|
خلال العقدين الأخيرين من القرن
العشرين يمكن الحديث عن ثلاث محطات مهمة
في مسيرة العلاقات بين إيران والدول
الخليجية:
1- الثورة الإسلامية في إيران عام 1979،
والتغيير الثوري في نظام الحكم الذي أدى
بدوره إلى تحول كبير في التوجهات
الخارجية الإيرانية نحو خط ثوري
أيدلوجي، وتبني إيران لمبدأ تصدير
ثورتها الإسلامية إلى الدول الخليجية،
وهو ما ساهم في تفجير الصراع بين إيران
والعراق من صراع على النفوذ الإقليمي
إلى صراع عسكري امتد ثماني سنوات (1980-1988)،
ساندت خلالها الدول الخليجية العراق ضد
إيران باعتباره خط الدفاع الأول عنها.
2- حرب الخليج الثانية عام 1991، ومجمل
التداعيات التي أحدثتها، وفي مقدمتها
أن النظام الإقليمي الخليجي لم تعد
تحكمه معادلة مثلث الهيمنة التقليدي
بين القوى الإقليمية الكبرى الثلاث،
إيران والعراق والسعودية، ولكن هذا
النظام بات أسير معادلة مستطيل التوتر
بدخول الولايات المتحدة طرفًا أساسيًا،
إن لم يكن الطرف الأساسي، في توجيه
تفاعلات هذا المستطيل الذي تسيطر عليه
الطبيعة الصراعية، باستثناء العلاقة
بين مجلس التعاون الخليجي والولايات
المتحدة. وخلال هذه الفترة، شهدت
العلاقات بين إيران والدول الخليجية
الست قدرًا من التحسن نتيجة التعاطي
الإيجابي من الجانبين، مع الرغبة في
تحسين العلاقات بينهما، ودرء الخلافات،
وإن لم تحقق النتائج المرجوة منها في
هذه الفترة.
3- تولي الرئيس محمد خاتمي الحكم في
إيران (1997) وانتهاجه سياسة إصلاحية
تصالحية على الصعيدين الداخلي
والخارجي، حيث سعى إلى إصلاح الصورة
الدولية لإيران عن طريق الحوار، وتعزيز
الثقة بها، والتزم بسياسة نزع التوترات
وتغليب التعاون على علاقات الصراع،
والعمل على تحجيم الدور الأمريكي في
الخليج من خلال تقوية العلاقات مع دول
مجلس التعاون، وبالأخص السعودية التي
تلعب دورًا رئيسًا في المجلس، حيث وصلت
العلاقات إلى مستوى غير مسبوق بين إيران
وهذه الدول خلال الفترة الرئاسية
الأولى لخاتمي (97-2001)، وخلال الفترة
الثانية (2001-2005). وقد نجح خاتمي -كما نجح
من قبله الرئيس هاشمي رافسنجاني- في
توظيف المتغيرات الدولية والإقليمية
لصالح كسر عزلة إيران الدولية
والإقليمية.
مؤشرات التقارب
وهناك أربعة مؤشرات تعبر عن مستوى
العلاقات القوية بين الجانبين خلال
السنوات السابقة (97-2002):
1- الزيارات الرسمية رفيعة المستوى بين
إيران والدول الخليجية الست التي وصلت
إلى أكثر من 65 زيارة رسمية، منها 41
لإيران و24 لدول الخليج، وكان أبرزها
زيارتي الرئيس خاتمي للسعودية في 1997 وفي
2002 على التوالي؛ وزيارة ولي العهد
السعودي لطهران في 1999.
2- عدد الاتفاقيات السياسية والاقتصادية
التي تم توقيعها بين الجانبين منذ عام
1997 وحتى 2002 التي بلغت نحو 42 اتفاقية
تتركز حول مجالات التعاون الاقتصادي
والتجاري، كما أن هناك اتفاقية للتعاون
العسكري مع سلطنة عمان، وأخرى للتعاون
الأمني مع السعودية، وتعد أبرز
الاتفاقات الموقعة بين إيران والدول
الخليجية.. وتشمل الاتفاقية أوجه
التعاون في مجالات مكافحة الجريمة
والإرهاب وغسيل الأموال وغيرها.
3- عدد اللجان المشتركة بين إيران والدول
الخليجية التي يتم من خلالها دعم
التعاون بين الجانبين، وتبلغ 8 لجان،
أبرزها اللجان العليا بين الجانبين.
4- حجم التبادل التجاري بين الجانبين
الذي بلغ نحو 4.2 مليارات دولار في عام 2001.
تداعيات 11 سبتمبر
فرضت أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها تحديات
خطيرة على منطقة الخليج، وطرحت الكثير
من التساؤلات حول مستقبل العلاقات
الخليجية-الأمريكية في ضوء ازدياد
الانتقادات الخليجية للسياسة
الأمريكية، وحول مستقبل علاقات دول
مجلس التعاون مع إيران في ضوء التقارب
الإيراني-الخليجي، والتنسيق الأمريكي-الإيراني
بشأن أفغانستان، بالإضافة إلى تزايد
الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة
الذي كان مرتكزًا في شمال الخليج فقط
لتحجيم التهديدين العراقي والإيراني
والخطر الروسي، حيث امتد الوجود
الأمريكي المباشر من بحر قزوين شمالاً
إلى الجنوب (عمان- اليمن- القرن الإفريقي)
حيث البحر الأحمر والمحيط الهندي وبحر
العرب، وهي الممرات الإستراتيجية
الرئيسية اللازمة للسيطرة على مناطق
الخليج وجنوب آسيا، إضافة إلى تكثيف
الوجود العسكري في آسيا الوسطى.
ويلاحظ أن الوجود الأجنبي الأمريكي
شمال الخليج وجنوبه قد يؤثر في الوضع
الداخلي لدول المنطقة، ويخلق مشكلات
أمنية خطيرة لها، فضلا عن التأثير في
وضعية السعودية -الدولة القائد- في مجلس
التعاون، وإحكام الحصار العسكري على
إيران.
وعلى ذلك تبدو منطقة الخليج بعد 11
سبتمبر في قلب ثلاثة أقاليم جغرافية
سياسية مضطربة، تتقاطع فيها شبكة
المصالح الاقتصادية بما يجعلها مواقع
لحروب المستقبل. ويضم الإقليم الأول
أفغانستان وآسيا الوسطى، والثاني
المحيط الهندي، والثالث إقليم القوقاز.
ووقوع الخليج وسط هذه الأقاليم الثلاثة
يجعل قيمته الإستراتيجية لا تقتصر على
النفط فقط، بل باعتباره منطقة مؤثرة في
أقاليم العالم الجديد.
رفض مطلق للحرب
تشكل الأزمة الراهنة بين الولايات
المتحدة والعراق وتنامي احتمالات الغزو
العسكري لبغداد تحديًا خطيرًا لكل من
إيران ودول مجلس التعاون الخليجي. فعلى
الجانب الإيراني ترتبط المواقف
الإيرانية من احتمالات العدوان
الأمريكي على العراق ارتباطًا قويًا
بالمصالح الإيرانية في الخليج، ومجمل
الرؤى الخاصة بالعلاقات الإقليمية، حيث
يتعارض هذا الغزو مع سعى إيران لدعم
وجودها ونفوذها في إقليم الخليج، عبر
نزع أسباب التوتر مع العراق وتقوية
العلاقات مع دول الخليج، وعبر الحد من
النفوذ الأمريكي، وبالذات بعدما تم وضع
إيران ضمن دول محور الشر مع العراق
وكوريا الشمالية وفق تصنيف الرئيس
الأمريكي أمام الكونجرس في يناير 2002.
فإيران تدرك أن الغزو سيكون مقدمة
للاعتداء عليها، كما أنه سيؤسس وجودًا
عسكريًا أمريكيًا في العراق، وسيكون
كذلك مقدمة لترتيبات إقليمية تسمح
لإسرائيل بأن تتواجد في العراق بالقرب
منها. ومن ثم فإن معادلة العلاقات
الإقليمية في الخليج سوف تشهد اختراقًا
إسرائيليًا غير مسبوق في ظل رعاية
وحماية أمريكية لهذا الاختراق.
أما على المستوى الخليجي فإن مستوى
التحديات لا يقل في خطورته عن تلك التي
تواجهها إيران إن لم يكن يزيد عليها،
حيث أصبح الإقليم قريبًا من مراكز تخطيط
السياسة العالمية، وهو ما يبرز تحديين
رئيسين يواجهان دوله العربية على صعيد
إعادة هندسة الأمن الإقليمي الخليجي؛
أولهما خطورة قيام الولايات المتحدة
بشن عدوان على العراق، وثانيهما اهتزاز
ثقة البناء التحالفي بين أمريكا ودول
مجلس التعاون، وتنامي الاتجاهات
الشعبية المعارضة للوجود الأمريكي في
الخليج.
ولذلك فإن دول المجلس ليس أمامها سوى
السعي للعمل في اتجاهين: أولهما
الحيلولة دون وقوع عدوان أمريكي ضد
العراق، والإسراع بتحديد السياسات التي
يجب أن تقوم بها دول المجلس لمواجهة
المتغيرات الجديدة التي يمكن أن تنشأ في
حال وقوع الغزو وإسقاط النظام الحاكم في
بغداد. وثانيهما إعادة تأسيس أنماط
جديدة من العلاقات مع أمريكا، تهدف
لاستعادة الثقة والبحث في حدود الدور
الأمريكي في الخليج.. وإن كان العمل في
هذين الاتجاهين لا يمكن أن يتم بدون
بلورة سياسة جديدة للعلاقات بين دول
المجلس وإيران، واحتمالات التقارب
الإيراني-الأمريكي في هذا الشأن.
الموقف الإيراني.. الحياد الإيجابي
وفي تناولنا لطبيعة الموقف الإيراني من
الحرب المحتملة ضد العراق يمكن أن نحدد
معالم الموقف الإيراني في نقاط عدة:
1- الرفض المطلق لأي غزو أمريكي للعراق،
كما عبر عن ذلك الرئيس خاتمي بتأكيده
على موقفه الرافض لضرب العراق أو التدخل
في شئونه الداخلية، وكذا الترحيب
الإيراني بعودة المفتشين الدوليين
للعراق، وكما وصف ذلك وزير الخارجية
كمال خرازي بأنه قرار حكيم.
2- تجنب أي مواجهة مع العراق، وهو ما برز
في حرص الجانب الإيراني على الالتزام
بدرجة عالية من ضبط النفس للحيلولة دون
التورط في أي مواجهة سياسية أو إعلامية
مع العراق، رغم الاتهامات الشديدة التي
وجهها نائب الرئيس العراقي طه ياسين
رمضان وقال فيها بأن الأطماع الإيرانية
في المنطقة لا تقل عن الأطماع الأمريكية
والبريطانية، كما اتهم الإيرانيين
بأنهم حلفاء للصهاينة، بينما واجهت
إيران هذه الاتهامات بتقديم احتجاج
رسمي للحكومة العراقية.
3- التنسيق مع دول مجلس التعاون في
الموقف من الأزمة، كما ظهر في زيارة
الرئيس خاتمي الأخيرة للرياض وأبو ظبي
في أكتوبر الماضي (2002).
4- الحرص على تجنب المواجهة مع أمريكا من
خلال اتباع سياسة الحياد الإيجابي،
بالالتزام بموقف سياسي معارض لضرب
العراق، وموقف عسكري غير منحاز لأي من
الطرفين، مع الاستعداد لمواجهة أي
عدوان أمريكي، كما أكد علي شمخاني وزير
الدفاع بأن أمريكا يجب ألا تتجاوز
الخطوط الحمراء في حال عدوانها على
العراق، وأن قواته مستعدة لمواجهة أي
احتمال.
أما موقف دول مجلس التعاون فقد عبرت عنه
قمة الدوحة الأخيرة في يناير 2003 لدول
المجلس، والتي رحبت بتجاوب العراق مع
قرار مجلس الأمن رقم 1441، وقبوله بعودة
المفتشين الدوليين، ورفضها لأي عمل
عسكري منفرد ضد العراق، وإن برزت
تناقضات بين طبيعة المواقف السياسية
المعلنة الرافضة للحرب، والمواقف
العملية المساعدة للولايات المتحدة.
محددات الفترة القادمة
ويمكن الإشارة إلى وجود ثلاثة عوامل
محددة لمستقبل النظام الإقليمي في
منطقة الخليج في الفترة القادمة في ظل
تصاعد الأزمة الحالية:
1- مدى جدية الولايات المتحدة في تنفيذ
تهديداتها بضرب العراق
2- الدور الإيراني الجديد في الخليج في
ضوء خبرة التقارب الإيراني-الأمريكي ضد
حركة طالبان
3- الانعكاسات المحتملة على تماسك رابطة
مجلس التعاون لدول الخليج
تابع
في نفس الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب صحافي مصري.
|