 |
|
قسام 2.. نقل الحرب إلى العمق الإسرائيلي
|
مثّل
شهر كانون ثاني/ يناير 2003 نقطة تحول
بارزة في التوجهات العسكرية
الإسرائيلية ضد قطاع غزة بالذات، فقد
حرصت قيادة هيئة أركان جيش الاحتلال
بتوجيهات مباشرة من رئيس الوزراء
الإسرائيلي إريل شارون على تنفيذ حملات
أمنية واسعة النطاق في جميع أرجاء
القطاع. وقد كانت مدينة غزة تحديدا أكثر
مناطق القطاع عرضة لعمليات القمع التي
قام بها جيش الاحتلال. ففي 26-1-2003 نفذ جيش
الاحتلال أكبر عملية توغل في المدينة
منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، فقد وصلت
دبابات الاحتلال إلى الميدان الرئيسي
في المدينة، وفي هذه الحملات عكفت قوات
الاحتلال على تدمير كل ما يمت للبنية
التحتية بصلة.
ففي
هذا الشهر قامت قوات الاحتلال بتدمير 100
ورشة فنية للخراطة والحدادة إلى جانب
عدد كبير من المصانع الحيوية في أرجاء
القطاع، بدعوى أنها تستخدم في تصنيع
وسائل قتالية، وعلى الأخص صواريخ "القسام".
في الوقت نفسه، واصلت
قوات الاحتلال تدمير المنازل بحجة
أنها مملوكة لعائلات شارك أبناؤها في
عمليات استشهادية، أو بادعاء أن هذه
المنازل التي تقع في الأحياء السكنية
الجنوبية من مدينة رفح المتاخمة للحدود
المصرية الفلسطينية تستخدم كمداخل
أنفاق لتهريب السلاح والوسائل القتالية
من مصر لقطاع غزة.
ويجب
هنا أن نشير إلى مفارقة، وهي أن القائد
الذي قاد جميع عمليات جيش الاحتلال في
قطاع غزة هو الضابط الدرزي، العميد عماد
فارس، قائد لواء "جفعاتي" في جيش
الاحتلال، الذي تباهى في مقابلة مع
القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي
بتاريخ 27-1-2003 بأنه "تشرف" بقيادة
أكبر العمليات ضد حركات المقاومة في
قطاع غزة!
لماذا
غزة؟
ويمكن
الإشارة إلى ثلاثة أسباب دعت شارون إلى
أن يركز جهد قواته في قطاع غزة:
1-
دوائر صنع القرار السياسي والأمني في
دولة الاحتلال باتت تدرك مدى التهديد
الذي يمثله إطلاق صواريخ "القسام"
إلى العمق الإسرائيلي، فقد طالت هذه
الصواريخ التجمعات السكانية اليهودية
في منطقة النقب، وسقط بعضها في مدينة
"سديروت" التي تبعد كيلومترا واحدا
عن مزرعة شارون الخاصة التي يتواجد فيها
بيته الخاص، وقد كان شارون شخصيا شاهد
عيان على سقوط أحد صواريخ "القسام"
على المدينة.
المخابرات
الإسرائيلية الداخلية "الشاباك"
تدعي أنها تملك أدلة قوية على أن حركة
المقاومة الإسلامية "حماس" قد نقلت
صواريخ "القسام" إلى الضفة الغربية.
وادعى ناطق باسم "الشاباك" بتاريخ
22-1-2003 أنه قد تم القبض على خلية عسكرية
تابعة لـ"كتائب عز الدين القسام" –الجناح
العسكري لحماس- في مدينة "رام الله"
كانت تعد لإطلاق صواريخ "القسام"
على الأحياء اليهودية في القدس
المحتلة، وادعى الناطق أن هذه الصواريخ
كانت مطورة بحيث يصل مداها إلى 13
كيلومترا، بحيث إن إطلاقها من إحدى
القرى الفلسطينية المتاخمة للقدس
يجعلها تسقط في قلب القدس الغربية التي
جميع سكانها من اليهود.
ويدعي
"الشاباك" أن قطاع غزة هو مصدر
الصواريخ، وأن هناك بنية تحتية
للمقاومة، وبالذات لحماس، قادرة على
تطوير هذه الصواريخ بحيث تصل إلى مدن
كبيرة داخل إسرائيل مثل "المجدل"
أو "بئر السبع"، وهذا -مما لا شك فيه-
يمثل تحديا كبيرا للأمن الإسرائيلي.
وبالرغم من أن هذه الصواريخ لم تؤد حتى
الآن إلى إلحاق خسائر كبيرة في الأرواح،
فإنها كفيلة بزعزعة الشعور بالأمن
الشخصي للصهاينة بشكل لم يسبق له مثيل.
2-
شارون وقادة جيشه معنيون بإفشال الحوار
الوطني الفلسطيني في القاهرة، فشارون
يعي أن نجاح هذا الحوار بوساطة مصرية
يعني قذف الكرة في الملعب الإسرائيلي،
سيما وأن الموقف المصري والأوربي يدعو
إلى حصر عمل المقاومة في الضفة الغربية
وقطاع غزة، لذا جاءت عمليات جيش
الاحتلال لإحراج الحكومة المصرية التي
ترعى اللقاءات، وجعل إضفاء أي مرونة على
مواقف حركات المقاومة مستحيلا.
3-
لا شك أن شارون كان معنيا بتكثيف القمع
الإسرائيلي، على اعتبار أن ذلك هو
الوسيلة للتغطية على الفضائح المالية
التي عصفت به وبعائلته وبحزب الليكود
عشية الانتخابات.. وإبراز مظاهر القوة
في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
وهناك
خطة محددة للتعامل العسكري مع قطاع غزة
تقوم على ثلاث مراحل:
1-
شن مزيد من التوغلات والحملات الواسعة
في جميع أرجاء القطاع.
2-
إقامة حزام أمني في محيط الخط الفاصل
بين القطاع ودولة الاحتلال، وبالذات في
شمال القطاع بمحاذاة بلدة "بيت حانون".
3-
احتلال قطاع غزة بالكامل، وقد أكد وزير
الحرب الإسرائيلي شاؤول موفاز هذه
التوجه بشكل علني وصريح.
الضفة
الغربية
تركيز
عمليات الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة
خلال يناير 2003 لا يعني أن جيش الاحتلال
أهمل الضفة الغربية، فقد واصلت إسرائيل
جرائم الاحتلال في الضفة الغربية كما
يلي:
1-عمليات
الاغتيال:
واصلت
قوات الاحتلال استهداف قادة وأعضاء
الأجهزة العسكرية لحركات المقاومة، فقد
اغتالت قوات الاحتلال قائد "سرايا
القدس" -الجناح العسكري لـ"حركة
الجهاد الإسلامي" في جنوب الضفة
الغربية- أيمن قفيشه. واغتالت قياديا
آخر للجهاد في مدينة نابلس وهو رامي أبو
بكر، واغتالت خالد جابر قائد "كتائب
شهداء الأقصى" الجناح العسكري لـ"فتح"
في شمال الضفة الغربية.
2
-الاعتقال والاختطاف:
على
الرغم من أن عدد المعتقلين الفلسطينيين
في سجون الاحتلال قد وصل إلى 8500 شخص فإن
قوات الاحتلال واصلت عمليات الاعتقال
والاختطاف، وقد تميز شهر كانون ثاني/
يناير 2003 بتركيز قوات الاحتلال على
اعتقال قائدات الأجنحة النسوية في
حركات المقاومة، فقد اعتقلت قوات
الاحتلال عطاف عليان القيادية البارزة
في حركة "الجهاد الإسلامي" وزوجة
أحمد سعادات -الأمين العام للجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين- المعتقل في سجن
السلطة الفلسطينية.
3-الإهانة
والتعذيب:
أفادت
الشهادات التي يدلي بها الشباب
الفلسطيني في مدينة الخليل بأن الجنود
الإسرائيليين يتفننون في ابتداع وسائل
للإهانة والتعذيب، ففي هذه المنطقة
يقوم جنود حرس الحدود الصهيوني بإيقاف
كل فلسطيني يتحرك في منطقة نائية وبعيدا
عن أعين الناس، ويعرضون عليه صندوقا فيه
عدة أوراق ويقولون له: اختر أي ورقة، حيث
إن على كل ورقة مكتوب نوع وسيلة التعذيب
التي تنتظر هذا الشخص، فمن هؤلاء الشباب
من يكون مكتوب على ورقته تكسير الأيدي
والأرجل، فيقوم الجنود بضربه بقضبان
حديد على يديه ورجليه حتى يتم تحطيم
أطرافه، ومنهم من يكتب على ورقته إطلاق
عيار ناري على الرجل أو الذراع، فيقوم
الجنود بإطلاق عيار ناري على ساقه أو
ذراعه، ومن هؤلاء الشباب من يجبر على
الرقص والغناء!
4-
تقييد حركة الفلسطينيين:
في
هذا الشهر أصدرت قيادة قوات الاحتلال في
الضفة الغربية أمرا يقضي بعدم السماح
لكل من لم يتجاوز الخامسة والثلاثين
بمغادرة مدن الضفة الغربية. وفي قطاع
غزة يحظر على كل من هو دون الخامسة
والثلاثين العمل داخل إسرائيل، بينما
يحظر على كل من هو دون الخامسة
والأربعين مغادرة الضفة الغربية وقطاع
غزة للخارج.
5-
بعض آثار الحصار:
في
هذا الشهر تجلت الآثار الكارثية للحصار
الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية
المحتلة في 1967، فقد دلت دراسة عملية على
أن 30% من طلاب قطاع غزة يعانون من مرض فقر
الدم نتيجة سوء التغذية.
خلاصة
وتقويم
قد
يكون شهر كانون ثاني/ يناير 2003 هو بداية
تعاط إسرائيلي جديد مع قطاع غزة بالذات،
لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون نقطة
تحول في التورط الإسرائيلي فيما يسميه
المحللون والعسكريون الإسرائيليون
المتقاعدون "المستنقع الفلسطيني".
فإذا كان مرور عامين على القمع
الإسرائيلي لم ينجح في إنهاء المقاومة
الفلسطينية في الضفة الغربية، فإن
إسرائيل ستقف عاجزة أمام المقاومة في
قطاع غزة، وهي المنطقة الأكثر كثافة
سكانية في العالم، والتي تملك المقاومة
فيها بنية تحتية قوية وأكبر بكثير من
تلك التي كانت قائمة في الضفة الغربية.
لقد
أثبت التجربة أن الحسابات الضيقة لحكام
إسرائيل لم تقد دولة الاحتلال والمجتمع
الإسرائيلي إلا لمزيد من التدهور،
وستكون عملية اجتياح كاملة لقطاع غزة هي
حلقة أخرى في هذا التدهور.
اقرأ
أيضًا:
**
مراسل إسلام أون لاين.نت للشئون
الإسرائيلية- غزة
|