 |
|
عرفات
بين أعضاء حكومته الجديدة |
شكل
نجاح عرفات في الحصول على ثقة المجلس
التشريعي الفلسطيني بحكومته الجديدة
نصراً جديداً لرئيس السلطة الفلسطينية
في معركة سياسية صعبة استمرت عدة شهور،
دخلت فيها أطراف محلية وإقليمية ودولية
تحت مسمى الإصلاح الذي حاول كل طرف من
هذه الأطراف إمالته لجانبه.
فرغم
مطالبة المعارضين بإدخال مزيد من
الإصلاحات والحد من الصلاحيات التي
يتمتع بها الرئيس الفلسطيني -بما في ذلك
تعيين رئيس وزراء فلسطيني- فقد صوت 56
عضوا لصالح المصادقة على الوزارة
الجديدة، بينما عارض ذلك 18 عضوا فقط،
وامتنع 5 عن التصويت. كما منعت إسرائيل 13
عضواً من غزة من حضور جلسة المجلس
لأسباب أمنية، وشاركوا في التصويت عبر
تقنية البث الحي بالأقمار الاصطناعية.
عرفات
يوقف تدحرج كرة الإصلاحات
وفي
الوقت الذي اعتبر فيه عرفات منح الثقة
للحكومة "انتصاراً للديمقراطية
والشفافية"، و"خطوة إلى الأمام نحو
الإصلاحات"، فإن ما حدث يعتبر
انتصارا شخصيا لعرفات على منافسيه الذين
انقسموا إلى نوعين:
الأول:
حاول الأمريكيون والإسرائيليون دفعهم
إلى الأمام تحت ذريعة تعيين رئيس وزراء
فلسطيني بصلاحيات واسعة.
والثاني:
اللجنة المركزية في حركة فتح التي سبق
وأسقطت الحكومة السابقة بعد أن عرضت على
المجلس التشريعي في أيلول (سبتمبر)
الماضي لأن هذه الحكومة لم يغب عنها
رموز الفساد، ولم تتمثل فيها الأجيال
القيادية الشابة في فتح؛ مما اضطر عرفات
إلى إقالتها بعد 3 أشهر فقط من تشكيلها
مخافة أن تنزع منها الثقة في المجلس
التشريعي!
ومع
أن قضية الإصلاحات بدأت كمطلب إسرائيلي-
أمريكي لاستبدال قيادة أكثر تجاوباً مع
المطالب الإسرائيلية بقيادة عرفات، فإن
هذه القضية أخذت بعداً جديداً من خلال
تبني الشق الأكبر في "فتح" لفكرة
تعيين رئيس مجلس وزراء فلسطيني، على
الرغم من رفض عرفات لها باعتبارها تشكل
مدخلاً لتقليص صلاحياته وإضعاف دوره
السياسي.
وترافق
ذلك مع تكثيف مجموعة من الشخصيات
المحيطة برئيس السلطة الفلسطينية من
اتصالاتها مع إسرائيل لاستبداله من
خلال التعاطي مع الأطروحات الأمريكية
والإسرائيلية بتعيين رئيس مجلس وزراء
في السلطة يتولى معظم صلاحيات عرفات
ليبقى رئيسا فخريا، وعلى رأس هؤلاء وقف
محمود عباس (أبو مازن) أمين سر اللجنة
التنفيذية لمنظمة التحرير الذي استغل
فرصة الحصار الأخير على عرفات لتعزيز
وضعه عند إسرائيل تحت حجة العمل على فك
الحصار عن عرفات، ووقف في هذا الصف محمد
دحلان الذي وجه له عرفات ضربة قاسية من
خلال تهميش دوره في الحكومة السابقة
بجعله مستشاراً أمنيًّا بدلاً من
تعيينه كمستشار للأمن القومي بما يمكنه
من ممارسة صلاحيات واسعة على الأجهزة
الأمنية.
ومع
كل هذه الضغوط فإن عرفات قاوم حتى
النهاية فكرة تعيين رئيس وزراء، مؤكداً
أنها لن تتم إلا في حال إعلان الدولة.
وجاءت نتيجة الحصار لتعزز من موقف عرفات
السياسي بعد أن اضطرت حكومة شارون إلى
فكه إثر ضغوط أمريكية ودولية لتهيئة
الأجواء لضرب العراق، وأدى التفاعل
الجماهيري الفلسطيني مع عرفات أثناء
الحصار إلى تحسين وضعه في مواجهة
منافسيه وخصومه، لا سيما أنه لم يقدم
هذه المرة أية تنازلات لشارون كما حصل
في الحصار الأول، في الوقت الذي انكشفت
فيه تحركات منافسي عرفات الذي استطاع أن
يعيد التفاف تنظيم "فتح" حوله، وأن
يعزل "أبو مازن" ودحلان، وأن يضع
موضوع تعيين رئيس مجلس وزراء فلسطيني
على الرف مقابل تلبية بعض المطالب للجنة
المركزية لـ"فتح"، ومن أهمها:
تخفيض
عدد أعضاء الوزارة إلى 19 بدلاً من 21،
وإلغاء بعض الوزارات، وفصل ملف التفاوض
عن الحكومة، وهي مطالب حققها عرفات من
خلال التشكيلة الوزارية بشكل جيد.
إلا
أن عرفات فشل في تحقيق المطلب الأهم،
وهو إخراج الوزراء المتهمين بالفساد
مثل نبيل شعث وياسر عبد ربه وصائب
عريقات وجميل الطريفي وغيرهم، وذلك
لأسباب تتعلق برغبته في الاحتفاظ بحرسه
القديم وعدم الظهور بمظهر المستسلم
لجميع مطالب "فتح".
وقد
تعرض نواب "فتح" لضغوط من أجل
التصويت بالثقة للحكومة التي طرحت على
المجلس التشريعي تحت مبرر قوي روج له
أنصار عرفات في المجلس بأن أي فشل
لعرفات أمام المجلس التشريعي سيشكل
انتصارا لرئيس الوزراء الإسرائيلي إريل
شارون والأمريكيين الذين يريدون
إبعاده، خصوصاً أن شارون صرح بوضوح في
جلسات مغلقة لحكومته بالقول "سنستمر
بإجراء اتصالات وعلاقات مع
الفلسطينيين، لأنهم فهموا أن عرفات
يشكل عبئاً ثقيلاً عليهم".
التشكيلة
الجديدة.. تغيير محدود حتى في الأشخاص
وقد
ضمت الحكومة الجديدة التي من المقرر أن
تعمل كحكومة مؤقتة لحين إجراء
الانتخابات الرئاسية والتشريعية في
يناير/ كانون الثاني من العام القادم 19
وزيراً، ولعل أبرز الملاحظات على هذا
التشكيل هي:
-
أبرز الوزراء الجدد وزير الداخلية هاني
الحسن (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح)
بدلا من عبد الرزاق اليحيى، بالإضافة
إلى وزير الصحة أحمد الشيبي، ووزير
العدل زهير الصوراني، ووزير جديد هو
هشام عبد الرزاق لحقيبة جديدة هي شؤون
الأسرى والمعتقلين (بعد أن كانت ملفاً
في المجلس التشريعي). كما عين سمير غوشة (جبهة
النضال الشعبي) مسؤولا عن بيت الشرق
المقر غير الرسمي لمنظمة التحرير
الفلسطينية في القدس المحتلة بدلا من
سري نسيبة الذي أثار انتقادات شديدة
بسبب مواقفه من قضية اللاجئين التي دعا
لحلها بالتوطين والتعويض، ومن
الانتفاضة التي اعتبرها عبثاً يجب وقفه!
-
أبرز الخارجين من الحكومة وزير
الداخلية عبد الرزاق اليحيى، ووزير
العدل إبراهيم الدغمة، وهذا يشكل
استجابة لمطالب فتح وتجاوزاً لشخصيات
حظيت بدعم أمريكي في إطار الإصلاحات،
إضافة إلى عزل محمد دحلان (قدم استقالته
من منصب المستشار الأمني) الذي يصب في
اتجاه عدم التساوق مع المطالب
الأمريكية واستبعاد الشخصيات الطامحة
في خلافة عرفات، هذا فضلاً عن خروج
شخصيات أخرى بسبب إلغاء حقائبها مثل
عماد الفالوجي (وزير الاتصالات) وعلي
القواسمي (وزير الرياضة) وجميل الطريفي
الذي يعتبر أيضاً أحد رموز الفساد،
وأخيراً خروج وزير الصحة رياض الزعنون
الذي طلب إعفاءه لأسباب صحية.
-
غالبية الوزراء هم من فتح أو من
المحسوبين عليها بالإضافة إلى مشاركة
حزب الشعب والنضال الشعبي وفدا، وبعض
شخصيات التكنوقراط (وزير المواصلات،
ووزير السياحة)، أما الفصائل الرئيسية (حماس-
الجهاد- الشعبية) فقد رفضت المشاركة
بسبب موقفها الرافض لاتفاق أوسلو ولكون
الحكومة الفلسطينية هي منفذة لهذا
الاتفاق. وتشير المعلومات من مصادر
موثوقة أن عرفات عرض على حماس ستة حقائب
وزارية على قدم المساواة مع تنظيم "فتح"،
إلا أن الحركة تمسكت بموقفها الرافض
للمشاركة في الحكومة. وقد أشار إسماعيل
هنية القيادي في حماس في تصريحات صحفية
إلى أن الحركة رفضت عروضاً مغرية
للمشاركة في الحكومة الفلسطينية.
-
لم تحصل تغييرات جوهرية في الحكومة، لا
سيما أن رموز الفساد بقيت موجودة؛ الأمر
الذي يضع علامات استفهام حقيقية حول
نوايا الإصلاح بمفهومه الفلسطيني الذي
يتضمن إدارة أفضل للصراع، وتعزيز صمود
الشعب الفلسطيني.
-
لم يكن البعد العربي الذي أشار إليه
عرفات في خطابه غائباً عن تشكيل الحكومة
الجديدة، والدليل على ذلك تعيين هاني
الحسن المعروف بعلاقاته العربية-
وخصوصاً مع مصر- وزيراً للداخلية حيث
سيكون معنياً بالتنسيق مع مصر والأردن
لتدريب قوات الشرطة الفلسطينية. كما أن
غياب محمد دحلان الذي لا تنظر له مصر
بارتياح بسبب علاقاته الأمريكية
والإسرائيلية هو مؤشر آخر على أهمية
الاعتبار العربي في تشكيل الحكومة.
برنامج
الحكومة.. لا جديد
حدد
عرفات برنامج حكومته الجديد الذي يقوم
على أربعة محاور رئيسية هي:
أولاً:
مواصلة الكفاح الوطني من أجل
الاستقلال، وصولا إلى إقامة الدولة
المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة
اللاجئين، واستمرار إستراتيجية السلام.
ثانياً:
العمل على تعزيز الصمود الوطني، وحماية
المقدسات الدينية، والتصدي للاستيطان،
وحماية المعتقلين، والعمل على تخفيف
المعاناة عن شعبنا وتوفير الحماية له.
ثالثا:
تنفيذ برنامج الإصلاح والتطوير، وترسيخ
الوحدة الوطنية، وتحقيق الديموقراطية
ومواصلة الإصلاحات.
رابعاً:
تعزيز العلاقات العربية والإسلامية
والدولية.
وعلى
الرغم من إدراك عرفات لعدم فاعلية أي
خطاب سياسي موجه للعدو في هذه المرحلة
بالذات، فإنه وجه جزءاً من خطابه بشكل
مباشر إلى الإسرائيليين، محاولاً تجاوز
حكومة شارون، فعبر عن معارضته للعمليات
التي تستهدف المدنيين، واعتبر أن حكومة
شارون تعمدت ضرب كل جهود التهدئة،
مشيراً إلى أن رفض الاحتلال والاستيطان
لا يعني رفضاً للسلام الشامل؛ لأن "السلام
هو الخيار الإستراتيجي للفلسطينيين
وللعرب أجمعين". وقال للإسرائيليين:
"لقد اعترفنا لكم عام 1998 بدولتكم على
مساحة 78% من أرض فلسطين وقبلنا أن نقيم
دولتنا على 22% من هذه البلاد، فلماذا
تريدون أن تلاحقونا حتى على هذه الرقعة
الصغيرة؟ إن حكومتكم تسابق الزمن
لإقامة المستوطنات، بل الأشواك
والأوتاد في قلب دولتنا الصغيرة".
ويلاحظ
أن الخطاب الطويل لعرفات كان تكراراً
لمواقف سبق أن أعلن عنها في دورة المجلس
التشريعي السابقة، وعلى الأخص ما يتعلق
منها بإدانة العمليات ضد المدنيين،
ودعوته إلى إعادة إحياء اتفاقيات
التسوية السياسية.
وفي
الوقت الذي أثار فيه انتقادات المعارضة
الفلسطينية فإنه لم يثر اهتمام حكومة
شارون التي التزمت الصمت تجاه التغيير
الجديد في الحكومة أو برنامجها السياسي.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد
قابلت ذلك بمزيد من التشكك، معتبرة أن
التشكيلة الجديدة لا تلبي الإصلاحات
اللازمة التي طالبت بها مقابل تأييد
إقامة دولة فلسطينية.
وقالت
متحدثة باسم الخارجية:
"إن ما يهمنا هو ما نراه ميدانيا،
وكذلك التقدم لتحقيق الأهداف التي
حددها الفلسطينيون أنفسهم". وذكرت
بشكل خاص التزام الفلسطينيين العمل من
أجل إقامة إدارة مدنية مسؤولة، وجهاز
أمني غير متورط فيما أسمته "الإرهاب".
وأضافت: "فقط عبر تحقيق هذه
الأهداف يمكن إحلال الثقة بين الطرفين،
ويمكن أن تصبح التطلعات الوطنية
للفلسطينيين حقيقة".
كما
أن السلطة الفلسطينية لن تتمكن من تحقيق
هذا البرنامج لأنها تعاني من الشلل،
خصوصاً في الضفة الغربية، كما أن الفترة
الوجيزة التي يفترض أن تستمر فيها ولاية
هذه الحكومة تبقى غير كافية أبداً
لتحقيق برنامجها، والأهم من ذلك كله أن
محاولة السلطة الفلسطينية لتقييد
عمليات المقاومة ستواجه بمعارضة شديدة
من قبل تنظيمات المقاومة الفلسطينية
وأجزاء من تنظيم فتح نفسه، وقد تثير
مواجهات مع السلطة الفلسطينية التي لا
تملك فرض نفوذها الميداني بسبب ضعف
أجهزتها الأمنية فضلاً عن هشاشة موقفها
السياسي.
وقد
عبرت المعارضة الفلسطينية عن موقف سلبي
من هذه الحكومة، إذ اعتبرت "حماس" و"الجهاد
الإسلامي" أن التشكيلة الحكومية
الفلسطينية الجديدة لم تأتِ بتغييرات
جذرية، وأن الشعب الفلسطيني يتطلع إلى
التغيير الجذري في النهج والسياسات
لحماية خيار الانتفاضة والمقاومة
والوحدة الوطنية، وأن "المدخل
الحقيقي للإصلاح هو الاتفاق على برنامج
وطني تجمع عليه كافة القوى الوطنية
والإسلامية، يترتب عليه تشكيل حكومة
تنفذ هذا البرنامج" .
اقرأ
أيضًا:
|