 |
|
العدو لن ينسحب إلا بضغط عسكري |
وصف "محمد نزال" عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" وأحد أعضاء الوفد المشارك في مفاوضات القاهرة مَن يطالبون بوقف المقاومة والتحول إلى النضال السلمي بأنهم إما واهمون أو مخادعون، معتبرًا أن المقاومة أضحت خيار الشارع الفلسطيني كله، ردًّا على العدوان الإسرائيلي، وأضاف أن العدو لن يتنازل عن أي جزء من حقوقنا إلا بالضغط عليه وإكراهه على ذلك، موضحًا أن المفاوضات لا تعيد أرضًا.
جاء ذلك في حوار شامل أجرته معه "إسلام أون لاين.نت"، وفيما يلي أبرز ما جاء في هذا الحوار.
المقاومة
خيار الجميع
**
جئتم إلى القاهرة، وهناك تصوّر لدى جميع
المراقبين أنكم أتيتم لمناقشة التوقف
عن العمليات الاستشهادية، وعندما صدر
البيان الختامي للحوار بين فتح وحماس
فوجئ الجميع بالحديث عن المقاومة
واستمرارها.. ماذا حدث بالضبط؟
-
بدايةً، العمليات الاستشهادية لم تكن
موضع مناقشة، لا بيننا وبين فتح، ولا
بيننا وبين المصريين، هذا من ناحية. ومن
ناحية أخرى فإن الإخوة في فتح ليسوا ضد
مبدأ المقاومة؛ بدليل أنهم يمارسونها
عن طريق جناحهم العسكري "كتائب شهداء
الأقصى" التي تشكّل إلى جانب كتائب
"عزّ الدِّين القسَّام" و"سرايا
القدس" ثقلاً كبيرًا في العمليات ضد
الاحتلال؛ ولهذا لم يكن مفاجئًا أن نؤكد
نحن وفتح على مبدأ المقاومة. ولكن ما حدث
من مفاجأة مرجعه ترديد أطراف بعينها في
الساحة الفلسطينية لشائعات تناقلتها
وسائل الإعلام حول أن هذه الحوارات
الهدف منها وقف المقاومة..
المرحلية
**
لا خلاف بين الفصائل الفلسطينية حول
الهدف النهائي من المقاومة، وهو إزالة
الاحتلال، وإقامة الدولة، واستعادة
الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولكن
هناك برامج مرحلية وسياسات تساعد على
الوصول إلى الهدف.. ما هو برنامج حماس
المرحلي؟
-
بدايةً، موضوع المرحلية ليس جديدًا على
الساحة الفلسطينية؛ فالمرحلية طرحت في
عام 1974، وحين ذاك دار جدل كبير في الساحة
الفلسطينية حول هذا المفهوم، واستمرت
هذه التجربة منذ عام 74 وحتى الآن، وكان
الحديث وقتها عن مرحلية التحرير، وبعد
ذلك صار مرحلية دولة فلسطينية مستقلة في
الضفة وقطاع غزة وعاصمتها القدس، وتم
تجاوز وتجاهل الحق الفلسطيني في 80% من
الأرض الفلسطينية، ثم الاعتراف
بإسرائيل –كل هذا في إطار المرحلية- ولم
يتوقف الأمر عند ذلك، وإنما هبط السقف
السياسي للمطلب الفلسطيني من الدولة
المستقلة إلى الحديث عن انسحاب إسرائيل
إلى ما قبل 28 سبتمبر 2000.
إن
الذين يطالبون حماس بأن يكون لها برنامج
مرحلي يجب أن يعودوا إلى تجربة منظمة
التحرير الفلسطينية. إن إشكالية
المرحلية لا تتعلق بك، ولكن تتعلق
بالطرف الآخر (المحتل) بالأساس، هذا
الطرف غير مستعد للرحيل عن أرضك. منظمة
التحرير الفلسطينية قدمت أكبر قدر ممكن
من التنازلات -وما زالت- والنتيجة لا شيء.
والآن يطالبون حماس ببرنامج مرحلي!! هل
سيكون برنامجنا أفضل من برنامج منظمة
التحرير بالنسبة لإسرائيل؟!
**
ولكن تجارب الشعوب تقول بأنه لا يوجد
اتفاق مقدس، وأن أي اتفاق لم يوقف حركة
تحرير من مواصلة نضالها حتى الوصول إلى
هدفها النهائي.
-
هذه إشكالية أخرى؛ فهناك من يردد ذلك
الكلام، ومعظمهم من الذين يتحدثون عن
الشرعية الدولية وضرورة احترامها؛ فهل
ستسمح لنا الشرعية الدولية بعد أن
نتنازل عن باقي حقوقنا أن نأتي لنشكّل
انقلابًا عليها وعلى ما تم من اتفاقات؛
بدعوى تغيير موازين القوى لصالحنا؟
استهداف
المدنيين الإسرائيليين
**
ألا ترى أن العمليات في أراضي 48 ضد
المدنيين الإسرائيليين تضر بالقضية
الفلسطينية، وتضعف من الموقف الفلسطيني
دوليًّا حينما تفقده تعاطف المجتمع
الدولي؟
-
بدايةً، هناك إشكالية كبرى في تحديد
مفهوم المدني، وبالتالي لا بد من تحديد
هذا المفهوم أولاً.
وثانيًا:
أمريكا تعارض من حيث المبدأ أي أسلوب
لمقاومة الشعب الفلسطيني، سواء تم داخل
أراضي 48، أو تم داخل أراضي 67، ضد مدنيين
أو ضد عسكريين ومستوطنين، ونحن نحدد
المدنيين بالأطفال والشيوخ "الأشخاص
غير المميزين وغير القادرين على حمل
السلاح"، وهؤلاء نتجنبهم، أو بالأحرى
نتجنب قتلهم قصدا. ولكن كل شخص يتراوح
عمره بين الثامنة عشرة والأربعين هو في
مفهومنا عسكري.
**
هذا هو مفهومكم للمدنيين؛ فكيف يمكنكم
تطبيقه وأنتم تفجرون الأسواق والحافلات
والمطاعم؟
-
هناك مسألة هامة يجب الإشارة إليها، وهي
أن حماس ليست حركة نظامية، وبالتالي لا
يوجد جيشان متقابلان يتقاتلان، نستطيع
في هذه الحالة توجيه جيشنا بما يخدم
رؤيتنا بنسبة 100%، نحن في نهاية الأمر
ليس لدينا ترف اختيار الأهداف، لكننا
نحاول عند الاختيار –وليس عند التنفيذ-
أن يكون الاختيار مؤكدًا على مفهومنا
للمدنيين.
سأعطي
لك مثالاً يوضح وجهة نظرنا؛ فلم يحدث
على طول المواجهة مع العدو الصهيوني أن
قامت حماس باستهداف مستشفى أو مدرسة أو
روضة أطفال، على الرغم من سهولة هذه
الأهداف؛ لأننا –ونحن نخطط لأهدافنا-
نعتبر تلك الأهداف أهدافًا مدنية لا
ينبغي التعرض لها، في الوقت الذي نقوم
فيه بتفجير ملهى ليلي يضم شبابًا بين
الثامنة عشر والأربعين.
وهنا
أود أن أشير إلى نقطة مهمة: لماذا يُطلب
منا وحدنا ألا نضرب أهدافًا مدنية،
بينما هم يهاجمون المدنيين الفلسطينيين
ليل نهار؟!
**
هم وحوش ولا يجب أن تصبحوا مثلهم –هنا
تفقدون أي تعاطف مع قضيتكم- هم لهم
أساليبهم كصهيونيين وعنصريين، أما أنتم
فيجب أن تكون لديكم أساليبكم المختلفة،
خاصة وأنتم تنطلقون من مرجعية إسلامية.
-
أنا أتحدث هنا عن موقف المجتمع الدولي،
فهم يكيلون بمكيالين: يريدوننا نحن أن
نكف عن ضرب المدنيين بينما يصمتون تجاه
ما تفعله إسرائيل.
الحل
السياسي
**
دعنا نتحدث عن تجارب حركات التحرير: في
كل هذه التجارب المقاومة كان لها سقف،
ودائمًا ما كان يصحبها عمل سياسي، وهناك
آراء كثيرة تتحدث عن أن "شارون" نجح
في استدراجكم لملعبه المفضل "العسكرة"،
وتضيف هذه الأصوات أنكم باستخدامكم
لهذا النوع من العمليات، حصرتم نضال
الشعب الفلسطيني في عمل عسكري يقوم به
نفر متخصص ينتمي للجناح المسلح لبعض
الفصائل، وبالتالي تم عزل الشعب عن
قضيته، وتم حرمانه من المساهمة في
المعركة؛ الأمر الذي سهّل على شارون
مهمة المواجهة.
-
بداية في تاريخ كل الشعوب التي قاومت
الاحتلال والمستعمر العمل العسكري
دائمًا ما كان عملاً انتقائيًّا
نخبويًّا، وليس عملاً شعبيًّا.. هناك
فعاليات شعبية: مظاهرات، ومسيرات، ورمي
حجارة، هذه تشارك فيها كل فئات الشعب.
**
لكن هذه الفعاليات اختفت تمامًا من
الساحة الفلسطينية!
-
أوافقك.. ولكن دعني أتحدث عن العمل
العسكري لتوضيح ماهيته.. الذين يقولون
بأن المقاومة ليست شعبية، وإنما هي
مقاومة نخبة وفصائل، أقول لهم: هذا كلام
صحيح.. لماذا؟ حتى الدول، الجيوش فيها لا
تمثل كل الشعب، نفس الشيء ينطبق على
المقاومة. العمل العسكري يا أخي عمل
تخصصي وفني. حتى من يريد من المواطنين
القيام بعملية يجب أن يتصل بمنظمة لديها
جناح يرتب هذه العمليات.
أما
ما تقوله حول أن شارون استدرج المقاومة
لملعبه فأعتقد أنه غير صحيح.. لماذا؟ لأن
شارون له برنامجه الذي يسعى لتحقيقه،
سواء قاومناه أم لم نقاومه. والذين
يطالبوننا بعدم الاستدراج يريدوننا أن
نرفع راية الاستسلام ونقول لشارون: تفضل
نفِّذ برنامجك ونحن لن نتصدى لك. لا يمكن
يا أخي لشعب عنده كرامة أن يتعامل بهذا
الشكل!.
العمليات
نشأت للرد على الإجرام
**
هل تريد أن تقنعني أنه لو لم تكن هناك
عمليات لقام شارون بعملية الجدار
الواقي، واجتاح جنين ونابلس، وحاصر أبو
عمار، وقتل وجرح أكثر من ألفي فلسطيني،
واعتقل أكثر من خمسة آلاف، وأعاد احتلال
كافة أراضي السلطة في الضفة؟
-
دعني أنا أسألك سؤالاً: لماذا اندلعت
انتفاضة الأقصى؟ هل كانت هناك عمليات
عسكرية وقتها؟ على العكس، كان الوضع شبه
هادئ تمامًا؛ فما الذين دفع "شارون"
في هذا التوقيت بالذات إلى زيارة المسجد
الأقصى، واستفزاز ملايين المسلمين في
فلسطين؟ هذا رقم واحد.
ثانيًا:
الحقيقة أن شارون لا يحتاج لذريعة لكي
ينفذ مخططاته.
ثالثًا:
هذا صراع بيننا وبينهم؛ بمعنى أنه قد لا
ينفذ شارون عملية بحجم الجدار الواقي،
ولكنه في النهاية هو يخطط للبقاء محتلاً
لأرضك. هو لن يتركها هكذا دون ضغوط
وخسائر ومقاومة وصراع وكلفة يومية.
الإشكالية
أن بعض الناس يتعاملون أحيانًا وكأن
هناك دولتين، وهناك دولة تعطي للأخرى
ذريعة لتهاجمها، وينسون أن هناك دولة
وأرضًا محتلة، بالتالي فالمحتل لا
يحتاج لذريعة. هو ينفذ سياساته
الاستيطانية كمستعمر عنصري، نفرض أنني
ما قمت بعملية عسكرية.. فهل سينسحب
شارون؟ هذا ليس صحيحًا. على العكس هو
سيعتبر أن هذا الشعب شعب مستكين، وسيقوم
باستعجال تنفيذ كامل برنامجه بأسرع
وقت؛ لهذا فنحن في تقديرنا أن هذا
العدوان الإسرائيلي لا يمثل رد فعل على
العمليات، وإنما هناك خطة وبرنامج،
والمطلوب من شعبنا الفلسطيني ما دام
يملك الإرادة لمواجهة هذه الخطة فعليه
مواجهتها.
هذا
الخيار –خيار المواجهة- الذي تبناه
الشعب الفلسطيني منذ انطلاقة 28 سبتمبر
حتى هذه اللحظة ونحن ندخل عامنا الثالث
كان تعبيرًا في فقدان شعبنا الفلسطيني
الثقة في عملية التسوية التي أعطاها
الفرصة كاملة أكثر من 7 سنوات.
ثم
من الذي دفعنا إلى العمل العسكري؟
الانتفاضة الأولى لم يكن بها عمليات
عسكرية. والآن الانتفاضة تشهد مئات
العمليات. إن تعامل الجيش الإسرائيلي
أثناء الانتفاضة الأولى مع الفلسطينيين
لم يتسم بهذه الوحشية وهذا الإجرام، من
يدعون شعبنا لممارسة الانتفاضة السلمية
هم يدفعون دفعًا إلى المذبحة مذبحة بلا
ثمن وبلا كلفة للعدو الإسرائيلي، الذي
يجب أن يألم كما نألم نحن. الذين يطالبون
بانتفاضة سلمية يجب أن يعلنوا عن
دوافعهم، هل هي التقليل من حجم إجرام
العدو الإسرائيلي؟ نقول لهم: إن
العمليات نشأت للرد على هذا الإجرام
أصلاً ولم تقم بصنعه.
ثم
لا أدري لماذا يطالب الشعب الفلسطيني
وحده بالانتفاضة السلمية دون باقي شعوب
الأرض؟ لماذا لم يطالبوا الشعب
الأفغاني بالانتفاضة سلميًّا في مواجهة
الروس؟ لماذا لم يطالبوا الشعب
الجزائري من قبل، أو الفيتنامي؟ لماذا
يصدرون لنا وحدنا تجربة المهاتما غاندي
في الهند مع أنه قياس مختلف، فلم يكن
الاستعمار البريطاني في الهند
استعمارًا استيطانيًّا كما هو الحال مع
الاستعمار الصهيوني.
خطورة
**
ألا ترى معي أن هناك خطورة من تصعيد
عمليات المقاومة على المقاومة نفسها؟
بمعنى أن تقوم إسرائيل في المقابل
مستغلة ظرفًا دوليًّا مواتيًا بكسر ظهر
المقاومة وتعجيزها بحيث تعطلها فترة
طويلة من الزمن أو يقوم شارون مستغلا
التصعيد من جانبكم بعملية "ترانسفير"
واسعة نحو الأردن؟
-
هنا يُثار تساؤل: ما الذي يمكن أن يفعله
شارون ولم يقدم عليه؟ لقد استنفد شارون
كل ما لديه من وسائل إجرامية، ومن هنا
فلا خوف على المقاومة من عملية تطيح بها
وتعجزها لفترة طويلة.
أما
ما يختص بموضوع "الترانسفير" فهو
في اعتقادي "فزاعة" تقوم
باستخدامها السلطة الفلسطينية وبعض
الدول العربية في وجهنا كفلسطينيين لكي
نرضخ لعمليات التسوية ونوقف المقاومة.
والغريب أنهم دائمًا ما يتحدثون عن
الظروف الدولية والإقليمية والشرعية
الدولية والمجتمع الغربي، وعند الحديث
عن "الترانسفير" وتهجير ملايين
الفلسطينيين من الضفة والقطاع دفعة
واحدة إلى الأردن يتجاهلون كل ما قالوه
من قبل عن مراعاة هذه الظروف وتلك
المناخات.
ثم
دعني أسلم بما يقولون، وأقل: إن الشعب
الفلسطيني استفاد من تجربتَيْ 48، 67، ولن
يترك أرضه تحت أي اعتبار. وحتى إذا اضطر
إلى ذلك قسرًا فسوف يقاوم خارج الأرض؛
ولهذا أعتقد أنه لا ينبغي أن نرفع هذه
الفزاعة دائمًا في وجه الفلسطينيين.
استراحة
المحارب
**
المقاومة كما حققت انتصارات، ومنيت
بهزائم وانكسارات عديدة؛ فلماذا لا
تلجأ إلى هدنة يتيحها لها حل سياسي أو
مفاوضات في محاولة لالتقاط الأنفاس
وإعادة بناء القوة.. أم أنها تفضل أن
تقاتل حتى آخر رجل على الرغم من ضرر هذه
السياسة على القضية الفلسطينية؟
-
المقاومة وسيلة وليست غاية. وعندما تشعر
المقاومة بأنها وصلت إلى نقطة تحتاج
فيها إلى استراحة المحارب ستستريح
وتتوقف لتلتقط أنفاسها. ولكن حتى هذه
اللحظة فإن المقاومة لا تشعر بأنها في
مرحلة "استراحة المحارب"، هي ترى
أنها تستطيع أن تواصل، ولعلّ العمليات
التي تجري والاختراقات التي تحدث في
جدار الأمن الإسرائيلي دليل على ذلك.
وأنا
هنا لا أتحدث عن وضع حماس، ولكن عن مختلف
الفصائل المقاومة؛ فعندما تكون حماس في
وضع صعب تكون هناك دائمًا إمكانية لفتح
أو الجهاد لأن تقوم بعمليات، وعندما
تكون الفصائل الأخرى في وضع معين تكون
حماس لديها القدرة، وهكذا. نحن لسنا
جيشًا نظاميًّا، وإنما تنظيمات عسكرية
شعبية، الكل يساعد الآخر.
اقرأ
أيضًا:
*
صحفي
مصري
|