء على نحو معين.

قياس فاسد

عيب هذه المداخلات وغيرها أنها تحاول تصنيف النظام الفلسطيني وبيان مستقبل صناعة القرار في إطاره بدون التحوط من فساد القياس في هذه الحالة. فالدولة الفلسطينية لم تقم بعد، وسيرورة النظام مشدودة إلى قيود كثيرة، تتصل بما يرد على حركة التحرر الفلسطيني من ضغوط. والمؤكد أن تحولات هذا النظام -وصولاً لاجتراح منصب رئيس الوزراء- مرتبطة بما طرح عليه من مطالب أو حتى إملاءات على الصعيد الدولي، ومن الصعيد الإسرائيلي ذاته.

ويُشار هنا إلى أن الإصلاح السياسي -بمعنى إضفاء الطابع الديمقراطي، وكفّ يد الرئيس الطليقة سلطويًّا- ظلّ مطلبًا مرفوعًا في الساحة الفلسطينية منذ عقود. ولم تتم الاستجابة له إلا حين تم تبنيه لأهداف مغايرة لتلك التي قصدها الديمقراطيون الفلسطينيون من جانب منظومة القوى الدولية المنغمسة في تسوية قضية فلسطين مؤخرًا.

والمعروف أن هذه المنظومة باتت تُعرف باللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، والاتحاد الأوربي، وروسيا، والأمم المتحدة)، لكن اليد العليا في مقارباتها للطرف الأمريكي الذي وصلت به الشراكة مع إسرائيل حد التحالف العضوي في ظل إدارة الرئيس جورج بوش الحالية.

مؤدى ذلك أن إنشاء المنصب الجديد ليس تعبيرًا عن حاجة موضوعية لتطور داخلي في العملية السياسية الفلسطينية، ولا هو أحد تجليات استجابة منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة وقيادتهما لنوازع الإصلاح السياسي التي تطلعت إليها جموع الفلسطينيين طويلاً. ويبقى التفسير الأكثر قبولاً ومنطقية لهذا التغيير هو القائل بنجاح العامل (أو العوامل) الخارجية في دفع القيادة الفلسطينية إليه. وذلك تحت ضغط التلويح بتجميد التعاطي مع هذه القيادة أو حذفها من معادلة التسوية السياسية والقطيعة معها، أو إيصاد الأبواب أمامها، وحجب العون الاقتصادي والمؤازرة السياسية عنها.

وطالما أن الأمر كذلك فإن محاولة إعطاء صبغة شكلية أو تحايلية لهذه الخطوة قد لا تمر بسهولة. فالأطراف المعنية بما يدعى بالإصلاح السياسي الفلسطيني ستضعها تحت المجهر لتتبين مدى فعاليتها في تحجيم نفوذ عرفات. يستفاد هذا التصور من التعليقات الإسرائيلية العاجلة، وخلاصتها التخوف من أن يكون تعيين محمود عباس مجرد "إجراء تضليلي جاء بفعل الضغوط الدولية.. وسوف نرى أهمية لذلك في حال حصول رئيس الوزراء الجديد على صلاحيات حقيقية؛ بحيث لا يتلقى الأوامر من عرفات.. ويكون لهذا الأخير دور رمزي لا أكثر..". ونحسب أن هذا الموقف الإسرائيلي يمثل الدليل بالنسبة إلى ردود أفعال بقية المعنيين خارجيًّا.

أبو مازن.. الرجل والطريق

ينتمي أبو مازن إلى الرموز الأولى المؤسسة لحركة التحرير الفلسطيني "فتح". وهو من أعضاء لجنتها المركزية القليلين الباقين على قيد الحياة، الذين عاصروا تطور الحركة والنظام الفلسطيني منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين، وهو مقرب من عرفات رغم بعض المماحكات بينهما.

وأهم من ذلك في دلالة اختياره لمنصب رئيس الوزراء من بين مرشحين تم تداول أسمائهم (مثل سليمان فياض وزير المالية، ومنيب المصري رجل الأعمال، وأحمد قريع رئيس المجلس التشريعي) أنه من أوائل الذين اشتقوا حوارات ولقاءات مع ما يدعى بأنصار التسوية السلمية والحمائميين واليساريين في إسرائيل منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي. وهو الخط الذي أفضى إلى طريق "أوسلو" لاحقًا تحت إشرافه.

وبهذه المواصفات أشرف أبو مازن على المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وحمل لفترة لقب "كبير المفاوضين الفلسطينيين"، وقد ظل الرجل على اقتناعاته بنهج التفاوض، ثم الانتفاض السلمي، وعدم عسكرة المقاومة الفلسطينية، على مدار العقد الماضي، وذلك على الرغم من تعثر عملية التسوية بأسرها، وصولاً إلى نبذها من جانب إسرائيل كليًّا في ظل حكومة إريل شارون الأولى، ونذر استمرار السياسة نفسها في حكومته الثانية.

ارتياح إسرائيلي واستياء فلسطيني

مبدئيًّا لاقى اختيار "أبو مازن" ارتياحًا إسرائيليًّا؛ ليس فقط لمعرفة إسرائيل وبقية المعنيين الدوليين بأفكاره وسياسته، ولكن لكونه جاء في مرحلة ركزت فيها السياسة الإسرائيلية على وضع حد نهائي لمفهوم المقاومة المسلحة الفلسطينية، وتحجيم نفوذ العاملين على تحقيق هذا المفهوم من القوى "الراديكالية" التي ناصبت عملية "أوسلو" ومنتجاتها السلبية والامتعاض وأحيانًا العداء. وبسبب مواقفه الصريحة ضد هذا المفهوم وأنصاره فإن إسرائيل وواشنطن وبقية الشركاء في نهج التسوية السلمية، ربما آنسوا في تولي محمود عباس رئاسة الوزراء بصلاحيات سيعملون على أن تكون قوية.. أحد الوسائل الناجعة لمحاصرة عسكرة المقاومة الفلسطينية، والتشدد في مواقف السلطة تجاه أنصارها بذريعة فتح سبيل التفاوض مجددًا، وسحب الحجج الإسرائيلية في ممارسة القمع الدموي ضد شعب الأرض المحتلة، وكسب ثقة الرأي العام بالسياسة الفلسطينية دوليًّا وإسرائيليًّا، وإعادة تأهيل السلطة الفلسطينية كطرف يعتد به في عملية التسوية، ودفع إسرائيل إلى الوفاء بالتزاماتها السابقة تجاه هذه السلطة.

وأغلب الظن أن هذه الحيثيات ذاتها هي التي استدعت ردود أفعال حذرة -ولعلها سلبية- من جانب قوى فلسطينية عديدة، لها وجود ميداني وشعبي مكثف، ولكنها تعمل بمعزل عن خيارات السلطة الفلسطينية وتوجهاتها. فكل من "حماس" و"الجهاد الإسلامي" والجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين عبّرت عن امتعاضها من استحداث منصب رئيس الوزراء من الأصل؛ كونه جاء انصياعًا لضغوط خارجية تمهيدًا لتمرير رؤى إسرائيل حول التسوية طويلة الأجل التي تطرحها حكومة شارون، وليس استجابة لأجندة الاهتمامات الفلسطينية. وبنظر هذه القوى أن هذه الاهتمامات ينبغي أن تعتني بتطوير جهود مواجهة الاحتلال، وعدم التلهي بأمور مفروضة من الخارج.

غير أن ما لم تُشِر إليه أوساط الحركات المذكورة هو أن فرز "أبو مازن" بالتحديد لمنصب رئيس الوزراء ينطوي على رسائل محددة؛ بوصفه حامل لواء التسوية السلمية مع إسرائيل، بغض النظر عن انعكاساتها السلبية على حقوق ثابتة للشعب الفلسطيني، ومن أكبر دعاة وقف الانتفاضة المسلحة.

هذه المواقف ربما رفعت درجة التحسب من تصعيد مقبل للسلطة في اتجاه تقييد مساحة الحركة أمام المتمسكين بالمقاومة المسلحة؛ الأمر الذي -إن حدث- سوف يفاقم حالة التدافع الداخلي الفلسطيني، ولا سيما بعد تعرض الحوار بين الفصائل الفلسطينية إلى الانتكاس على خلفية التنازع بشأن مسار الانتفاضة/ المقاومة بين المدني والعسكري.

حدود التأثير الإسرائيلي

هل يعني ذلك أن تعيين أبو مازن في المنصب الجديد أدى على إرضاء الخارج على حساب توتير الداخل الفلسطيني؟ ربما كان الأمر كذلك بالفعل. لكن الساحة السياسية الفلسطينية تمكنت من تجاوز قضايا خلافية كثيرة من قبل. وإذا ما استمرت عمليات القمع الدموي الإسرائيلي المتصاعدة في أجواء التهيؤ للعدوان الأمريكي البريطاني على العراق؛ فقد لا يتمكن رئيس الوزراء الفلسطيني من الترويج لرؤاه حول "انتفاضة بدون سلاح".

وهكذا فإن السياسة الإسرائيلية تجاه عملية التسوية (ما تبقى منها) وتجاه أبناء الشعب الفلسطيني وسلطته تحت الاحتلال محدد أساسي لنجاح رئيس الوزراء من عدمه في وظيفته. والشاهد أيضًا أن هذه السياسة باتت بمؤازرة خارجية واضحة أحد أهم مدخلات التأثير في هيكلية النظام الفلسطيني؛ وهو ما قد يؤدي إلى خطوات تحولية لاحقة ليس من السهل التكهن بانعكاساتها على فعالية هذا النظام ودرجة استقلاليته التي تتعرض لتآكل مستمر.

اقرأ أيضًا:


** كاتب أكاديمي فلسطيني - القاهرة.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع