بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


تركيا والعرب.. المستقبل لا ينفصل عن الماضي

13/01/2003

محمد عبد القادر**

يكتسب تحليل العلاقات العربية التركية في ظل التطورات التي اجتاحت الجمهورية التركية مؤخرًا، وتحديدًا بعد وصول حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية إلى السلطة وظهور نخبة سياسية جديدة.. أهمية كبيرة، بعد أن ظلت هذه العلاقات على مدار عقود ماضية مثار تساؤلات ومناقشات، دارت في مجملها حول سؤال رئيسي تعددت فرعياته وتركز جوهره حول الأسباب التي تقف وراء افتقاد هذه العلاقات الحرارة المرتجاة، وفشلت محاولات إعادة بعثها بشكل يتناسب مع عوامل الإرث التاريخي ووحدة الدين والوضع الجغراسياسي، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والحيوية المتبادلة التي في الإمكان تفعيلها لتصبح أكثر إثمارًا.

محددات العلاقات العربية التركية

لقد ظلت العلاقات العربية التركية إلى حد بعيد أسيرة محددات عدة حكمت مستوياتها وطبيعتها، وأثرت على التفاعل الإيجابي بين الطرفين، بما لم يسمح بإحداث مزيد من التقدم في مسار تلك العلاقات، ويأتي في مقدمة هذه المحددات:

أولا: إن النظرة المتبادلة بين الجانبين اكتنفها كثير من السلبية؛ ففي حين لم يتحمس الكثيرون من الأتراك للتوجه نحو العرب، مفضلين الاتجاه نحو الغرب المتقدم، وساعين للاندماج في تكتلاته الأمنية والاقتصادية تجسيداً للرؤى الأتاتوركية، نجد أن النظرة العربية انطلقت في معايير أخلاقية ودينية وسياسية، أسهمت في تشكيلها تجليات الثورة الأتاتوركية، خاصة بعد أن قام أتاتورك بإلغاء الأذان، واستبدال الحرف اللاتيني بالعربي، فضلاً عما مثلته الصراعات الحدودية بين الجانبين في أعقاب تفكك الدولة العثمانية، خاصة مع كل من سوريا والعراق حول لواء الإسكندرونة ولواء الموصل على التوالي، واتباع العرب والأتراك سياسات غير متوافقة مع المصالح المتبادلة، خاصة حين اتجهت تركيا إلى التحالف مع المعسكر الغربي، والدخول في أحلاف تستهدف حصار المد القومي العربي في الخمسينيات والستينيات، واتجهت كثير من الدول العربية للتحالف مع المعسكر الشرقي، واتجه بعضها لدعم "حزب العمال الكردستاني" المعارض في تركيا؛ مما كاد يسفر عن مواجهة عاتية بين كل من سوريا وأنقرة في خريف عام 1998.

وكما يقول الدكتور محمد نور الدين في كتابه "حجاب وحراب" فإن العرب والأتراك جمعت بينهم رابطتان، هما الأرض والخلافة: الأولى ذهبت مع نهاية الحرب العالمية وهزيمة الدولة العثمانية، والثانية ولّت أيضًا بإلغائها وإقامة الجمهورية التركية في عام 1923؛ وهو ما أدى إلى فك ارتباط دام بين الطرفين طيلة 4 قرون.

ثانيا: إن العلاقات العربية التركية ظلت إلى مدى بعيد أسيرة تفاعلات العلاقات التركية الإسرائيلية؛ حيث دائما ما رأى الجانب العربي أن توثيق العلاقات التركية مع إسرائيل من شأنه أن يؤثر بالسلب على أمنه القومي وعلى توازن القوى الإقليمي. وهذا الترابط بين مسار العلاقتين يمتد إلى تاريخ إنشاء دولة الاحتلال في فلسطين، حين كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل عام 1948، ولا ريب في ذلك.. فمصطفى كمال كان قد أدار ظهره للعرب تمامًا؛ بحيث أصبحت العلاقات مع إسرائيل إحدى حلقات الانسلاخ من المحيط الإسلامي والعربي، والإقبال نحو الغرب بمعناه الشامل. 

وقد تراوحت السياسة الخارجية التركية في عمومها تجاه القضايا العربية بين السكون والإقدام، وفقًا لما تمليه عليها مصالحها الإستراتيجية مع الغرب وإسرائيل، خاصة أن هذه الأخيرة أصبحت ذات فائدة لأنقرة؛ باعتبارها دولة عسكرية واستخبارية من الدرجة الأولى، ظهرت الحاجة إليها بشكل أكبر في ظل المساعي التركية لتحديث قواتها المسلحة، وفي مواجهاتها العسكرية مع "حزب العمال الكردستاني"، هذا ناهيك عن احتياجها إلى اللوبي اليهودي في مواجهة اللوبيين الأرمني واليوناني في الكونجرس الأمريكي، ولتحسين صورتها إعلاميًّا في مجال حقوق الإنسان في ظل ما تقترفه من تجاوزات بحق الأكراد، ومذابح الأرمن عام 1915، فضلاً عن اعتبارها بوابة واسعة إلى الولايات المتحدة.

هذه الحاجة توافقت مع احتياجات إسرائيلية أخرى في الضغط على سوريا والعراق، واختراق الحصار العربي.

وكانت ذروة التعبير عن هذا التوافق في المصالح الاتفاق العسكري الموقع بين الجانبين في مارس 1996. وقد ترافق هذا الاتفاق مع فتور في العلاقات العربية التركية، خاصة أنه جاء في ظل اتهامات تركية لبعض الدول العربية بدعم "حزب العمال الكردستاني"، وعلى الجانب الآخر كانت "عملية السلام في الشرق الأوسط" تمر بحالة إجهاض في ظل سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو.

ثالثا: إن العلاقات العربية التركية ظلت على الدوام انعكاسًا مباشرًا لصراع الإرادات الدائر بين النخب التركية والمؤسسة العسكرية، ممثلة في مجلس الأمن القومي الذي يمثل القوة الحقيقية في تركيا.

وباعتبار جنرالات الجيش هم حماة العلمانية؛ فهم يهرولون نحو الغرب غير مبالين بكل ما هو عربي أو إسلامي؛ ولذلك فقد لا يختلف المرء مع ما حدده د. جلال عبد الله معوض في كتابه "صناعة القرار في تركيا والعلاقات العربية التركية" من أن السياسة التركية تجاه المنطقة العربية تتسم بالاستمرار والتغير معًا، وأن عنصر الاستمرارية يكون باستناد هذه السياسة إلى رؤية ثابتة وواضحة للمصالح القومية التركية وضرورة تأمينها وتحقيقها بصرف النظر عن أي تغيرات في أشخاص القادة أو صانعي القرار. أما عنصر التغيير فيتمثل في تغيرات القادة والنخبة السياسية الحاكمة أو نتيجة تغيرات إقليمية ودولية تسهم في تغيير ترتيب الأولويات والمصالح، خاصة إذا ما كان الذي يحدد هذه السياسات في أغلب الأحوال رجال الجيش. ولعل تجربة عدنان مندريس الذي دفع حياته ثمنًا لمواجهتهم، وتجربة أربكان الذي خسر شعبيته ومستقبله السياسي ستظلان نبراسًا على ذلك.

ومن جهة أخرى فإن صراع الإرادات من وجهة ثانية هو صراع حول الهوية التركية التي طالما بقيت حائرة بين من يراها غربية علمانية ومن يراها شرقية إسلامية، حتى توصل حزب العدالة لحل وسط لم يثبت بعدُ حصولُهُ على إرضاء الأطراف جميعها، على اعتبار أنه حل مؤقت لم يثبت ما إذا كان سيتم رفضه حين تسنح الفرصة لذلك، أم سيتم تبنيه كإستراتيجية. ولعل ذلك كان سببًا في تردد الدول العربية في اتخاذ خطوات إيجابية لتطوير العلاقات مع تركيا.

طبيعة العلاقات العربية التركية

شهدت العلاقات العربية التركية بصفة عامة موجات من المد والجزر بين التقارب والتباعد؛ فبخلاف التطور الإيجابي في هذه العلاقات خلال مرحلة السبعينيات والثمانينيات، شهدت مرحلة التسعينيات توترا ملحوظا، في ظل تصاعد قضايا خلافية مثل قضايا المياه والقضايا الأمنية والحدودية، فضلاً عن التعاون العسكري الإسرائيلي التركي، والتدخل التركي في الأرضي العراقية لتعقب فلول "حزب العمال الكردستاني"، والإعلان بين الحين والآخر عن "الحقوق التركية التاريخية" في لواء الموصل العراقي.

وبالرغم من ذلك فإن التجربة الأربكانية وتأثيرها تظل على واقع العلاقات العربية مع تركيا ذات أهمية لفهم ما ستؤول إليه هذه العلاقات بعد تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، خاصة أن معظم نخبته من تلاميذ أربكان، وإن تغير كثير من رؤاها تكيفاً مع ما تمليه عليها طبيعة الحياة السياسية في تركيا.

فقد حاول أربكان تحسين العلاقات مع الدول العربية والإسلامية حين فرض عليه توقيع اتفاق التعاون مع إسرائيل، فقام فور توقيع الاتفاقية الثانية مع إسرائيل خلال منتصف أغسطس 1996 بزيارة شملت عدة دول إسلامية، كما أوفد مبعوثين خاصين لكل من سوريا والعراق -كان مبعوثه لسوريا عبد الله جول- لحل القضايا الخلافية حول المياه ونشاطات "حزب العمال الكردستاني".

وعلى الرغم من سعي أربكان لتحسين العلاقات التركية مع الدول العربية والإسلامية، حتى إنه كان قد أعلن قبل تسلمه منصب رئاسة الوزراء في 1996 أنه سيعمل على تجميد اتفاقية التعاون العسكري التركي الإسرائيلي التي وقعت في 24 فبراير 1996.. فإن الجيش وقف له بالمرصاد؛ وهو ما أدى إلى تقديمه استقالته في 18 يونيو 1997، فيما عرف آنذاك بالانقلاب الأبيض، كما أن الدول العربية من جهتها لم تستجب لمبادرته الاستجابة الملائمة؛ حيث كان التشكك يكسو نظرتها تجاه السياسة الخارجية التركية بعد توثيق التعاون مع إسرائيل.

ولعل الموقف العربي صار أكثر إيجابية في الفترة التالية للأزمة السورية التركية، بعدما ساد شعور بأن جبهة أخرى للصراع في المنطقة قد تنفجر بما لا يصب إلا في مصلحة إسرائيل. لذلك اتجهت الدول العربية إلى التعاطي الإيجابي مع ما تمليه عليها مصالحها الأمنية لاجتياز حالة الفتور التي صبغت العلاقات العربية التركية، فقامت مصر باستيعاب الأزمة السورية مع تركيا، وعملت على مساندة تركيا أثناء تعرضها لزلزال 1999 الذي أودى بحياة 4000 تركي؛ فكانت ثاني أكبر دولة تقدم العون لتركيا بعد الولايات المتحدة، كما أن مجلس التعاون الخليجي قدم مليوني دولار كمساندة لأنقرة في محنتها، فضلاً عن أن العلاقات التركية السورية كانت قد شهدت تقاربًا، خاصة بعد القبض على "عبد الله أوجلان"، ووقف سوريا دعمها لحزب العمالي الكردستاني، وطرد زعيمه من أراضيها؛ وهو ما أخرج سوريا نسبيًّا من شقي رحى التحالف الإسرائيلي التركي، وكسر الحاجز النفسي الذي خلفه توتر العلاقات لأكثر من 30 عامًا.

وبصفة عامة يمكن القول: إن فترة تولي "بولند أجاويد" السلطة في تركيا شهدت تحسنًا في العلاقات التركية مع دول الجوار بما فيها إيران، وهو ما أوضحته تصريحات مسئولي الجانبين، وعدد الزيارات المتبادلة، فضلاً عن تنامي معدل التبادل التجاري، والموقف المشترك من مسألة ضرب العراق. إلا أن ذلك لم يثنِها عن المضي قدمًا في إبرام صفقات عسكرية مع إسرائيل، وإن تراجع معدلها.

العدالة.. ومستقبل العلاقات العربية التركية

لا يبدو مستقبل العلاقات العربية التركية بعد وصول حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية إلى السلطة والسيطرة على ما يقرب من ثلثي مقاعد البرلمان منفصلا عن ماضي هذه العلاقات والمحددات التي رسمت معالمها من قبل؛ فالحزب محكوم بقواعد لعبة داخلية تفرض عليه التحرك بنهج تقتضيه مصالحه الخاصة في عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع قادة الجيش، خاصة أن سيف التجربة الأربكانية ما زال مسلطا عليه، كما أن مصالح أنقرة مع الدول العربية تواجهها مصالح أخرى مع إسرائيل والولايات المتحدة لا تقل أهمية –إن لم تزد- في ظل الواقع المعيش حالياً داخل تركيا وفي ضوء احتياجاتها متعددة الأوجه.

كما أن البراجماتية التي أظهرتها حكومة العدالة حين أعلنت عن استمرارها في علاقاتها مع إسرائيل، وسعيها لتحسين علاقاتها مع الدول العربية، خاصة إذا اتخذت الأخيرة خطوات إيجابية تشجع أنقرة على المضي قدمًا على هذا النحو.. أوضحت أن القلق الإسرائيلي على متانة علاقاته مع أنقرة ظل أبرز من التطلع العربي إلى تحسين العلاقات العربية التركية؛ ففي حين ظل الموقف العربي يأبى أن يراوح مقاعد التردد والمشاهدة ليتخذ موقف المبادر والمتطلع باستثناء مبادرة سوريا وبعض الدول العربية لتهنئة المسئولين الأتراك بالوصول إلى السلطة؛ فإن الموقف الإسرائيلي كان الأكثر إيجابية في تعاطيه مع نتائج الانتخابات التركية حين بعث رئيس الوزراء الإسرائيلي برسالة لعبد الله جول مهنئًا ومقدمًا دعوته لرئيس الوزراء التركي لزيارة إسرائيل، ولم يمضِ سوى شهر فقط عن إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة في تركيا حتى أعلن عن زيارتين متزامنتين لمسؤولين إسرائيليين: إحداهما كانت لموشيه يعلون رئيس الأركان الإسرائيلي الذي تباحث مع نظيره التركي حلمي أوزكوك حول العلاقات العسكرية المشتركة، ومسألة الحملة الأمريكية المزمعة ضد العراق.

والأخرى قام بها وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلية بواف بيران الذي تناول مع نظيره التركي أوتمور زيال مسألة بيع المياه لإسرائيل والمبيعات العسكرية الإسرائيلية لأنقرة.

وقد أثمر التحرك الإسرائيلي عن تجديد التعاون العسكري بين أنقرة وتل أبيب، خاصة فيما يتصل بمشروع تحديث الطائرات إف- 4 والدبابات إم- 60 الأمريكية الذي تنفذه شركات إسرائيلية، فضلاً عن تأكيد تحقق المناورات الثلاث البحرية التي أجريت في نهاية ديسمبر الفائت تحت اسم "عذراء البحر" بين تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة.

لذلك بات لزاماً على الدول العربية الأخذ بزمام المبادرة، واستغلال المحاولة التركية الذكية لإحداث توازن في علاقاتها مع الدول العربية وإسرائيل، من خلال قيام عبد الله بزيارة عدد من الدول العربية تشمل سوريا ومصر والأردن والسعودية لتنسيق المواقف، أو بالأحرى لشرح موقف تركيا من مسألة العراق من أجل الانطلاق بهذه العلاقات إلى آفاق أرحب، خاصة في ظل الاحتياجات التركية إلى أسواق الدول العربية؛ حيث إن صادراتها ووارداتها من الدول العربية أضخم ولا تقارن بتعاملاتها التجارية مع إسرائيل.

كما يجب استثمار الموقف الشعبي التركي الرافض لضرب العراق في حث الأتراك على تبني موقف يعبر عن إرادة شعبهم وشعوب المنطقة الإسلامية والعربية، والتأكيد على أن الإمساك بوسط العصا قد لا يفيد؛ فإرسال وفد تجاري عالي المستوى لتدعيم العلاقات التجارية مع بغداد في الوقت الذي تقدم فيه كافة أشكال الدعم للقوات الأمريكية المرابطة على أراضيها، وتمعن في المطالبة بالمقابل والتعويض من واشنطن لتبني موقف يتناسب مع الرغبات الأمريكية، قد يؤثر على المصالح التركية لدى الدول العربية وحجم تبادلها التجاري معها الذي يصل إلى ما يقرب من خُمس تجارتها مع العالم.

اقرأ أيضا:


** باحث في العلوم السياسية- القاهرة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع