English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


بعد انشقاقها.. هل حانت نهاية إمبراطورية "شاس"

16/01/2003

صالح محمد النعامي**

أرييه درعي

تتواتر استطلاعات الرأي العام في إسرائيل التي تؤكد أن حركة "شاس" الدينية الأرثوذكسية الشرقية ستفقد أكثر من نصف قوتها في الانتخابات المقبلة. وحسب هذه الاستطلاعات فإن تمثيل الحركة في البرلمان سيهبط من 17 مقعدا إلى 8 مقاعد. هذا في الوقت الذي وقع انشقاق في صفوف الحركة، تَمثل في خروج أتباع الرئيس السابق للحركة الحاخام أرييه درعي من قائمة الحركة في البرلمان، ورفضهم الانصياع لتعليمات قيادة الحركة ومجلس الحاخامات الذي يمثل المرجعية الروحية للحركة، بعد أن استبعدهم مجلس الحاخامات من عضوية قائمة مرشحي الحركة للانتخابات المقبلة.

النواب الذين انشقوا عن الحركة سرعان ما انضموا لحركة دينية شرقية جديدة باركها الحاخام إسحاق خضوري، أبرز حاخامات "هكبلا" (موزع البركات) في دولة الاحتلال، ويحظى بشعبية واسعة النطاق في أوساط اليهود الشرقيين، وقد أطلق على الحركة الجديدة "أهفات يسرائيل" (حب إسرائيل).

مظاهر تراجع الحركة لم تعكسها فقط نتائج استطلاعات الرأي العام، بل أيضا وجدت ترجمتها في ضعف الحضور الجماهيري في المهرجانات الجماهيرية التي تعقدها الحركة ضمن حملتها الانتخابية.

وقد تلقت الحركة ضربة من اتجاه غير متوقع عندما حدث انشقاق داخل مجلس حاخامات التوراة الذي يتزعمه الحاخام عوفاديا يوسيف، إذ أعلن الحاخام إسحاق شيمو عضو المجلس رفضه استبعاد أنصار "درعي" من قائمة مرشحي الحزب للانتخابات المقبلة، مع كل ما تمثله هذه الاستقالة من مس بهيبة الحاخام عوفاديا يوسيف.

وقبل الخوض في البحث في الأسباب التي أدت إلى تراجع هذه الحركة التي تعتبر الآن ثالث أكبر حزب في البرلمان الإسرائيلي، فإنه لا بد من الإشارة إلى العوامل التي أدت إلى انطلاق هذه الحركة.

الصهيونية هي الجريمة.. وشاس هي العقاب

بعد أكثر من 5 عقود على قيام دولة الاحتلال، فإن المجتمع الصهيوني فشِل فشلا ذريعا في بناء نموذج لليهودي الجديد الذي يريده. فعلى مدى تاريخها مارست هذه الدولة وأحزابها تمييزا واضحا ضد أبناء الطوائف الشرقية الذين كانوا يمثلون حتى أواسط الثمانينيات (مولد شاس) نصف اليهود في الدولة. ولم يجد هذا الوزن الديموغرافي تمثيله العادل في مؤسسات الدولة والطبقة السياسية. فالشرقيون الذين تم استيعابهم من الدول العربية بشكل أساسي تم الزج بهم في "مدن التطوير"، وبخلاف ما يوحيه هذا الاسم، فإن هذه المدن تتميز بمعدلات بطالة عالية، فضلا عن تخلف البنية التحتية فيها، ومؤسسات التعليم، لدرجة أن معدلات الذين يحصلون على شهادة "البجروت" (تعادل التوجيهية العامة) من الشرقيين تبلغ عُشر الذين يحصلون عليها من اليهود الغربيين.

كل هذا أثر بشكل سلبي على أنماط الحياة والسلوك الاجتماعي في التجمعات السكانية للشرقيين، حيث ازدادت معدلات الجريمة والعنف الأسرى وتناول المخدرات، والعمل في الدعارة.

وإذا كان هذا حال العلمانيين الشرقيين فقد كان حال المتدينين الأرثوذكس من الشرقيين أكثر بؤسا، إذ إنه منذ تأسيس الدولة، ونظرا لعدم وجود مرجعيات روحية وسياسية تمثل هؤلاء اليهود، فقد احتكر تمثيلهم حزب "أغودات يسرائيل" الحريدي الإشكنازي، الذي كان يتعامل مع أتباعه من الشرقيين كمجرد مخزن للأصوات في كل الانتخابات. فقد كان هذا الحزب يبتز الحكومات الإسرائيلية ويحصل منها على عشرات المليارات من الشيكلات، ويدفع بها إلى المؤسسات التي تمثل الحريديم الإشكناز، ويتم تجاهل الشرقيين، هذا إلى جانب التعامل بتعالٍ مع منتسبي مؤسسات هذا الحزب الدينية من اليهود الشرقيين، فيرفض الحريديم الغربيين علاقات الزواج مع اليهود الحريديم السفارديم بشكل مطلق.

وإلى جانب كل ذلك فقد عانى الشرقيون -متدينيين وعلمانيين- من احتكار النخب الغربية للمؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية في الدولة. وقد كان ممثلو النخب الثقافية يتعاملون باستعلاء مع اليهود الشرقيين، وقد كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير عندما كتب الصحافي "أمنون دانكنر" مقالا في منتصف شباط عام 1983 بعنوان "ليس عندي أخت"، هاجم فيه الثقافة الشرقية، ونفى أن يكون "هؤلاء" إخوته، وأضاف: "إن هؤلاء لم يجلبوا لإسرائيل إلا تقبيل أيدي الآباء، وإكرام الضيف، والمبنى العائلي الذكوري". كل هذا التراث من التمييز دفع حاخاما شرقيا من القدس يُدعى "نسيم زئيف" في العام نفسه لتشكيل قائمة للتنافس في انتخابات بلدية القدس، وقد أطلق عليها اسم "شاس" (اتحاد الشرقيين المحافظين على التوراة"، وقد حققت الحركة نتائج مذهلة، إذ تفوقت على قائمة حزب "أغودات يسرائيل".

وتوجه الحاخام زئيف للحاخام عوفاديا يوسيف الحاخام السفاردي السابق للدولة، وعرض عليه فكرة تحويل حركة شاس إلى حركة سياسية ذات رسالة اجتماعية لتمثيل اليهود الشرقيين.

تشجع يوسيف للفكرة، وقد كان الحاخام يوسيف يتميز غيظا، إذ إن المؤسسة السياسية في إسرائيل رفضت تمديد ولايته لفترة ثالثة في منصب الحاخام الأكبر، كما كانت تفعل مع كل الحاخامات الذين يتبوءون هذا المنصب. وبدأ يوسيف الإعداد لانطلاق الحركة، وكانت انتخابات عام 1984 العامة على الأبواب، في هذه الأثناء انضم للحركة حاخام شاب يبلغ من العمر السادسة والعشرين يدعى أرييه درعي، قدم من المغرب في عام 1969، وكان يدرس في مدرسة دينية أشكنازية يديرها حزب "أغودات يسرائيل"، أي أنه مر بكل تجارب التمييز التي مر بها الطلاب الشرقيون في هذه المدارس.

وقد وقف الحاخام الصغير أمام الجماهير الشرقية في مدن التطوير والأحياء الشعبية صارخا ومشددا على البعد الثقافي: "لا.. لم يعد بالإمكان بعد اليوم أن نطأطئ الرأس. بعد اليوم سنصرّ على تحقيق هويتنا وثقافتنا المستقلة، لن يجبرونا على تقديس مايكل جاكسون ومادونا. نحن لنا ثقافتنا الخاصة".

ثم انتقل للحديث عن البعد الاجتماعي: "لماذا يا ترى 90% من اللواتي يمتَهِنَّ العهر هن من الشرقيات؟ لأنهن لا يجدن ما يعُلن به أسرهن. لأنه لا توجد عدالة في توزيع ثروات الدولة".

وأخيرا انتقل إلى الجانب الديني: "الصهيونية حركة كفر تطمح لخلق يهودية جديدة، وحاولت القضاء على التوراة والحضارة السفاردية".

في هذه الانتخابات (1984) حققت "شاس" معجزة حقيقية، إذ فازت بأربعة مقاعد في الكنيست، ودخلت الحكومة، ومنذ ذلك لم تنفك الحركة عن تحقيق نتائج مذهلة في كل انتخابات، حتى كانت انتخابات عام 1999، عندما فازت الحركة بسبعة عشر مقعدا لتحل في المركز الثالث بعد حزبي العمل والليكود. ومنذ ذلك ظلت "شاس" جزءا من أي ائتلاف حاكم، باستثناء فترات قصيرة.

بكلمات أخرى فقد كانت النجاحات التي حققتها شاس عبارة عن تمثل فشل الحركة الصهيونية في صهر الثقافات المختلفة لليهود في بوتقة واحدة، وإصرار قادة الحركات السياسية الأشكنازية، سواء كانت علمانية أو دينية على استبعاد الشرقيين من دائرة صنع القرار. فكان اختيار شاس بمثابة رسالة احتجاج قوية وجهها الشرقيون للمؤسسة الحاكمة في دولة الاحتلال.

توظيف السلطة

لا يختلف اثنان في إسرائيل على أن أحد أهم عوامل النجاح في حركة "شاس" كانت قيادة الحاخام أرييه درعي لها، الذي جمع بين كونه رجل دين وسياسيا داهية، مناورا فذا، متقد الذكاء. وقد عمل درعي على تسخير كل مصادر القوة التي أصبحت في أيدي الحركة بعدما أصبحت جزءا من الائتلاف من أجل تكريس سيطرتها على أكبر قطاعات من اليهود الشرقيين. فعمدت الحركة إلى تأسيس أكبر شبكة تعليم خاصة في دولة الاحتلال حاليا، وهي شبكة "همعيان" (النبع)، وقد نجحت الحركة في إجبار كل حكومة على التعهد بتمويل هذه الشبكة، على أن يكون هذا التعهد جزءا لا يتجزأ من أي اتفاق ائتلافي قبل تشكيل أي حكومة بالطبع، ناهيك عن جهود الحركة للتواصل مع الجمهور الواسع عبر شبكة من الوسائل الإعلامية الخاصة التي تضمنت 15 إذاعة خاصة وقنوات تلفزة، إحداها فضائية، وصحيفة يومية.

لكن الأكثر من ذلك، كان حرص شاس على الاستئثار بالوزارات التي تختص بالتعاطي مع القضايا الاجتماعية، مثل وزارات العمل والرفاه الاجتماعي، والصحة، والداخلية، والأديان، وذلك لضمان إقامة الجسور مع مزيد من القطاعات من اليهود الشرقيين. وقد وصل الأمر إلى حد أن 9 من لاعبي منتخب إسرائيل لكرة القدم قد أعلنوا تأييدهم لحركة شاس.

أرثوذكسية ذات طابع خاص

بخلاف الحركات الأرثوذكسية الغربية، لم تتمترس "شاس" حول الرسالة الدينية، ولم تحصر نضالها في الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، كما هو شأن الحركات الأشكنازية، بل إن جل رسالتها كان منصبا على الجانب الاجتماعي وتبني قضايا الطبقات الفقيرة التي يشكل الشرقيون أغلبها. وهناك من قال: إن "شاس" هي المدرسة الثالثة من الصهيونية، وهي الصهيونية "الحريدية"، نظرا إلى أنها دفعت الشرقيين الحريديين للاندماج في الدولة وحركتها السياسية، وفي الوقت نفسه ناضلت من أجل تميزهم الثقافي.

هل هي بداية النهاية؟

لا شك أن حركة شاس تمر الآن بواحدة من أصعب فتراتها، وهناك من يرى أنها بداية النهاية لنجاحات الحركة، سواء على صعيد تراجع قوتها كما تتنبأ بذلك استطلاعات الرأي العام، إلى جانب الانشقاق في صفوف الحركة. ويمكن الإشارة إلى عدد من الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع:

1- إلغاء طريقة الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء، التي استفادت منها شاس كثيرا، إذ إن هذه الطريقة سمحت للإسرائيليين بالتصويت للمرشح لرئيس الوزراء الذي يمثل موقفهم الأيديولوجي، وفي الوقت نفسه التصويت للقائمة الانتخابية التي تمثل مصالحهم القطاعية وتعبر عن قضاياهم الاجتماعية والاقتصادية. من هنا فقد كان تعاظم قوة شاس على حساب حزب الليكود، فمصوتو شاس -وهم من الشرقيين ذوي التوجهات اليمينية- أصبحوا يصوتون لمرشح الليكود لرئاسة الوزراء الذي يعبر عن موقفهم الأيديولوجي، وفي الوقت نفسه يختارون حركة "شاس" التي تمثل مصالحهم القطاعية. أما الآن فإنه لم يعد الفصل بين التوجهين ممكنا.

2- غياب القيادة الملهمة التي كان يمثلها أرييه درعي بعد اعتقاله على خلفية إدانته بقضايا فساد، فقد فشِل خلَفه إيلي يشاي في قيادة الحركة في إبقاء التواصل مع القطاعات التي تمثلها الحركة، وفي الوقت نفسه، وبعد أن ثبت أنه من الصعب على درعي العودة للعمل السياسي، فإنه أعطى الضوء الأخضر لأنصاره للتمرد على قيادة يشاي.

3- التوجهات اليمينية لقيادة الحركة: الذي ميز أرييه درعي عن يشاي أنه كان دوما يحافظ على خط مرن من ناحية سياسية، بحيث تبقى الرسالة الاجتماعية هي المسيطرة على اعتبارات الحزب، أما يشاي فقد وقع في منافسة مع الأحزاب اليمينية العلمانية مثل الليكود في تبني مواقف سياسية متطرفة. وقد فشل يشاي في المنافسة، وفي الوقت نفسه تراجع دور وزراء الحركة في الدفاع عن القضايا الاجتماعية الاقتصادية في البرلمان والحكومة، لدرجة أنه تبين أن وزراء ونواب شاس كانوا أقل من حاول سن قوانين اجتماعية في العامين الماضيين.

4- حكومة الوحدة الوطنية بين العمل والليكود التي قللت من مجال المناورة أمام شاس، حيث كان كل حزب يستخدمها فيما مضى لمواجهة الحزب الآخر، وكانت تهدد بالانقلاب من: التحالف مع طرف إلى التحالف مع الطرف الآخر، وتبتز التنازلات من الجانبين.

5- الانقلاب في الميزان الديموغرافي بين الأشكناز والشرقيين بشكل عام لصالح الأشكناز مؤخرا، وذلك بسبب كثافة الهجرة الروسية وهجرة اليهود من الأرجنتين، وهو ما قلص تأثير الشرقيين كقوة انتخابية، مقارنة بما كانت عليه الأمور قبل سنوات.

خلاصة القول أن كل الدلائل تشير إلى أن شاس تشهد تراجعا كبيرا ومطردا. لكن وعلى الرغم من أن معظم المعلقين في إسرائيل سارع مؤخرا إلى رثاء هذه الحركة، فإن من السابق لأوانه إصدار مثل هذا الحكم. فقد أثبتت الحركة في الماضي قدرة فائقة على تحقيق نتائج بعكس استطلاعات الرأي العام. لكن على كل الأحوال فإن هذه الحركة تبقى دوما المثال الأكثر وضوحا على فشل الصهيونية في صهر الثقافات المختلفة لليهود في دولة الاحتلال.

اقرأ أيضا:


** مراسل إسلام أون لاين.نت للشؤون الإسرائيلية- غزة.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع