|

|
|
أقل من 50% من الصرب اتجهوا إلى صناديق الاقتراع
|
ما
الذي حدث في صربيا؟ صربيا التي خرجت عن
بكرة أبيها لتخرج الطاغية ميلوسوفيتش
في مظاهرة مليونية مشهود لها.. ما لها
اليوم أصابها الانكماش والكمون، وتقوقع
شعبها رافضًا أن يخرج إلى صناديق
الانتخابات، رغم نداءات القساوسة
ومنشورات الأبرشيات ومواعظ الواعظين
بضرورة الخروج والإدلاء بالأصوات حتى
يحدث التغيير؟
رغم
دعوات السفارات الغربية ومنظمة الأمن
والتعاون الأوربي.. رغم الإغراءات
والوعود، فإن الناخبون الصرب رفضوا
الخروج، ليتركوا الساسة وحدهم يواجهون
مأزقا سياسيا قلما يحدث في بلد من بلدان
العالم!!
هذه
إطلالة على الواقع السياسي لصربيا في
انتخابات الرئاسة الصربية التي جرت على
حلقات: يبدو أن الحلقة الأخيرة لم يتم
نسج خيوطها بعد.
في
البدء كانت الثورة
استطاع
الإعلام الغربي تحريك الرأي العام
الصربي ضد ميلوسوفيتش، ونجح الصرب في
إزاحته عن السلطة، وجاء كيان هلامي تم
صناعته على عجل ليخلف ميلوسوفيتش.
واقتضت ضرورة الإخراج المسرحي السياسي
أن تضم التشكيلة رمزًا سياسيا شريفًا لم
تلوثه السياسة، ولم يعرف عنه تعاطفه مع
الغرب ضد بلده، ليكون هذا السياسي
النظيف جنبًا إلى جنب إلى جوار رجل تعلم
وتدرب وتأهل على يد الغرب، ويجيد فنون
التعامل الميكافيللي -كما يصفه
المحللون- وهو زوران دينديتش ضمن تشكيلة
ضمت 13 حزبا.
جاء
فيوسلاف كوستنيتشا رئيسا للاتحاد
اليوجوسلافي؛ وبقي -صديق ميلوسوفيتش-
ميلان ميلوتينوفيتش رئيسا لصربيا لحين
انتهاء فترة رئاسته لها في يناير 2003،
وترأس زوران دينديتش الوزارة، وتعرف
على مفاتيح السياسة والقرار ومن تبقى من
عهد ميلوسوفيتش؛ وبدأ خطته في الاحتواء
من أجل تقليص دور كوستنيتشا.
زوران
المفضل لدى الغرب
كان
أول تحرك لافت للنظر لزوران دينديتش هو
تسليمه للرئيس اليوغسلافي السابق
ميلوسوفيتش ليمثل أمام محكمة جرائم
الحرب في لاهاي، على الرغم من أن قرار
المحكمة الدستورية ينص على عدم جواز
ذلك؛ وعلى الرغم من أنه لم ينسق في هذا
الشأن مع رئيس يوجوسلافيا الذي وعد بأنه
لن يسلم صربيًّا، ناهيك عن رئيس
جمهورية، ليمثل أمام المحكمة. ثم قام
زوران بالتقرب إلى قائد القوات المسلحة
–وهو متهم بعلاقته بميلوسوفيتش– كما
أن حلف الناتو طالب بإقصائه عن منصبه؛
لكن زوران أبقى عليه ضمن صفقة لضمان
تأييد أنصاره.
ثم
اتجه إلى ميلان ميلوتينوفيتش رئيس
صربيا (المطلوب ترحيله ليلحق بصديقه
أمام محكمة جرائم الحرب في لاهاي)؛ وعقد
صفقة لتأجيل تسليمه، مقابل الحصول على
دعم الشيوعيين والاشتراكيين له في
مواجهة التصادم المقبل مع كوستنيتشا. ثم
كانت الخطوة الثالثة وهي دعمه لأحد
الإصلاحيين القادمين من جماعات أهلية
لا علاقة لها بالسياسة ولا ألاعيبها،
ليكون مرشحه المفضل في انتخابات
الرئاسة أمام الحليف السابق -كوستنيتشا-
الذي يبدو أن الغرب لم يكن راضيا عن
أدائه بسبب بعض التصريحات حول صرب
البوسنة أو الناتو.
ومن
عباءة مجموعة أطلق عليها اسم G17 PLUS -وهي
جمعية نفع عام شاركت في التحالف ضد
ميلوسوفيتش وفي التكتل السياسي الحاكم
حاليا- خرج ميرليوب لابوس نائب رئيس
الوزراء، ليكون وجها اقتصاديا إصلاحيا
يحظى بدعم من رئيس الوزراء وتزكية
الدوائر الغربية في مواجهة كل من
كوستنيتشا والفاشي المتطرف فيوسلاف
سيسلي. بدت كل الخيوط الداخلية في يد
زوران دينديتش.. وبدت ملامح الخطا ضد
كوستنيتشا.. وبدأ التحرك الغربي والمحلي
لإقصائه.
الخطوة
الثانية.. كش مات يوجوسلافيا
وهي
خطوة أصر الغرب عليها كثيراً؛ ومنذ مارس
الماضي جرت مفاوضات عسيرة –أشبه بكسر
العظام- بين صربيا والجبل الأسود وأوربا
من خلال خافيير سولانا. والهدف: إنهاء ما
يعرف بالاتحاد اليوجوسلافي، وإقامة
وحدة بين صربيا والجبل الأسود يكونان
فيها شريكين في كل شيء، وخصوصا المجلس
النيابي الفيدرالي، على الرغم من
الفوارق الكبيرة بينهما في كل شيء.
وانتهى
الأمر بصربيا والجبل الأسود إلى
التوقيع على اتفاقية الوحدة بين
الجمهوريتين لينهيا بذلك ما يعرف باسم
يوجوسلافيا، ولتبدأ مرحلة جديدة تستمر
لثلاث سنوات يقرر بعدها الطرفان مستقبل
هذه الوحدة، على أن يكون للبلدين في
فترة الانتقال سياسة خارجية وسياسة
دفاعية واحدة.
تم
التوقيع على الاتفاقية الجديدة؛ والتي
تنهي فعليا آمال كوستنيتشا الرئيس
الحالي والأخير ليوجوسلافيا؛ ولم يتبق
أمامه سوى الترشيح لرئاسة صربيا وسط
المعطيات (والفخاخ) السياسية التي نصبها
له شريكه وبعض دوائر الغرب للتخلص منه.
الخطوة
القاتلة
قبل
أن يترك ميلوسوفيتش السلطة، ترك فخا
سياسيًا، أبقى عليه النواب بتكتيك ودعم
من زوران ورجاله. هذا الفخ تمثل في شرط
مشاركة 50% من الناخبين في الانتخابات
لضمان اعتمادها. حاول كوستنيتشا
إلغاءه، وضغطت أوربا عبر منظمة الأمن
والتعاون الأوربي.. ولكن بقي الشرط،
وجاءت انتخابات الرئاسة في نهاية
سبتمبر الماضي ليحصل كوستنيتشا على
أكثر من ثلثي الأصوات؛ ولكن نسبة الحضور
لم ترق إلى الخمسين في المائة المطلوبة.
وأعيدت الانتخابات في منتصف أكتوبر ولم
يجد جديد، نفس الشيء السابق، النصاب لم
يكتمل!!
عاد
الجميع إلى البرلمان؛ ولكنه لم ينصف
كوستنيتشا. وبدلا من إلغاء الشرط
نهائيا، تم إلغاؤه فقط في الجولة
الثانية. توجه كوستنيتشا إلى المحكمة
التي رفضت دعواه مدعية بأنه رفع دعواه
على عدم قانونية الشرط (50%) بعد أن شارك
في الانتخابات؛ وكان يتعين عليه رفع
القضية قبل المشاركة.
ومرة
ثالثة.. عاد الجميع إلى الانتخابات، هذه
المرة عاد المرشحون جميعا (كوستنيتشا -لابوس
- سيسلي) ونفس السيناريو تم تكراره. هنا
صرح كوستنيتشا قائلا: "هذه جريمة.. هذه
جريمة".
الفخ
الأخير
أدرك
كوستنيتشا أن المسألة لا يمكن أن تكون
مجرد مقاطعة شعبية للانتخابات، بل إن
هناك "ملعوب انتخابي"؛ واكتشف أن
هذا الملعوب هو أن دينديتش ورجاله قد
أضافوا 600 ألف صوت، هي في الحقيقة أصوات
الموتى وأسماء مكررة، وهو ما يستحيل معه
الوصول إلى الحد المطلوب. لكن دينديتش
يرى أن الخطأ ليس خطأ الناخبين، بل خطأ
المرشح (كوستنيتشا) الذي لم يقم بحملة
انتخابية بالمستوى المطلوب لتحريك
الرأي العام.
الشارع
يعطي ظهره للساسة
كما
ذكرت في المقدمة: لم يعد الشارع الصربي
يبالي بالساسة. فقد كان حجم توقعاته من
كوستنيتشا (القومي) عاليا. فالصرب
يبحثون عن زعيم يثأر لكرامتهم التي
امتهنت في كوسوفا التي أخرجوا منها بفعل
القصف المتواصل لشهرين ونصف تقريبا.
وساد اعتقاد أن إبعاد ميلوسوفيتش يعني
بالنسبة لهم راحة البال والضمير، وفتح
أبواب الجنان لشعب تحرك ضد طاغية مجرم.
واعتقد الصرب أن دينديتش المنفتح على
الغرب يمكنه أن يجذب الاستثمارات،
ويفتح أبواب العلاقات، ويجلب الوظائف،
ويرفع مستوى الدخل.. وربما الناتج
القومي.
ولكن
الشعب الصربي اكتشف بعد فترة قليلة أن
الغرب يريد رأس ميلوسوفيتش.. وقد فعل؛
وأن الغرب لا يريد كوستنيتشا أن يتحدث
عن السيادة والقومية، ويريد من الشعب
الصربي أن ينسى كلمة (يوجوسلافيا)،
والمقابل: وعود سياسية وكلمات براقة
أدرك معها الشعب أنه قد خدع في الجميع.
فلا كوستنيتشا قوميا يمكنه الثأر
لكرامتهم، ولا دينديتش معه كلمة سر
السعادة والرخاء، فلماذا يذهبون إلى
صناديق الانتخابات في شتاء وجليد
ديسمبر؟
وكان
القرار: (اللامبالاة)؛ وقرر الشعب
الانتقام من الساسة، فتركهم في موقف لا
يحسدون عليه. فبعد أيام.. سيترك رئيس
صربيا الحالي موقعه وربما يواجه
الترحيل إلى لاهاي، ويوجوسلافيا انتهت
كدولة، فأين يذهب كوستنيتشا أو دينديتش
أو لابوس؟ هنا يبدو المأزق.. فرئاسة
الجمهورية الصربية ستذهب مؤقتا إلى
رئيسة البرلمان نتاشا ميسيتش.
ليس
بالضرورة أن تقول الشعوب كلمتها
بالحروف والكلمات، فأحيانا يكون الصمت
من ذهب أو ماس.
اقرأ
أيضًا:
|