بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


إيران "الثورة": المصلحة والأيديولوجية في كفة واحدة!

28/11/2002

دكتور محمد السعيد عبد المؤمن**

طالبات إيرانيات يؤيدن الخوميني

عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران، اتخذت لنفسها أيديولوجية خاصة، أقامت على أساسها نظامها السياسي الذي لقي تأييدا شعبيا في الاستفتاء عليه وسط حماس العمل الثوري، جعله يستمر أكثر من عقدين من الزمان خلال ضغوط خارجية غير عادية، تمثلت في رد فعل معاد من دول الجوار ودول المنطقة وعدد كبير من دول العالم إزاء شروع هذا النظام في تصدير الثورة الإسلامية خارج إيران.

وتمثلت في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات؛ وكان وقودها زهرة شباب إيران وإمكاناتها المادية المتعددة وديون ذات فوائد باهظة. وتمثلت في الاحتواء المزدوج الذي فرضه التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على إيران بويلاته الاقتصادية والسياسية وآثاره الاجتماعية المدمرة. وتمثلت في "محور الشر" الذي أُدرج فيه النظام الإيراني كقاعدة لهذا المحور، حتى باتت أيديولوجية ولاية الفقيه أساس صمود النظام الإيراني خلال هذين العقدين أمام الضغوط الخارجية القوية والمتلاحقة، وبات التراجع عنها أمرا يرقى إلى فكرة الارتداد عن النهج الإسلامي –كما تؤكد القيادات المحافظة- رغم وجود مراجعة حقيقية لمتعلقات هذه الأيديولوجية من مواقف وسياسات على المستويين الفكري والعملي.

وتجد هذه المراجعة في إطار الصراع بين المحافظين والإصلاحيين ترحيبا واضحا من قيادات النظام، سواء على المستوى العلمي الحوزوي أو المستوى المدني الإداري. وقد يبدو للبعض أن هذه الأيديولوجية قد باتت مهددة، أو صارت عرضة للتحول أو التغيير في ظل المتغيرات الدولية الراهنة التي تقودها فكرة العولمة الجارفة والتي لا قبل للنظام الإيراني بالانسلاخ عنها. لكن من الواضح أن الجدل الدائر على الساحة السياسية الإيرانية لا يمس جوهر هذه الأيديولوجية وهو ما يوحي بعدم إمكانية تحقق هذا الزعم.

ولاية الفقيه مصلحة

حقيقة الأمر أن أيديولوجية ولاية الفقيه قد قامت على أسس من المذهب الشيعي "الاثنا عشري" الذي يدين به غالبية الشعب الإيراني، وأن الخلاف حول ولاية الفقيه خلاف يتعلق بفروع وليس بأصول في هذا الفكر، بل لعل ولاية الفقيه قد استمدت قوتها من فكرة المحافظة على المذهب ذاته والإبقاء على مقوماته. أي إن هذه الأيديولوجية تحقق مصلحة دينية يؤمن بها الشعب الإيراني، وتدعم تراثه الثقافي والحضاري؛ وهو ما جعل هذه الأيديولوجية تمتزج بعنصر مصلحة المسلمين الذي يقره المذهب الشيعي، بل ويرفعه فوق النص الديني أحيانا، وهو الذي أتاح للفقه الشيعي الامتداد عبر باب الاجتهاد ليعايش متغيرات الزمان، ويحل معضلاته ويخرج الشعب الإيراني وقياداته من أزمة الضغوط الخارجية.

إن مبدأ المصلحة ليس دخيلا على الأيديولوجية الحالية للنظام السياسي الإيراني باعتباره أصيلا في الفكر الديني وطوق نجاة للمشرعين الأصوليين من الشيعة في ملاحقة الأحداث والتطورات. ومن ثم، فإن النظام الحوزوي يراهن في بقائه واستمراره على هذا المبدأ، وهو لا يخشى من تداعياته السلبية على المجتمع لإحكام ضوابطه ووضوح فكرته التي ترتبط ارتباطا عضويا بمبدأ التقية الديني الذي ساعد على بقاء التشيع واستمراره مع العنت والاضطهاد في العصور الإسلامية المختلفة.

الأيديولوجية والمصلحة

ربما تكون هذه المقدمة مدخلا جيدا لمناقشة العلاقات العربية الإيرانية، حيث تشير الوقائع التاريخية إلى أن عنصري الأيديولوجية والمصلحة قد لعبا دورا هاما في هذه العلاقات علي مختلف المستويات خاصة المستوى الإقليمي؛ وكانا عامل ضبط وتوجيه لنشاط كل من الجانبين في قيامه بدوره وواجبه وتنفيذ تعهداته في المنطقة. إن أيديولوجية النظام الحاكم في إيران قد فرضت عليه طرح مبادئ الثورة على شعوب العالم الإسلامي، لكن حرب السنوات الثماني مع العراق –والتي كانت من الموجهات الأساسية لإيران في علاقاتها مع دول الخليج والعديد من الدول العربية- أدت إلى أن يتخذ أسلوب طرح الثورة الإسلامية نوعا من الوسائل العنيفة التي تخلق كثيرا من الحساسية لدى الشعوب والحكومات العربية.

وقد اقتضت المصلحة قبول إيران وقف الحرب، وهو ما أدخلها مرحلة جديدة في علاقاتها مع العالم عامة ومع الدول العربية خاصة، حيث استتبع هذا القرار سلسلة من التغييرات في شكل النظام وتوجهاته مع تعديل في إستراتيجيته، بل وتطوير في نظرية ولاية الفقيه ذاتها بما يتلاءم مع المستجدات، إلا أن اتجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى الواقعية لم يكن يعني التخلي عن الأفكار الأساسية التي قامت عليها، وإنما محاولة التقارب مع معطيات الدول العربية.

ومن أهم علامات هذه المحاولة: الدعوة إلى وحدة العالم الإسلامي وما تتطلبه من إجراءات، حيث بادرت إيران إلى تخصيص أسبوع للوحدة الإسلامية يحتفل به كل عام في ذكرى مولد الرسول عليه السلام ما بين 12 و17 ربيع الأول، أي في ذكرى مولده عند السنة والشيعة، يقول الزعيم خامنئي: "ينبغي على الإخوة المسلمين من سنة وشيعة أن ينسوا الماضي وأن يوحدوا كلمتهم وتوجهاتهم وأخوتهم، ويمكن تأسيس دار للتقريب بين المذاهب على أساس التضامن والتعاون والوحدة الفكرية بين علماء السنة والشيعة، إننا لا نريد أن يدخل الإخوة من أهل السنة في مذهب الشيعة، أو أن يدخل الشيعة في مذاهب أهل السنة؛ بل ينبغي أن تكون الوحدة والتضامن الأخوي الإسلامي حول محور ومجال مشترك". (صحيفة إطلاعات في15/11/1986م)

وإذا كان الزعيم خامنئي قد فسر المحور المشترك بأنه محبة آل البيت باعتبارها واجبة لدى جميع المذاهب والفرق الإسلامية، ولأنها تتفق مع مبدأي التولي والتبري الإسلاميين ومبدأي اللاشرقية واللاغربية اللذين تقوم عليهما السياسة الخارجية الإيرانية، وترضي فكرة إنشاء الحكومة العالمية للإسلام التي يؤمن بها علماء الشيعة، وتسهل عملية تصدير الثورة الإسلامية.. فإنه يكون قد سبق بذلك إلى نقطة وسط يمكن التباحث حولها، وسوف يؤدي تطبيقها إلى تمدد في حجم العلاقات بين إيران والدول العربية، بل إنها سوف تجعل هذه العلاقات في منزلة بين المنزلتين –حسب تعبير فرقة المعتزلة التي يتجاوب العلماء الإيرانيون مع فكرها- حيث تتسع وتنكمش حسبما تحدده المصالح المشتركة.

وفي هذه الحالة، يمكن للتقية السياسية أن تقوم بدور فعال في حل المشاكل التي قد تطرأ بين الطرفين أصحاب المصلحة، تماما كما حدث مع المملكة العربية السعودية في مسألة الحج السياسي وما ترتب عليه من أحداث الحرم الدامية والتي جعلت من عودة علاقات طبيعية بين إيران والسعودية أمرًا يبدو مستحيلا. إلا أن إيران اعتمدت في تقاربها مع الدول العربية -وخاصة مع السعودية- أسلوب المبادأة؛ وهو أسلوب ضاغط لا ينتظر مبادرات بل يقدمها؛ وردود أفعاله جاهزة ليس فيها مجال للتردد. وهذا يعني أن إيران حريصة على هذا التقارب؛ وأنها قد خططت له على المدى القريب والبعيد؛ ووضعت في خططها كافة الاحتمالات، معتمدة على خبرتها في علاقاتها مع هذه الدول، وعلى قدرتها على التحرك السريع الفعال، وإمكانات الفقه السياسي المساعدة.

وهذا يعني أيضا عدم وجود احتمال للتراجع، كما يشير كذلك إلى أن هذا التقارب لن يكون على حساب مكاسب حققتها إيران في المنطقة أو في غيرها أو حتى داخل إيران، قبل الثورة أو بعد انتصارها. وتعي إيران أن مستقبل التعاون الإيراني العربي رهن بالتحركات الإيرانية، ومن ثم فهي لا تقف عند محاولات تحسين العلاقات التقليدية، وإنما تبادر لتعميق وتطوير سبل التقارب لتشمل كافة المجالات من سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية رغم الاختلافات الجوهرية في هذا المجال، وتسعى لابتكار وسائل وأساليب جديدة في هذا الصدد. وما جمعيات الصداقة الدولية التي تنشئها إلا حلقة من سلسلة محاولاتها المستمرة في هذا الشأن.

نحو ثقافة إسلامية حديثة

إن القضية الهامة التي تشغل حيزا في الأيديولوجية الإيرانية، والتي تحتاج فيها إلي التعاون الثقافي العربي الإيراني، هي قضية بناء الثقافة الإسلامية الحديثة التي تتواءم مع أصالة الثقافة الإسلامية العريقة التي بناها الأجداد من العرب والإيرانيين، وتواكب الثقافة العالمية، والتي تعتبرها إيران قدر العرب وإيران في الوقت الراهن. ومن الواضح أن إعلان الرئيس سيد محمد خاتمي عن مشروعه لحوار الحضارات الذي يشكل مفارقة كبرى في توجهات إيران تجاه العالم عما كان عليه الحال قبل ذلك، يمكن أن يكون إحدى الوسائل الفعالة في طرح إيران ثقافة إسلامية حديثة.

يقول الرئيس خاتمي في بيان صدى هذا المشروع: "إن الترحيب العام العالمي لمشروع حوار الحضارات هو نجاح كبير للشعب الإيراني العظيم، إن آمال هذه البلاد تكمن دائما في المحبة، وليس العالم المعاصر بالنسبة لنا مجال خوف ورعب، ولذلك فإنه من أجل أن يتحقق هذا المشروع الإيراني في مختلف أبعاده لا بد أن نجعل منه شأنا ثقافيا وأساسيا وقوميا، وأن تنظم المؤسسات والصروح العلمية والثقافية السبل للتعامل مع الثقافات العالمية، من الممكن أن يكون مشروع الحوار بين الحضارات مرآة جديدة للحياة والعالم، فالشرط الأول للحوار هو تواضع الطرفين مع التصديق، فبغير هذه الخصلة الإنسانية لا يمكن إقامة حوار يؤدي إلى معرفة دقيقة بهوية كل طرف". (صحيفة همشهري في10 اسفند 1378هـ.ش.)

إن الموقف الإيراني تجاه الأحداث الأخيرة في المنطقة تبدو فيه موازنة الأيديولوجية بالمصلحة، فرغم أن هذه الأحداث قد أفسدت على إيران جهودها المبذولة في إطار حوار الحضارات.. فإنها لم تيئس. ففي الوقت الذي لم تمنع فيه الجدل حول الإصلاحات السياسية أن يمتد إلى العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وجد تيار كبير من النخبة يؤكد على أن الدعوة لإعادة العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة أو لعدم إعادتها ليس دليلا على الالتزام بأسس ومبادئ الثورة، وإنما يتعلق ذلك بتحقيق المصلحة الوطنية في وقت معين، بحيث يمكن أن تكون المطالبة بإعادة هذه العلاقات ضد المصلحة الوطنية، بينما تكون في وقت آخر عين هذه المصلحة. (محسن آرمين نائب رئيس مجلس الشورى الإسلامي في حديثه لوكالة الأنباء الإيرانية في 6/4/2002م) مع تأكيد رفسنجاني في لقائه مع ممثلي الأحزاب السياسية بأنه: "ليس هناك ما يمنع من وجود علاقات اجتماعية وثقافية واقتصادية بين إيران والولايات المتحدة، لكن العلاقات السياسية ترجع إلى احترام الشروط المعلنة من جانب إيران" (إطلاعات في 16/4/2002م).

ومع ذلك، يمكن ملاحظة التوتر الذي يسود العلاقات الإيرانية الأمريكية إلى الدرجة التي يمكن معها تفسير كل تحرك أمريكي على أنه نوع من الضغط على القيادة الإيرانية، وكل تحرك إيراني على أنه محاولة للتخلص من هذا الضغط.

إن موقف إيران من ضرب العراق وعدم المساس بوحدته تحت قيادة واحدة مع اختلافها مع قادته، والتناغم في ذلك مع دول المنطقة التي لا تحبذ تقسيم العراق إليها، يمثل سعيا إيرانيا لتعويق الضربة الموجهة إلى العراق بقدر الإمكان؛ لإدراكها أن الولايات المتحدة الأمريكية بوجودها العسكري في العراق تكون قد استكملت حلقات الطوق الذي تنوي وضعه حول رقبتها، ليمنعها من ممارسة أي نشاط معاد للولايات المتحدة أو إحدى حليفاتها وخاصة إسرائيل؛ بل قد يشجع هذا الوجود العسكري الولايات المتحدة على توجيه ضربة وقائية ضد إيران.

وفي ذات الوقت، تضع القيادة الإيرانية نصب عينيها استكمال دائرة الاتفاقات الأمنية مع دول المنطقة، في مبادرة جديدة من نوعها، ضمن تحركها في إطار اتخاذ السبل الكفيلة بتأمين نفسها في مواجهة تصاعد التهديدات الأمريكية لدول محور الشر، حتى تضمن موقفا محايدا من هذه الدول على أقل تقدير. فلا تقدم أية تسهيلات للولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها إذا ما فكرت في ضربها، خاصة ضرب المفاعل النووي في بوشهر الذي أوشك على الانتهاء وأصبحت الاستفادة منه قريبة المنال.

وإيران في ذلك تسعى إلى التركيز على تبادل المجرمين والإرهابيين، وهي مسألة هامة لدول المنطقة التي لها معارضون في الخارج لحل قضية الأفغان العرب ومنسوبي تنظيم القاعدة الذين عادة ما يلجئون إلى إيران للحصول على الحماية أو الدعم، والذين أصبحوا ورقة في يد القيادة الإيرانية يمكن أن تستفيد منها لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية مع الدول التي ترغب في استعادة هؤلاء الثوار. وقد قامت إيران بالفعل بإعادة أكثر من أربعمائة عضو من تنظيم القاعدة التي تدعي أنها اعتقلتهم عند الحدود، وأن منهم مائة وخمسين عضوا من السعودية والكويت. وإن مراجعة سريعة للاتفاقات الأمنية -التي عقدتها إيران مع كل من المملكة العربية السعودية والبحرين وعمان وقطر والكويت ولبنان والعراق والأردن وتركيا وباكستان وأفغانستان- تؤكد أن إيران تعطي أمنها القومي الأولوية الأولى في هذه المرحلة، بغض النظر عن أولويات مبادئ الثورة الإسلامية أو تعهداتها للجماعات الثورية في المنطقة حتى الإسلامية منها والفلسطينية.

إن ارتباط الأيديولوجية بالمصلحة في العلاقات الإيرانية الخارجية يجعلها تقوم بتقديم تنازلات على الجانبين سواء للمعارضين في الداخل والثائرين على الفساد، أو لدول المنطقة سعيا لكسب دعمها أو حيادها، أو للولايات المتحدة بتأييد الحرب ضد الإرهاب وعدم المعارضة لممارساتها في أفغانستان وإقامة علاقات طيبة مع الحكومة المؤقتة الحليفة لها، أو عدم استفزازها في قضية الشرق الأوسط، أو التحرش بتمددها في دول آسيا الوسطى عسكريا وأمنيا. وقد وجدت -إيران بفضل هذه السياسة- مدخلا جيدا لعلاقاتها مع بعض الدول العربية والخليجية بشكل خاص، مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بالرغم  ما كان بينها من مشاكل.

اقرأ أيضًا:


*أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس 

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع