 |
|
الجنائز مناسبات لإبراز التضامن والإصرار على النضال
|
منذ
اندلاع انتفاضة الأقصى في التاسع
والعشرين من أيلول/ سبتمبر من العام 2000،
حددت الحكومة الإسرائيلية آنذاك برئاسة
إيهود باراك هدفا سياسيا محددا للحرب
التي تشنها من أجل القضاء على هذه
الانتفاضة، ألا وهو إقناع الفلسطينيين
بأنهم عن طريق القوة لن يستطيعوا مطلقا
إجبار إسرائيل على "تقديم تنازلات
سياسية" لهم، لم تقدمها خلال
المفاوضات، بحيث تدرك قيادة السلطة
الفلسطينية أنه لا مناص من العودة
لطاولة المفاوضات كخيار وحيد.
هناك
أهمية كبيرة لحقيقة أن الانتفاضة
اندلعت بعد فشل مؤتمر "كامب ديفيد"،
حيث ادعى ممثلو إسرائيل والإدارة
الأمريكية أن باراك قد عرض على ياسر
عرفات تسليمه 94% من الضفة الغربية، وكل
قطاع غزة، مع تقاسم وظيفي في القدس، إلى
جانب صيغة لحل رمزي لقضية اللاجئين
الفلسطينيين، وقدمت وسائل الإعلام
الإسرائيلية الأمر كما لو أن باراك قد
قدم أقصى التنازلات الإسرائيلية، لكن
الأخير أصر على رفض عروض السلام
الإسرائيلية "السخية"، واختار
بدلا من ذلك خيار المواجهة عبر استغلال
زيارة شارون للأقصى لإشعال فتيل
الانتفاضة من أجل إجبار حكومة إسرائيل
على تقديم مزيد من التنازلات.
في
ظل هذه الظروف تحقق في إسرائيل إجماع
نادر، إذ استطاع باراك في حينه إقناع
الرأي العام الإسرائيلي وحتى النخب
الثقافية ذات التوجهات الليبرالية
اليسارية بأنه لا مناص من اتباع سياسة
"ليّ الذراع" من أجل "إعادة
قيادة السلطة إلى رشدها"، حسب تعبير
باراك في ذلك الوقت، وأن السبيل لذلك هو
استخدام قدر من القوة العسكرية يصعق
الفلسطينيين ويجبرهم على إعادة تقييم
مواقفهم، والعودة إلى طاولة المفاوضات
على أسس كامب ديفيد الثانية.
الثابت
والمتغير في التعامل الإسرائيلي
وعند
حديثنا عن الثابت والمتغير في السياسة
الإسرائيلية في مواجهة الانتفاضة، تجدر
الإشارة إلى ملاحظة مهمة في هذا السياق،
وهي أن إسرائيل في عهدي باراك وشارون
أخضعت معايير استخدام القوة العسكرية
لطبيعة الأهداف السياسية
والإستراتيجية التي وضعتها كل من
الحكومتين.
فحكومة
باراك آمنت بأن القمع سيكون وسيلة
لإقناع قيادة السلطة الفلسطينية
بالعودة لطاولة المفاوضات للبحث من
جديد حول ما طُرح في قمة "كامب ديفيد"،
في حين أن شارون اعتبر أن القمع العسكري
يجب أن يؤدي إلى تحقيق هدف سياسي
إستراتيجي من الطراز الأول، وهو إعادة
الفلسطينيين إلى المربع الأول قبل
التوقيع على اتفاق أوسلو.
إعداد
عسكري مسبق
بات
الآن واضحا أن جميع وسائل الحسم العسكري
التي تحاول دولة الاحتلال الاستعانة
بها من أجل إخضاع الشعب الفلسطيني،
وإنهاء انتفاضته قد تم إعدادها منذ صيف
العام 1998، وذلك كعملية استخلاص عِبَر
قام بها جيش الاحتلال في أعقاب اندلاع
هبة النفق في صيف العام 1996، التي أُخذت
فيها إسرائيل وجيشها على غِرّة. وكما
بات واضحا الآن أن ما تم خلال انتفاضة
الأقصى كان في الحقيقة إقرارا لخطط
أُعدت سلفا، مع إدخال بعض التعديلات حسب
الظروف الميدانية.
وقد
تدرجت وسائل القمع الإسرائيلي مع
الوسائل التي اتبعها الفلسطينيون في
المقاومة، فمنذ اندلاع الانتفاضة اعتمد
الفلسطينيون على مظاهر الاحتجاج
الجماهيري ضد الاحتلال، مثل إلقاء
الحجارة على المواقع العسكرية
الإسرائيلية ووسائط النقل التي يستقلها
المستوطنون اليهود، فكان جيش الاحتلال
يرد بعمليات إطلاق نار عشوائي ضد جموع
المتظاهرين، وفي الوقت نفسه جرت عمليات
اغتيال لعدد من قادة الفصائل
الفلسطينية وأنصارها، لكن وتيرة عمليات
الاغتيال كانت بطيئة وانتقائية إلى حد
كبير. وقد استمر هذا الأمر لمدة 4 أشهر،
وكانت خسائر الفلسطينيين كبيرة إلى حد
بعيد، حيث إنه سقط 17 فلسطينيا مقابل كل
إسرائيلي يُقتل.
هذه
النتيجة دفعت فصائل المقاومة إلى تصعيد
عملياتها، فانتقلت إلى القيام بالكمائن
المسلحة، وعمليات التسلل إلى قلب
المستوطنات، والعمليات الاستشهادية،
سواء في قلب إسرائيل، أو ضد أهداف الجيش
والمستوطنين في الأراضي الفلسطينية
المحتلة. وفي المقابل طورت آلة الحرب
الإسرائيلية من وسائلها في قمع الشعب
الفلسطيني عن طريق التوسع في تنفيذ
عمليات الاغتيال، وقد استخدمت قوات
الاحتلال وسائل لم يتم اتباعها في تنفيذ
هذه العمليات مثل استخدام الطائرات
المقاتلة النفاثة، كما حدث في عملية
اغتيال قائد الجهاز العسكري لحركة حماس
صلاح شحادة في غزة، شهر أغسطس 2002، وكانت
العملية مجزرة راح ضحيتها 17 شخصا. إلى
جانب ذلك قامت قوات الاحتلال باجتياح
مناطق السيادة الفلسطينية في الضفة
الغربية وقطاع غزة من أجل تنفيذ عمليات
اختطاف واعتقال واسعة النطاق، واتجهت
إلى تدمير عشرات البيوت، وتجريف آلاف
الدونمات من الأراضي الزراعية، وفرض
الحصار والإغلاق على الأراضي
الفلسطينية، وتقييد تحركات
الفلسطينيين كصور من العقاب الجماعي ضد
الشعب الفلسطيني.
وفي
موازاة لذلك أقدمت قوات الاحتلال على
تدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية في
الضفة الغربية وقطاع غزة، وأصبح هذا أحد
أشكال التعاطي الإسرائيلي في معاقبة
السلطة الفلسطينية.
شارون:
ما لا يمكن إنجازه بالقوة يُنجز بمزيد
من القوة
ثلاثة
أرباع عمر الانتفاضة كانت إسرائيل-وما
زالت- تحت حكم شارون، لذا هناك أهمية
للتعرف على كيفية توظيف شارون لوسائل
القمع العسكري التي يستخدمها في مواجهة
الانتفاضة لخدمة أهداف اليمين السياسية.
ويمكن إيجاز تعاطي شارون مع الانتفاضة
بعدة كلمات: ما لا يمكن إنجازه بالقوة
يُنجز بمزيد من القوة ، على اعتبار أن
شارون يستثني كل الخيارات عدا الحسم
العسكري.
وقد
تعدت أهداف استخدام القوة بالنسبة
لشارون مجرد إنهاء الانتفاضة، وقد
وظفها على النحو الآتي:
1-
عبر استخدام القوة العسكرية نجح شارون
في إفشال كل التحركات السياسية التي
قادتها الأطراف العربية والفلسطينية
والدولية من أجل إيجاد مخرج سياسي للوضع
الراهن. فشارون يدرك أنه في حال نجاح هذه
التحركات فإنه سيكون مطالبا بتقديم
هامش مرونة عملي، على سبيل المثال:
التعهد بوقف الاستيطان، أو استئناف
إسرائيل لتنفيذ التزاماتها في أوسلو
وما بعدها، من هنا كانت عمليات الاغتيال
الشهيرة التي تمت في عهد شارون، كانت
بالضبط بعد سلسلة من التحركات السياسية
الهادفة لتسوية ما.
2-
أدرك شارون الحاجة لخلط الأوراق من
جديد، فقد رأى شارون في السلطة
الفلسطينية كيانا سياسيا ذا بعد عربي
ودولي وإقليمي وعائقا أمام قدرة دولة
الاحتلال على قمع انتفاضة الشعب
الفلسطيني، أو أي انتفاضة في المستقبل
في أقل حجم من الضغط الدولي والعربي،
لذا وظف شارون القوة من أجل تدمير
مؤسسات السلطة الفلسطينية وأجهزتها
الأمنية ومعالمها السيادية بشكل كامل،
لا سيما في الضفة الغربية التي تمثل
أكثر من 80 % من مساحة إقليم السلطة.
بالطبع تم ذلك تحت غطاء لا نهائي من
الحجج التي تربط السلطة وأجهزتها
بالعمل المقاوم الهادف لتدمير إسرائيل،
على حد الدعاية الإسرائيلية.
3-
اعتبر شارون أن الإفراط في استخدام
القوة -إلى جانب توسيع العقوبات
الجماعية ضد الفلسطينيين- يعمل على خفض
سقف التوقعات لدى الفلسطينيين عامة،
وقد نجح شارون في تحقيق هذا الهدف بشكل
جزئي، على الأقل على المستوى الرسمي
الفلسطيني؛ فقد أصبح معظم الناطقين
بلسان السلطة يؤكدون أنهم مستعدون
للقبول بوقف العمل المقاوم ضد إسرائيل
في حال إعادة جيش الاحتلال لانتشاره في
الخطوط التي كان ينتشر فيها عشية اندلاع
الانتفاضة.. وتبخرت بالتالي المطالب
السياسية الأخرى.
4-
كما كان عليه الحال مع معظم زعماء
إسرائيل، فإن شارون يعمل على محاولة دق
إسفين بين الشعب الفلسطيني والمقاومة
الفلسطينية. فسماح شارون بعدة آلاف من
العمال الفلسطينيين بالعودة لمزاولة
أعمالهم في إسرائيل، والإعلان أن
السماح بمزيد من العمال سيكون متوقفا
على الهدوء الأمني، يهدف -كما قال جدعون
ساعر سكرتير حكومة شارون- إلى أن "ينتفض
الفلسطينيون ضد حركات المقاومة نفسها،
لأنهم سيدركون أن عمليات المقاومة
ستعني القضاء على فرص العمل داخل
إسرائيل، في الوقت الذي تبلغ فيه الأزمة
الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية حدا
غير مسبوق، وتدرك حركات المقاومة
الفلسطينية خطورة هذا التكتيك
الإسرائيلي.
استغلال
أحداث 11 سبتمبر
لا
يختلف اثنان على أن أحداث 11 سبتمبر شكلت
تحولا واضحا في التعاطي الإسرائيلي مع
الانتفاضة الفلسطينية؛ فبعد هذا الحدث
التاريخي لم تعد إسرائيل نفسها في حاجة
لتبرير عمليات القمع التي تقوم بها
من أجل قمع الانتفاضة، فقد حسمت إدارة
بوش الأمر باعتبارها المقاومة
الفلسطينية شكلا من أشكال الإرهاب،
ويجب التعامل معها حسب المعايير التي
يجب التعامل بها مع "القاعدة"
وحركة "طالبان". من هنا يجب الإشارة
إلى أن تجرؤ شارون على شن كل من حملة "الجدار
الواقي" و"الطريق الصارم" جاء
بعد أن ضمن الغطاء الأمريكي للقيام
بهما، مع أن هاتين الحملتين هما اللتان
غيرتا شكل الضفة الغربية بشكل جذري، حيث
أعادت إسرائيل نهائيا احتلال جميع
المدن الفلسطينية باستثناء مدينة أريحا.
إلى ذلك نجح شارون في تحقيق هدف كان من
غير الممكن أن يحققه لولا أحداث 11
سبتمبر، عندما اقتنعت
واشنطن بضرورة تغيير بعض أنظمة
الحكم في المنطقة كآلية لخدمة المصالح
الأمريكية، بحجة محاربة الإرهاب.
وقد
استغل شارون ذلك ليشترط إجراء إصلاحات
هيكلية في أجهزة السلطة الفلسطينية
وتغيير قياداتها. وأقنع شارون بوش أنه
لا يمكن التوصل لأي تسوية مع
السلطة الفلسطينية في ظل قيادة
عرفات، وأصبح لا يكفي وقف الانتفاضة لكي
يوقف شارون حملته الأمنية، فظهور قيادة
فلسطينية جديدة وفق المعايير
الإسرائيلية - الأمريكية أصبح متطلبا
سابقا لأي مرونة من قبل شارون.
الإعداد
الإسرائيلي المسبق لمواجهة الانتفاضة
إلى جانب استغلال الظروف الدولية، فضلا
عن الحرص على وجود إجماع إسرائيلي داخلي
خلف البرنامج الأمني في المواجهة مع
الفلسطينيين لعب دورا حاسما في تمكين
شارون من فرض إملاءات جديدة وتسجيل نقاط
في هذه المواجهة، فمسئولو السلطة
والنخب المرتبطة بها يعبرون صراحة عن
ندمهم بسبب رفضهم لمقترحات باراك في "كامب
ديفيد"، والمطالبة بتغيير قيادة
السلطة أصبحت على جدول الأعمال
الفلسطيني، إلى جانب تآكل الإجماع
الشعبي خلف عدد من صور الكفاح المسلح.
لكن في المقابل، وعلى الرغم من كل ذلك
فإن ما قام به شارون فشل في القضاء على
المقاومة الفلسطينية التي تظل جذوتها
متّقدة بحكم حقائق الصراع وعدم قابلية
الشعب الفلسطيني لتسوية لا تلبي
طموحاته ولو في حدودها الدنيا، وإصراره
على عدم الاستسلام.
اقرأ
أيضًا:
**
محلل سياسي فلسطيني- غزة
|