|
شأن
مواقفها من معظم القضايا العربية،
يتمثل الموقف الأوربي من الملف
العراقي، على وجه العموم، بدرجة عالية
من الحياد عن نظيره الأمريكي، لكنها
أيضاً لا تذهب إلى أبعد من مجرد
الاعتراض أو إبداء الملاحظات على
سياسات واشنطن،
مع ملاحظة أن طبيعة الأزمات السابقة -
فيما يتعلق بالعراق - لم تكن تتيح فرصة
كبيرة للخلاف بين أوربا والولايات
المتحدة الأمريكية، على خلاف الأزمة
الحالية، حيث يبدو الخلاف واضحاً
والفجوة كبيرة بين الموقفين، لا سيما في
ظل السيناريوهات المحتملة لنتائج
التحرك الأمريكي الجديد.
لقد
لوحظ ارتفاع نبرة الاعتراض الأوربي هذه
المرة على واشنطن، وكذلك تماسك الموقف
الفرنسي المضاد لتحركات واشنطن في كافة
الاتجاهات بما فيها الأمم المتحدة.
فللمرة
الأولى - ربما منذ عقود - تتحرك باريس
بهذه القوة للوقوف أمام خطوة أمريكية،
حتى إنها لم تكتف بتأكيد اعتراضها على
استصدار قرار من مجلس الأمن يمنح واشنطن
حق ضرب العراق تلقائياً؛ بل قامت بإعداد
مشروع قرار آخر بديل يكون بمثابة خطوة
أولى تقرر التزامات العراق، وإطار عمل
المفتشين الدوليين على أن تكون مسألة
التفويض باستخدام القوة المسلحة مرحلة
تالية ينظر فيها مجلس الأمن، بناء على
تقرير لجنة التفتيش وفقاً للآلية
الجديدة التي ستتم بها عمليات التفتيش.
وقريباً
من الموقف الفرنسي، جاءت مواقف معظم
الدول الأوربية الأخرى، لا سيما
ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا بدرجة ما.
تطور
ملموس في الموقف الفرنسي
لكن
لا بد من الإشارة إلى أن الموقف الأوربي
والفرنسي - على وجه الخصوص - قد تطور على
مدار الأزمة منذ بدايتها وحتى الآن.
ففي البداية كانت باريس وبرلين وروما
تطالب العراق بالانصياع إلى قرارات
مجلس الأمن والالتزام بعودة المفتشين،
وكان الخطاب الأوربي موجها فقط إلى
بغداد دون التطرق إلى الاعتراض أو إبداء
ملاحظات على المنطق الأمريكي الداعي
إلى ضرب العراق.
لكن
المراقب للموقف الأوربي يلحظ تصاعد حدة
اللهجة والسلوك الأوربي - خاصة الفرنسي -
تجاه الولايات المتحدة؛
إذ لم تكتف فرنسا برفض مشروع القرار
الأمريكي-البريطاني، وإنما أصرت على أن
يكون تفويض مجلس الأمن على مرحلتين.
وأعدت فرنسا بالفعل مشروع قرار من
جانبها، متهمة الولايات المتحدة بأنها
لم تدخل أية تعديلات على مشروعها. وجاءت
هذه الخطوة الفرنسية بعد زيارة وزير
الخارجية البريطاني جاك سترو لباريس،
والتي أعلن بعدها أن توافقاً بريطانياً
فرنسياً قد تم.
واتضح
بعد ذلك أن بريطانيا وأمريكا هما اللتان
اقتربتا من موقف باريس وليس العكس..
فقد وافقت لندن وواشنطن على أن يكون
استخدام القوة مع العراق على مرحلتين
كما طالبت باريس، مقابل موافقة الأخيرة
على تشديد متطلبات القرار الأول الذي
يحدد آلية عمل وصلاحيات المفتشين
الدوليين.
ويرجع
هذا التطور في موقف فرنسا إلى اعتبارين:
1-
النقلة المفاجئة التي أحدثها قرار
العراق قبول عودة غير مشروطة للمفتشين
الدوليين، إذ لم يكن لدى أي دولة أوربية
أو غيرها - بما في ذلك الدول العربية -
استعداد للتدخل لدى واشنطن لحثها على
التراجع عن ضرب بغداد في ظل إصرار عراقي
على عدم استئناف أعمال التفتيش؛ وهو
الموقف الذي كانت تستند إليه واشنطن في
تبرير نيتها ضرب العراق.
لكن
الخطوة العراقية قلبت الموازين ورفعت
عن واشنطن الغطاء الذي تتذرع به للقيام
بعمل عسكري ضد بغداد، وهو ما شجع مختلف
الدول المعنية بالشأن العراقي على
التحرك والبناء على الخطوة العراقية.
2-
الموقف الأمريكي-البريطاني ذاته. فمن
ناحية، يتسم هذا الموقف بتشدد وتعنت غير
مبررين، ولا تملك أي من واشنطن أو لندن
حججاً قوية لتبرير موقفهما هذا.
ووفقاً
للعقلية القانونية الفرنسية، فإن
المسألة برمتها تصبح غير مقبولة ولا
مُستساغة أخلاقياً. لكن الحسابات
الواقعية والمصلحة تسبق العامل
الأخلاقي، وهي الأخرى لا تشير إلى مصلحة
فرنسية حقيقية في ضرب العراق أو مسايرة
واشنطن ولندن في مسعاهما.
ويمكن
تفهم هذا الدافع على ضوء ما تسرب من
أنباء حول مساومات وصفقات محتملة تسعى
واشنطن لإبرامها مع باريس وعواصم أخرى
مثل موسكو ثمناً لسكوتها عن التحرك
الأمريكي-البريطاني.
لكن
مقابل هذا الحماس الفرنسي، لا ينبغي
تجاهل أن باريس لم تذهب إلى مدى بعيد في
المواجهة مع أمريكا. فمثلاً رغم الموقف
الفرنسي الرافض بقوة وصراحة وعلانية
لضرب العراق، فإن
باريس لم تهدد ولو مرة باستخدام الفيتو
ضد القرار الأمريكي،
مصرة على تبني خطاب رفض القرار، دون
التصعيد إلى حد التفرد بموقف المانع
للرغبة الأمريكية بإعلان الفيتو
مسبقاً؛ وهو ما يمكن اعتباره موازنة
فرنسية للعلاقة مع واشنطن، ورغبة منها
في عدم استفزاز الأمريكيين أو تصعيد
الموقف في نطاق مجلس الأمن.
كذلك
فإن باريس لا تضمن بالضرورة مسار الأزمة
في مراحلها التالية، وبالتالي فهي ليست
على استعداد لاستعداء واشنطن إلى
النهاية، حتى لا تقطع الخطوط معها، لا
سيما أن باريس ستكون في الوضع الأضعف
فيما لو نجحت واشنطن في تنفيذ ما
انتوته، وعندها سيكون على فرنسا
التعامل مع الأمر الواقع والنظر
ببراجماتية إلى مرحلة ما بعد ضرب
العراق، وهو ما يتطلب بالضرورة الحفاظ
على حد أدنى من التنسيق، أو على الأقل
عدم تجذير الخلاف مع الولايات المتحدة
وبريطانيا.
وربما
يمكن الحكم على الموقف الفرنسي دون
مبالغة بمقارنته بالموقف الألماني.
فرغم أن ألمانيا لم تدخل في مواجهة
علنية مع واشنطن أو تتزعم "جبهة الرفض"
في الأمم المتحدة كما فعلت فرنسا، فإن
برلين أعلنت موقفها بوضوح وصراحة من
البداية، حيث أكدت رفضها ضرب العراق؛
وأعلنت كذلك أنها لن تشارك في العمليات
العسكرية المزمعة، وهو ما لم تفعله
باريس حتى الآن، وهذه
عادة فرنسية، فدائماً تتحفظ أو تنتقد أو
ترفض لكنها في النهاية تشارك، ولا
يفوتها موعد اقتسام الغنائم!
بريطانيا..
شذوذ مفهوم!
على
خلاف الموقف الأوربي عامة والفرنسي
خاصة، تأتي دائماً مواقف بريطانيا
مؤيدة لسياسات الولايات المتحدة
الأمريكية بشكل مطلق، حتى يحق للمراقب
أن يتساءل عما إذا كانت بريطانيا دولة
أوربية فعلاً أم ولاية أمريكية؟
وهو
تساؤل مشروع في ظل النفور البريطاني
الدائم من كل ما هو أوربي، فلولا خشية
بريطانيا العزلة لما انضمت إلى مؤسسات
وأجهزة الاتحاد الأوربي، بل إنها
بالفعل تمتنع عن الانخراط في بعض تلك
الأجهزة والمؤسسات، ورفضها الانضمام
حتى الآن إلى منطقة اليورو أبرز مثال
على ذلك.
وترجع
هذه النزعة البريطانية غير الأوربية
إلى أسباب عديدة، ليس أقلها أهمية
افتقاد بريطانيا لوضع الدولة
الإمبراطورية الذي كانت تتمتع به حتى
الحرب العالمية الثانية، وتطلعها
دائماً إلى القوة العظمى القائمة في
العالم، اجتراراً لحالة الإمبراطورية
التي خُلعت عنها، وتعويضاً في الدور
الأمريكي عن دورها المفقود.
كذلك
على المستوى الجيوإستراتيجي، تعاني
بريطانيا غياب الفضاء الحيوي الخارجي.
ففرنسا تتمتع بنفوذ وحضور قوي في
أفريقيا، فضلاً عن حضورها الإقليمي في
القارة الأوربية ذاتها، وهو ما يبدو
جلياً أكثر بالنسبة لألمانيا التي تمثل
قلب القارة الأوربية وتلعب دوراً
إقليمياً رئيسياً في التفاعلات
الأوربية الداخلية، خاصة تلك المتعلقة
بالعلاقة بين شرق أوربا وغربها، بينما
تجد إيطاليا ذاتها طرفاً ذا مسؤولية في
الوضع الإقليمي الفرعي لجنوب أوربا
بامتداداته إلى مياه المتوسط وسواحله
الجنوبية.
وفي
المقابل ليس لدى بريطانيا إطار إقليمي
يتيح لها الحضور والظهور؛
لذا فهي تجد فرصة ممارسة النفوذ في
منطقة "الشرق الأوسط"، فالمحيط
الأطلنطي مجال حيوي لأمريكا، والبحر
المتوسط منطقة أوربا الفرنسية
والألمانية والإيطالية، وما من حضور
بريطاني في آسيا أو أفريقيا باستثناء
بقايا التاريخ الاستعماري في شبه
الجزيرة الهندية.
وبالتالي
تعد منطقة "الشرق الأوسط" الساحة
الإقليمية المتاحة نسبياً أمام لندن
لممارسة دور خارجي والحفاظ على بعض
حضورها العالمي القديم.
وإذ
تشير المعطيات الإقليمية والعالمية إلى
وجود الولايات المتحدة كمنفذ وحيد يسمح
أو يمنع حضور أي طرف دولي آخر في شؤون
المنطقة، فإن
الدخول إلى المنطقة من خلال واشنطن يصبح
ضرورياً من وجهة النظر البريطانية.
كما
أن بريطانيا معزولة فعلاً عن بقية أوربا
جغرافياً، لذا فليس لديها الهواجس
الأمنية التي تعاني منها أوربا، كما لا
تشارك بقية الأوربيين همومهم وقضاياهم
الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
ويستدعي
هذا بالضرورة العوامل الثقافية
والنفسية. فلدى البريطانيين شعور راسخ
بالتعالي والتميز عن بقية الأوربيين،
وتعتبر بريطانيا أنها أقرب إلى
الأمريكيين ذوي الأصول الأنجلوسكسونية
المشتركة بينهما. ورغم أن الأمريكيين
عرقياً خليط من أصول وأجناس وأعراق عدة،
فإن النموذج الأمريكي يظل هو الأقرب
للإنجليز من وجهة نظرهم.
ومحصلة
هذه العوامل مجتمعة أن بريطانيا تلعب
بامتياز دور البطولة الثانية عالمياً
بعد الولايات المتحدة، وتتمسك بهذا
الدور بشدة اقتناعاً منها بجدواه
وملاءمته، بدلاً من الدخول في معركة غير
مضمونة على الدور الأول في ساحة أوربية
شائكة يشغلها منافسون أقوياء تترفع
لندن عن منازلتهم.
المواقف
على قدر المصالح
يلاحظ
أن درجة التماسك والقوة في مواجهة
التحركات الأمريكية تتناسب طردياً مع
مستوى التوقعات من المستقبل بالنسبة
لكل طرف.
ويمكن في ضوء ذلك تفهم لماذا اتخذت
فرنسا هذا الموقف المتشدد تجاه الخطوة
الأمريكية، ولماذا لم تذهب في هذا
التشدد إلى أبعد من ذلك الحد، بينما
انتحت ألمانيا جانباً واتخذت موقفاً
أقل براجماتية لكنه أكثر عملية وحزماً،
برفض الضربة ورفض المشاركة فيها، لكن
دون الدخول في مواجهات أو صراعات
إعلامية أو دبلوماسية.
فالمسألة
ببساطة أنه على قدر المصالح تأتي
التحركات.
فليس لألمانيا طموحات إقليمية في "الشرق
الأوسط"، وليس من المنتظر أن تُمنح
دوراً أكبر مما تملكه حالياً، كما لا
تتوقع أية عائدات اقتصادية مغرية
بالنسبة لها سواء تعرض العراق لضربة
عسكرية أم لا؛ وبالتالي فهي في حل من أي
التزام سواء تجاه العراق ودول المنطقة
أو تجاه واشنطن. لذا كان المحرك في
موقفها هو تقييمها الإجمالي للمشهد
الراهن، وما يستتبعه من احتمالات
متوقعة لضرب العراق، تصب في النهاية على
مجموع التوازنات الدولية التي تتأثر
برلين بها بالضرورة.
أما
بالنسبة لفرنسا فالوضع جد مختلف، فلها
مصالحها الاقتصادية في عراق صدام،
وتتطلع أو تتعرض لإغراءات بمصالح أخرى
في عراق ما بعد صدام، بعضها نفطي وبعضها
تجاري، فضلاً عن كون التطورات
والتوازنات "الشرق أوسطية" جزءاً
من المنظومة الإستراتيجية الخارجية
الفرنسية كقوة كبرى لها حساباتها تجاه
القوى الكبرى الأخرى في أكثر من منطقة
إقليمية.
إذن
فالموقف الأوربي من الأزمة العراقية
الراهنة يتسم ببراجماتية عالية بخلاف
ما قد يبدو في الظاهر من راديكالية في
موقف بريطانيا مع التحرك الأمريكي،
وموقف فرنسا ضده..
فواقع الحال أن وتيرة الاندفاع
الأمريكي نحو ضرب العراق وقلب الطاولة
الإقليمية استثارت الشعور بالخطر لدى
حلفاء واشنطن الأوربيين، ليس شعوراً
بالخطر على منطقة "الشرق الأوسط"
بحد ذاتها، لكن الخطر على مصالحها
وحضورها الإقليمي في هذه المنطقة
المهمة من العالم، وكذلك الخطر على
حضورها العالمي في ظل وضع قلق لم يستقر
بعد.
وعليه..
يمكن القول بأن أهداف أوربا من إدارتها
للأزمة العراقية الحالية ليست الحفاظ
على وحدة العراق، ولا حماية التماسك
الإقليمي في المنطقة العربية،
كما لم يكن يوماً الحد من التدخل
الأمريكي في شؤون المنطقة هدفاً لأوربا..
فلو كان أي من تلك الأهداف قائماً لسعت
أوربا لتحقيقه منذ سنوات ولو أرادت
لنجحت وإن جزئياً.
وفي
الحالة العراقية، نجد أن أوربا لا تتحدث
عن مبدأ عدم المساس بوحدة العراق، ولا
تهتم بما قد يترتب على الخطوة الأمريكية
من فوضى أو تداعيات إقليمية.. لكنها قبلت
الحلول التوفيقية ودخلت في مساومات حول
الطريقة التي يمكن لواشنطن أن تنفذ بها
تهديداتها؛ وأن يكون ذلك تدريجياً وتحت
غطاء دولي وقانوني مقبول، والأهم أن
يكون الثمن أوربياً مقبولا.
اقرأ
أيضا:
باحث في الشؤون السياسية- القاهرة
|