بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


"ماشاكوس 3".. حوارات مع ثلاثة مسؤولين:

الحكومة: الحركة الشعبية لا تسعى للانفصال !؟

14/12/2002

القاهرة- عبد الرحيم علي

السفير السوداني أحمد عبد الحليم

لأكثر من ثلاث ساعات استمر الحوار مع الدكتور أحمد عبد الحليم سفير السودان في القاهرة، فتح الرجل لنا فيها قلبه وعقله وخزائن أسراره ومعلوماته، وأجاب بوضوح وصراحة على كافة الأسئلة المتعلقة بقضايا وإشكاليات الحدود واقتسام السلطة وتوزيع الثروة ومطالب الحركة في الجنوب الخاصة بإقرار التعددية والتنوع، ورؤية الحكومة لكافة هذه القضايا.

شرح السفير عبد الحليم حقيقة الدور الأمريكي وأسرار ابتعاد مصر عن المفاوضات والمذكرة التي قدمتها للإيجاد، وشدد على أن الجنوب حركة مطلبية لا انفصالية، وأنه عندما تتحقق مطالبهم في سودان عادل يحترم التنوع فسوف يصوتون للوحدة، وفيما يلي تفاصيل الحوار:

* هناك قضايا شائكة تعترض مفاوضات ماشاكوس، أهمها ما تطرحه الحركة حول مفهوم "الجنوب المحارب" كمفهوم جديد للحدود، والذي يضم بالإضافة إلى حدود الجنوب المتعارف عليها: مناطق "أبيجا – جنوب النيل الأزرق – جبال النوبا". فكيف ستتعامل الحكومة مع هذه القضية؟

** يبدو أن هناك شغبا فكريا عظيما في طرح هذه القضية وقضايا أخرى كثيرة تقوم الحركة بطرحها بشكل يتسم بالمغالاة الشديدة، ظنًا من الحركة أن عرض المواقف التفاوضية يتيح للإنسان أن يعرض ما يشاء في محاولة بالطبع للحصول على تنازلات، ولكن في النهاية هذا الطرح غير العقلاني لا يمكن أن يصمد أمام الطرح الموضوعي. والقضية هنا فيما يخص الحدود ليست ما تطرحه الحركة أو ما تطرحه الحكومة. ولكن هذه القضية لها تاريخ. فجنوب السودان محدد بمديرياته الثلاث منذ زمن رحيل الاستعمار عام 1956 وحتى مفاوضات ماشاكوس لم تتغير هذه الحدود حتى الآن، وعندما وقع قادة الحركة على اتفاق ماشاكوس الأولي وقعوا على أن الجنوب هو الجنوب المتعارف عليه، غير أن الحركة ربما لعدم رغبة كاملة منها في السلام تعود لطرح بعض القضايا التي تم حسمها في إطار من اللامعقول، ولكن هذا الطرح لن تقبله الحكومة بالتأكيد؛ لأنه يعارض حقيقة الأوضاع على الأرض، وأعتقد أن القوى الراعية للاتفاق لن تقبله أيضًا.

* ولكنهم يقولون: إن هذه المناطق تعاني من التهميش والظلم مثلها مثل الجنوب، وإن عددا من قادة الحركة ينتمون إليها، بالإضافة إلى أنها فوضت الحركة وقائدها "جون جارانج" للتحدث باسمها أخيرًا؟

**  الحركة دائمًا ما تتاجر بقضية الوحدة تلك في خطابها النظري، ولكن عند السلوك العملي، ولكي نكون عادلين قد تسمح بعض تصرفاتها بمن يريد أن يقرر أن الحركة تتحدث عن الوحدة وتمارس الانفصال، ثم إن قضية التهميش هذه وضعف أو انعدام التنمية لا تخص هذه المناطق فقط، ولكن السودان كله يصنف على أنه من أقل البلدان نموًا، ولو أن كل منطقة في السودان تحدثت عن الظلم فمن الظالم إذن، الحكومة أخذت بمبدأ التنمية العادلة والمتوازنة. وقلنا في المفاوضات بأننا مستعدون أن نناقش مشاكل أي منطقة بما فيها تلك التي يتحدثون عنها والتي لا يتحدثون عنها، ولكن هذا لا يصيرها جزءاً من الجنوب ولا يجعل قضاياها تدخل في إطار مبادرة الإيجاد؛ لأن المبادرة تختص بأمر الجنوب وإيقاف الحرب فقط، وطرفاها: "الحكومة والحركة".

تجدد الحرب مستحيل

* ولكن هناك من يؤكد أنه إذا أغفلت الحكومة مشكلة هذه المناطق فسوف تستعر الحرب من جديد، وهذه المرة ستكون بين ممثلين عن هذه المناطق، وبين الحكومة، وسندخل في دائرة أخرى من الحرب وسفك الدماء، كما أن بعض هذه المناطق (جبال النوبا) قدمت مذكرة للمبعوث الأمريكي وممثلي الإيجاد منذ شهرين طالبوا فيها بإقرار حق تقرير المصير لهم أسوة بالجنوب، فكيف يتم التعامل مع هذه الأمور ذات الحساسية الفائقة؟

** الإيجاد أو المبعوث الأمريكي ليس بديلاً عن السودان وحكومته، فنحن لن نتنازل عن سيادتنا للإيجاد، ثم إن مشكلة جبال النوبا تحديدًا تم حلها باتفاقية مسبقة قبل الجولة الأولى لمحادثات ماشاكوس، وقد تحدث كثير من المراقبين حول أن اتفاقية "جبال النوبا" تصلح نموذجًا يطبق حتى على الجنوب ذاته.

* إذن ما السبب وراء تقديم مثل هذه المذكرة والتفويض الأخير لجارانج والذي تم منذ أيام قليلة؟!

** طبعًا المجموعات المنفلتة والمتسمة بالمغالاة موجودة في كل مجتمع ولكن هذه الأصوات القليلة لا تقرر مصائر الشعوب، والدليل على ذلك أنه بعد تقديم هذه المذكرة توافدت وفود عديدة تفوقهم عددًا وارتباطًا بشعب "جبال النوبا" لتعلن أن هؤلاء الناس لا يمثلونهم، ونفس الأمر بالنسبة لتفويض السيد جارانج.

أما بخصوص قضية الحرب وإمكانية لجوء بعض ممثلي هذه المناطق لخيار الحرب: فأنا أقول لك بأن هذا مستحيل. لماذا؟ لأن الشعب السوداني أصبح مُصرًا الآن على قضيتين لا ثالث لهما: تحقيق السلام والوفاق الوطني. الأمر الثاني أنه من الناحية المنطقية فقد فقدت الحرب في الجنوب وفي أي مكان آخر في السودان مبرراتها لأن الذين يلجئون للحرب عادة يلجئون إليها عندما يكون الطرف المقابل غير راغب في التفاوض أو في السلام أو في تحقيق العدالة ورفع الظلم.. والأمر في السودان عكس ذلك؛ فالحكومة هي التي تطالب بإيقاف إطلاق النار وإيقاف الحرب وإقرار السلام عبر مبدأ التفاوض، فقضية السلام أصبحت لحسن الحظ رغبة شعبية جامحة بعدما عاناه السودان من ويلات الحرب.

* هل تعتقد بأن الحركة ترفع من سقف مطالبها في قضية الحدود حتى تحصل على تنازلات في قضايا أخرى؟

** ربما يكون هذا هو أحد تكتيكاتها في التفاوض، ولكن هذا لن ينطلي على عقولنا.

نائب رئيس

* سيادة السفير: ماذا عن مطلب الحركة حول تقاسم السلطة؟ كيف ترونه وإلى أي حد يمكنكم تقديم تنازلات لإنجاح المفاوضات والوصول إلى اتفاق سلام؟

** أي اتفاق يقوم على مطالب متعسفة وغير منطقية لن نقبله بالتأكيد، وإلا فإن أي جهة تقوم بالضغط علينا نقوم بقبول شروطها تحت دعوى الرغبة في الوصول لاتفاق.. وهذا غير منطقي. مثل هذا الأمر ينطبق على مطلب الحركة في قضية تقاسم السلطة، فهم يريدون نائب رئيس وحيدا.. كيف يمكن هذا في نظام رئاسي: في حالة غياب الرئيس تؤول السلطة مباشرة لنائبه؟ لقد طرحنا أن يكون هناك رئيس ونواب أربعة يمثلون الشرق والغرب والجنوب والشمال. نحن لا نتحدث عن مناطق عادية، نحن نتحدث عن مناطق مساحتها تساوي مساحة دول في أوروبا، فجبال النوبا على سبيل المثال تساوي مساحة فرنسا كلها.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الحركة تصر على اقتسام السلطة مع الحكومة متجاهلة القوى السياسية الأخرى في السودان والمناطق الجغرافية، فهل هذا يعقل؟ هذا إلى جانب أن الحركة لا تمثل الجنوب بأكمله، فهناك قادة من الجنوب يحاربون في صفوف القوات الحكومة، حتى هم عندما يتحدثون يقولون بنصيب الحركة وليس نصيب الجنوب. الحكومة ترى أن اتفاق سلام حقيقيا لا يمكن أن يكون بين الحركة والحكومة فقط، ولكنه ذلك الذي يشارك فيه كل القوى السياسية: الجنوبية والشمالية.. الوطنية بشكل عام.

وأخيرًا طرحت الحكومة إمكانية وجود نائبين متساويين في الحقوق والمهام، أحدهما يشرف على مجلس الوزراء والآخر يشرف على الجنوب، وفي هذه الحالة يكون السيد جارانج ممثل الحركة.

* وماذا عن الحكومة؟ فالحركة تزعم أنكم ترفضون أن يتولى أي جنوبي منصب وزير الدفاع أو الخارجية أو الداخلية، وهذا من وجهة نظرهم انتقاص من قدر المواطن الجنوبي؟

** هذا ليس حقيقيا، ولم يحدث أن قررنا أو طلبنا ألا يشغل جنوبي منصب وزير سيادي، ولكنهم أحيانًا يسربون بعض الأطروحات التي لم يأت ذكر لها في المفاوضات في محاولة للتحسس وجس النبض، هم يريدون أن يكرسوا مفهوم أن الشمال ظالم، ولهذا فهو يقوم بإقصاء الجنوبيين عن الوزارات السيادية. يعني المسألة "خناقة" سياسية وليس تفاوضا.

ثم كيف نقرر ذلك، وقد كان هناك ثلاثة وزراء جنوبيين عام 1954 بينهم وزير للداخلية؟ ثم كيف يكون هناك حكم عاقل يقوم بعمل اتفاق سلام شامل ويقول لبعض مواطنيه: أنتم مواطنون درجة ثانية وهناك وزارات درجة أولى لا تصلحون لها؟ هذا كلام غير معقول.

التنمية موقوتة والتقسيم دائم

* وماذا عن قضية تقسيم الثروة خاصة أنهم يطالبون بحصة كبيرة وذلك لتعويض الفجوة في مجال التنمية بين الشمال والجنوب؟

** إعادة تعمير وتنمية الجنوب أمر معترف به، حتى في جامعة الدول العربية تم تأسيس صندوق لدعم السودان وتنمية جنوبه، وهم للأسف في خضم حديثهم عن التنمية ومشاكل الجنوب لا يعترفون بأن إصرارهم على الحرب وعلى عدم الاستجابة لمطلب وقف إطلاق النار هو السبب الرئيسي وراء ما وصل إليه الجنوب من حال. وعندما يقال لهم: يجب أن توقفوا إطلاق النار وتجلسوا إلى طاولة المفاوضات يقولون بأن الحرب هي الورقة الوحيدة لدينا في التفاوض.. أنا أقبل أن نساوم بأي شيء في المفاوضات، ولكن أن نساوم بأرواح الناس ومستقبلهم فهذا غير معقول.

ثم إن تنمية الجنوب أمر متفق عليه من الجميع، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وعدد من المنظمات العالمية استعدادهم الكامل في المشاركة في إعادة إعمار الجنوب شرط التوصل إلى اتفاق سلام. هذا معناه أن إعمار الجنوب شيء وتوزيع الثروة شيء آخر، ولكنهم يخلطون الأوراق عمدًا لتمييع القضايا، وهم يعلمون جيدًا أن قضية تنمية الجنوب موقوتة، أما أسس اقتسام الثروة فيه فهي دائمة، ولكنهم يراوغون. وليت الأمر يقف عند هذا الحد ولكنهم طلبوا 85% من عائدات البترول بدعوى أن البترول في الجنوب.. فهل يستطيع أحد أن يقبل بذلك؟!

* وماذا طرحت الحكومة في قضية تقسيم الثورة؟

** نحن طرحنا مبدئيًا ضرورة الاتفاق على أن الأرض شيء وعائد الأرض شيء آخر، والأخير هو الذي سنقوم بتقسيمه، وذلك بمنح الجنوب نسبة 25% من إجمالي عائدات الثروة في السودان؛ لأننا نتحدث عن تنمية متوازنة، وهناك مناطق أخرى تحتاج لتنمية حالتها أصعب من حالة الجنوب ذاته، فكيف نهتم بالجنوب ونترك هذه المناطق؟ أليست مناطق سودانية أيضًا؟

أمريكا والتحول

* كيف يمكنكم تفسير لغز التحول الأمريكي من النظام في السودان من مرحلة محاولات الإقصاء والعزل إلى التعاون الكامل؟

** لقد مرت العلاقة مع أمريكا بمرحلتين: الأولى مرحلة الرئيس كلينتون وهي التي ساد فيها مفهوم الإقصاء ومحاولة العزل. والثانية مرحلة الرئيس بوش التي بدأت من حيث انتهت سياسة الرئيس كلينتون ومن منطلق الاعتراف بفشلها بالأساس في تحقيق أي نتائج إيجابية. فسياسة كلينتون قامت على ثلاث فرضيات خاطئة: الأولى: التركيز على البحث عن نوع جديد من القيادات السياسية في أفريقيا والاعتماد في ذلك على قدامى الماركسيين "جارانج وأفورقي"، وهي عناصر لم تغرس جذورها جيدًا في التربة الأفريقية، قيادات ليس لها قاعدة جماهيرية.

الثانية: الأخذ بسياسة تهييج الأقليات في وجه الأغلبية ومساندة الأولى في مواجهة الثانية (وهو ما حدث عندما تم تأييد التوتسي في وجه الهوتو مع أن نسبة الأولى 15%).

الثالثة: استنتاج خاطئ مفاده أن الفرضيتين الأولى والثانية سيؤديان تلقائيًا إلى حدوث استقرار في المنطقة؛ الأمر الذي حدث عكسه تمامًا.

ثم جاء الرئيس بوش بإدارته الجديدة وكان عليه أن يراجع تلك السياسة، خاصة عندما قام مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية الأمريكي بعمل دراسة توصلت إلى نتيجة مفادها: أن سياسة الرئيس كلينتون في السودان القائمة على المواجهة والاحتواء أثبتت فشلها ولم تحقق أي نتائج تذكر. الأمر الثاني الذي اكتشفته الإدارة الجديدة أن كثيرًا من المبررات التي اتخذت كأساس للنزعة العدائية ضد السودان لم يكن صحيحًا ولم يقم كثير منه على حقائق.

ومن هنا جاءت المراجعة، وإن كان الهدف الأمريكي واحدًا في الحالتين (وهو إعادة ترتب الأوضاع للهيمنة والسيطرة)، لكن بأساليب جديدة بعدما فشِلت الأساليب القديمة. أيضًا أمريكا رأت أنه لا يمكن أن يكون لها موطئ قدم في أفريقيا بدون السودان؛ فالسودان بلد يمتلك إمكانات دول عظمى (215 مليون فدان صالحة للزراعة – 170 مليون رأس ماشية – بحيرة كبيرة من النفط – بالإضافة إلى الذهب والكروم واليورانيوم والنحاس والماء الموجود بكميات هائلة).

* هذا من ناحية أمريكا، فماذا عن تقارب النظام مع أمريكا ومحاولاته إقامة جسور للتعاون معها؟

** هناك حوار مع الولايات المتحدة منذ زمن كلينتون؛ شأننا شأن أي دولة، فالولايات المتحدة قوة لا يمكن تجاهلها، زاد من تفاعل هذا الحوار النتائج الإيجابية لتقرير مركز الدراسات الأمريكي، الذي اعتمده الرئيس بوش، والذي أكد على ضرورة التعامل الإيجابي مع حكومة السودان والكف عن سياسة العزل والحصار التي تمارسها الإدارة الأمريكية ضدها، وهذا ما دعا الإدارة الأمريكية إلى عدم الاعتراض على قرار مجلس الأمن برفع العقوبات عن السودان وكان هذا قبل سبتمبر 2001.

* ألم يكن هذا التقارب بسبب قبول الحكومة في السودان لمبدأ تقرير المصير؟

** "جون دانفورث" المبعوث الأمريكي لشئون السودان فضل الوحدة على الانفصال في تقريره الذي رفعه للرئيس الأمريكي، فأمريكا من وجهة نظري لا تريد انفصال الجنوب ولكنها مع مبدأ: دولة واحدة ونظامان. أي: اتحاد فيدرالي – كما نطبقه الآن - وكما تطبقه أمريكا ونيجيريا وبلدان عديدة في العالم.

أهداف أمريكية

* ولكن هناك من يؤكد أن التقارب الأمريكي أحد أهدافه الأساسية إحداث تغيير جوهري في بنية النظام القائم على شعارات: "المشروع الحضاري الإسلامي"، وبذلك يفقد النظام مبرر وجوده وشرعيته؟

** أمريكا تطالب باحترام التنوع الثقافي وهذا لا خلاف عليه، وهو أمر ليس بجديد، فهو ضمن أدبيات السياسة السودانية بشكل عام، فمنذ إعلان التاسع من يونيه والصادر عام 1969 واتفاقية أديس أبابا عام 1972 وحتى مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام عام 1989: لم تكف عن الحديث عن التنوع واحترام الخصوصيات الثقافية. وقد جاء في مقدمة التقرير الختامي لهذا المؤتمر، وقد كتبتها بيدي: "ينبغي لكل دروب التنوع أن تتمكن من التعبير عن ذاتها إلى أقصى حد ممكن" مع إيراد شرطين:

الأول: ألا يكون في هذا التعبير خروج لدرب من دروب التنوع عن حوزته إلى حوزة درب آخر بقصد تهميشه أو إلغائه.

الثاني: ألا يعمل مجرد الانتماء إلى عقيدة أو ثقافة أو عنصر أو جنس أو جهة كوسيلة للحصول على مزايا سياسية أو اعتقادية، وقد أكد الدستور على هذا المعنى. وهناك قيادات سياسية تقول: "هل ستقبل الحكومة هذا الكلام؟"، نعم سنقبل هذا الكلام ولن نكون قد خرجنا على مرجعيتنا؛ لأن عقيدتنا الإسلامية وسعت كل الناس واستوعبت كافة عاداتهم وتقاليدهم.

أما ما يلصق بالإسلام من تهم باطلة فليس من جوهر الإسلام في شيء، هناك بعض المنبهرين بالحضارة الغربية يقولون: نحن نريد علمانية. وأنا أقول: إن الإسلام هو أكثر الديانات علمانية؛ لأنه ربط الدنيا بالآخرة وجعل الأولى مطية الثانية. هم يريدون وضع العلمانية في مواجهة الدين، حتى في أوروبا موطن العلمانية لم ترفع العلمانية في وجه الدين إنما رفعت في وجه الكهنوت والكنيسة المتحالفة مع الإقطاع، يقولون: دولة ثيوقراطية، ونحن نقول: نحن ضد الدولة الثيوقراطية، فهي تعني سيطرة رجال الدين على الحكم، والإسلام ليس به كهنوت، هم يريدون شن حرب المصطلحات بالجنوح بها عن دلالاتها وسياقها وتلبيسها معاني أخرى بشكل قهري وتعسفي، ونحن مضطرون – للأسف – للرد على هذه المصطلحات القائمة على سوء الفهم والتشويه.

 * ولكن يقال بأن حق تقرير المصير الذي تطالب به الحركة كان بسبب الظلم الذي عانت منه والتميز طوال 13 عامًا من حكم الإنقاذ؟

** من قال لك هذا؟ الحكومة والمعارضة – مع الأسف – وافقوا على حق تقرير المصير، ليس الجنوبيون والمعارضة فقط. المشكلة يا سيدي هي: كيف ندير التنوع وليس في إقرار حق التنوع. وقد بات الجميع مقتنعين بضرورة إدارة حسنة لهذا التنوع الثقافي والعرقي الذي تشهده السودان. وما يحدث الآن من إجراءات: شاهد على ذلك. ولكن أي حكومة ثورية – في سنواتها الأولى – تكون معنية بالأساس بتأمين ثورتها، ثم تنتهي هذه المرحلة، كما حدث الآن في السودان لتبدأ عملية إدارة سياسية لمجمل الأوضاع في البلاد. وهذا حدث في كل الثورات التي حدثت في جميع البلدان. المهم أننا وصلنا إلى مزاج عام وسط كل الأطراف والقوى السياسية بضرورة تحقيق السلام والوفاق الوطني تمهيدًا لإعادة بناء وتعمير السودان وتنمية كافة مناطقه.

ضغوط على الحكومة

* ولكن ما الذي دفع الحكومة إلى القبول بمبدأ حق تقرير المصري رغم أنه يحتمل ضمن ما يحتمل: تقسيم السودان؟

** حق تقرير المصير ورد فيما يعرف بمؤتمر "القضايا المصيرية" الذي أقامته المعارضة ممثلة في التجمع الوطني عام 1995 بأسمرة، ثم جاء بعد ذلك في مبادئ الإيجاد. والحكومة ظلت حتى عام 1997 ترفض القبول بهذا المبدأ، ولكن هناك أسباب عديدة دفعت الحكومة إلى القبول بهذا المبدأ:

أولاً: المعارضة دخلت في مزايدة مع الحكومة وأقرت بهذا الحق لحركة التمرد عام 1995.

ثانيًا: أثناء إدارة الرئيس كلينتون تعرضت السودان لضغوط شديدة من قبل أمريكا وصلت حد التآمر لاقتلاع النظام مع عدد من الدول المجاورة لنا، وكان هناك مخطط جاهز للتنفيذ عام 1997 من قبل ثلاث دول أفريقية تدعمهم أمريكا، وكان يسيطر على غرفة العمليات في "عنتبلي" في الجبهة الأوغندية "جنرال إسرائيلي".

ثالثًا: الدولة الوحيدة التي كان يمكن أن يعول عليها لتحمي ظهر السودان هي مصر وكانت العلاقات معها تمر بأسوأ مرحلة في تاريخها، فكان السودان يواجه معارضة داخلية ومخططات دولية واستعدادات لشن حرب عليه من قبل ثلاث دول مجاورة، كل هذا وهو مكشوف الظهر، ولم تستطع الحكومة أن تتحمل تاريخيًا فكرة تقسيم وتفتيت السودان، فقبلت بمبدأ حق تقرير المصير لكي تكتسب مزيدًا من الوقت لإقناع إخواننا في الجنوب بالجلوس لمائدة التفاوض وترجيح الوحدة على الانفصال.

* ولكن هناك من يردد أن الحكومة قبلت مبدأ تقرير المصير حتى تستطيع استكمال مشروعها وإقامة دولة إسلامية في الشمال؟

** هل توجد حكومة عاقلة في أي مكان في العالم، حتى لو كانت حكومة قردة، توافق على تقسيم الوطن وتعتبره في صالحها؟ نحن قبلنا بمبدأ حق تقرير المصير لكسب الوقت من ناحية ولعقد اتفاق مع الفصائل التي انسلخت عن الحركة وطالبت بالتفاوض على أساس قبول هذا المبدأ أولاً. ثم كيف يكون في صالح الحكومة الانفصال وترسل بزهرة شبابها وأبنائها للقتال من أجل وحدة السودان هل يعقل هذا؟

مصر ومفاوضات ماشاكوس

* لماذا تم استبعاد مصر والجانب العربي من المفاوضات؟

** صحيح أن مصر غير مشاركة في المفاوضات، ولكن هل تعتقد أن مصر بعيدة عنها؟ الإجابة عندي بالنفي. وسأروي لك القصة كاملة لأن هذه المسألة كثر الكلام فيها بلا معلومات، الأمر الذي أدى إلى بلبلة شديدة.

ما حدث بالضبط أنه في القمة التاسعة للإيجاد التي انعقدت في السودان في يناير من هذا العام (2002) ثم تقديم مقترح بأهمية التنسيق مع مصر وتم اختيار الرئيس الكيني والرئيس المصري لإجراء مفاوضات في هذا الشأن، والتقى الرئيسان وتمسكت مصر بعدد من المطالب الأساسية كشرط لدخولها المفاوضات.

أولاً: أن يتم التنسيق بين مبادرتين (الإيجاد والمبادرة المشتركة) وليس دولتين (كينيا ومصر).

ثانيًا: أن يكون نطاق المفاوضات الدائرة بما يحقق أمن السودان واستقراره ويحافظ على وحدته.

ثالثًا: أن القرار النهائي يجب أن يكون للسودانيين وحدهم ولا يجوز لأي جهة أن تفرض حلا على السودانيين، بل يجب أن تنحصر أدوارهم في التحفيز والتشجيع، وألا يحل الوسطاء محل الأصلاء.

رابعًا: لا بد من وضع خريطة مسار لتحقيق الهدف عبر حل سلمي يرضي كل أهل السودان ويحقق أمنه واستقراره ويحافظ على وحدته.

هذا ما تم إبلاغه من القيادة المصرية لمبعوث الرئيس الكيني لشئون السودان الجنرال "سامبايو"، وقد رد الرئيس الكيني على رسالة الرئيس المصري بثلاث نقاط:

أولاً: الرئيس موي الذي وحد كينيا لا يمكن أن يفكر في تقسيم السودان أو أن يعين عليه.

ثانيا: أن كينيا تحرص على وحدة السودان حرصها على وحدة أفريقيا.

ثالثًا: أن الرئيس موي لا يحب أن يقترن اسمه من قريب أو بعيد بأي محاولة لتقسيم السودان.

وردت القاهرة بأن الرؤيتين متفقتان، وقال سامبايو: إنه سعيد بتلك النتائج وأنه سيبلغ رئيسه بها وسيذهب إلى السودان ليستطلع رأي الحكومة ورأي الحركة ورأي بعض الدول المهتمة بالسلام في السودان ويعود بحصيلة كل هذه الآراء لمصر لوضع الصيغة النهائية للتنسيق بين المبادرتين.

ولكن لأسباب ما تعطل حضور الجنرال "سامبايو"، ولكنه أرسل دعوة إلى مصر للمشاركة في الاجتماع الاستكشافي الأول بين الحكومة والحركة، وكان التصور المصري يرى أن هذه الدعوة لا تكون إلا بعد الانتهاء من عمليات التنسيق والوصول إلى صيغة يقبلها جميع الأطراف، فاعتذرت عن الحضور لأنها خشيت أن تتورط في أمور غير واضحة ولا توافق عليها. وعلى هذا الأساس لم تشارك مصر في ماشاكوس الأولى.

وزاد الأمر تعقيدًا: الحديث الذي تضمنه الاتفاق حول الموافقة على مبدأ حق تقرير المصير – الأمر الذي تتحفظ عليه مصر – من هنا جاء قرار مصر بالابتعاد – وليس الاستبعاد – عن المفاوضات للحفاظ على موقفها الثابت من وحدة السودان، لكنها لم تكن بعيدة عن عملية السلام، وتوالي اتصالاتها مع الحكومة ومع الحركة ومع كافة القوى المهتمة بقضية السلام، وتنبه دائمًا كل الجهات إلى خطورة الانفصال وضرره على السودان وما قد يترتب عليه من حدوث حالة من الفوضى في أفريقيا كلها.

هذا ما حدث بالضبط فيما يخص مصر وقضية المفاوضات.

المعارضة الشمالية

*وماذا عن طلبكم استبعاد المعارضة الشمالية من الاتفاق؟

** هذا كلام تسويقي لبعض آراء "جون جارانج" يقولون: إن الحكومة رفضت. بداية الحكومة لا تملك الرفض أو القبول.. منبر الإيجاد وحده صاحب هذا الحق، ومبادرة الإيجاد قائمة على ثلاثة مبادئ:

أولاً: المبادرة تهتم بحل قضية الجنوب.

ثانيًا: طرفا الاتفاق هما الحكومة والحركة.

ثالثًا: الهدف: الوصول إلى حل سلمي للمشكلة.

إذن الأطراف المثبتة في الاتفاق وفي المبادرة لا يوجد بينها المعارضة الشمالية، هذا من ناحية. الناحية الأخرى أن "جون جارانج" نفسه هو الذي يصر على التمسك بسياق أن للتفاوض "طرفان" فقط، ولهذا فالحكومة أرسلت إلى جارانج رسالة أنه إذا طلب هو كممثل للحركة إعادة هيكلة أطراف التفاوض في إطار الإيجاد بحيث يشمل أطرافا أخرى فإننا لن نعترض.

 * ولكنهم يقولون: إنكم رفضتم طلبهم هذا وهددتهم بالانسحاب؟

** هذا كذب فاضح، وعليه أن يطالب بما يدعي أن الحكومة ترفضه، ونحن لن نعترض على طلبه تعديل هيكل التفاوض.

* معنى هذا أن (ماشاكوس –3) من الممكن أن تشهد تواجدا للمعارضة؟

** وحتى لو لم يوجدوا في ماشاكوس –3 فهناك لجنة الدستور وخطوات اتفاق السلام الشامل الذي ستتم عقب ماشاكوس –3 ومن الممكن أن يكون عبارة عن مؤتمر وطني جامع تشارك فيه كافة القوى والأطراف الأخرى، ممكن أن يكون المؤتمر الذي دعت إليه المبادرة المشتركة، فالحكومة هي التي وافقت على حكومة وطنية وطالبت بإشراك كافة الأطراف.

* هل تأتي الاتصالات الأخيرة مع السيد "الميرغني" والتي جرت بينه وبين النائب الأول لرئيس الجمهورية في المدينة المنورة في هذا الإطار؟

** لقد حدث لقاء بين الرئيس البشير ومولانا الميرغني عام 2000، وقد دار الحوار حول الحل السلمي، وبعدها تم عقد عدة لقاءات هنا في القاهرة بين السيد الميرغني والنائب الأول للرئيس واتفقا على توحيد الصف الوطني.

 * معنى هذا أن الفترة المقبلة من الممكن أن تشهد عودة السيد الميرغني ومشاركته في المفاوضات؟

** منذ صدور قانون الأحزاب الجديد سمح بالممارسة السياسية لكافة الأحزاب بما فيها التي كانت بالخارج، فما من شيء يمنع من عودة أحد، وقد عاد السيد الصادق المهدي بالفعل إلى السودان وهو يمارس دوره ونشاطه السياسي عن طريق "حزب الأمة"، ورغبة الميرغني أن يرجع التجمع الوطني المعارض ككل، ولكن هناك أطراف في المعارضة لا تساير هذا الرأي وتفضل البقاء خارج البلاد.

الجنوبيون والوحدة

* أخيرًا كيف يمكن إقناع الجنوبيين بالوحدة أثناء الفترة الانتقالية؟

** كثير ممن يخوضون في أمر السودان يظلمون أهل الجنوب، ويعتقدون أن كل جنوبي انفصالي، والتاريخ مليء بالشواهد التي تقول بعكس هذا الكلام وتدل على تمسك الجنوبيين بوحدة الوطن السوداني. فثورة 1924 التي كانت ترفع شعارات وحدة وادي النيل كان قائدها "علي عبد اللطيف" دنكاوي من دنكا، وكان القائد العسكري "عبد الفضيل ألماظ" شلكاوي من الشلك، على رغم من أن الحركة كانت تضم في صفوفها أضعاف عدد الجنوبيين من أهل الشمال، فهل أحفاد وأبناء هؤلاء القادة يمكن اتهامهم بالانفصاليين؟

وعندما شن الاستعمار البريطاني ما يعرف بقانون المناطق المغلقة عام 1922 قاوم المثقفون ومشايخ القبائل في الجنوب هذا القانون، وكذلك عندما شكل الاستعمار مجلسا استشاريا للحاكم العام البريطاني تحت مسمى "المجلس الاستشاري لشمال السودان" طالب الجنوبيون بالمشاركة، وعندما عرض عليهم مجلس للجنوب رفضوا.

وفي عام 1947 أثناء انعقاد مؤتمر (جيا) كان القادة الجنوبيون في المؤتمر يفوقون الشماليين عددًا، وعندما عرض على الجنوبيين مجلس تشريعي خاص بالجنوب رفضوا وفضلوا مجلسا تشريعيا واحدا. وكذلك فعلوا عند استقلال السودان عام 1956 فلم يطالبوا بالانفصال، وجاء القرار "بأن يمنح مطلب الجنوبيين بالحكم الاتحادي الاعتبار الكافي" وكلهم صوتوا على هذا القرار الذي تضمن الدستور "بنعم".

فالحركة في الجنوب حركة مطلبية في جوهرها وليست انفصالية، وكافة القادة في الجنوب مع وحدة السودان القائم على العدل والإنصاف، وهم يرفعون مطلب حق تقرير المصير للضغط به لتحقيق مطالبهم، وطالما أن اتفاق السلام الذي ستنتهي إليه المفاوضات سيأتي ملبيًا لرغبات الإخوة في الجنوب فسوف يصوتون للوحدة.

طالع:

اقرأ أيضًا:

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع