|
كالعادة
تبدأ الانتخابات النيابية -وغيرها من
الانتخابات- في اليمن قبل موعدها بفترة
طويلة، قد تصل إلى عام كامل، ينشغل فيها
فرقاء السياسة اليمنية في الخلاف حول
التحضيرات الأولية للانتخابات ومدى
سلامة إجراءاتها! وفي كل مرة تشتد
الخلافات، وتتطاير الاتهامات، وتتبادل
صحافة الأحزاب حملات شرسة، وترتفع
حرارة الوسط السياسي إلى درجة يخيل
للمراقبين أن الأوضاع على وشك الانفجار.
هذا
الاحتقان السياسي بين المعارضة والحزب
الحاكم الذي تعيشه اليمن مع مرحلة
التحضيرات الأولية للانتخابات تعود
أسبابه إلى حقيقة أن كل الانتخابات
اليمنية والتحضيرات الخاصة بها -منذ
اعتماد نظام التعددية السياسية عام 1990م-
قد جرت تحت هيمنة السلطة الحاكمة!
وبالتالي، فإن هذه الهيمنة كانت تعني أن
السلطة كانت تحكم قبضتها على مجريات
عمليات القيد والتسجيل؛ وتستغل سيطرتها
على إمكانيات الدولة لضمان تسجيل أكبر
عدد ممكن من الأسماء!
مشكلة
تصحيح الجداول
ومنذ
عام 1996م، بدأت المعارضة تثير قضية هذه
السجلات، وتطالب بتنقيتها من الأسماء
المكررة والأسماء الوهمية وأسماء
الموتى وصغار السن! وأدت هذه المطالبة
التي تزعمها حزب الإصلاح الإسلامي عام
1996م إلى توتر علاقاته مع حليفه وشريكه
الأكبر في السلطة آنذاك (المؤتمر الشعبي
العام)! كما أدت إلى فتح حوار بين
الإسلاميين من جهة والاشتراكيين
والقوميين من جهة أخرى.. وهو الحوار الذي
نما ببطء -ولكن باستمرار- حتى نجحت
أطرافه في تكوين ما يسمى بـ "اللقاء
المشترك" الذي يقود المعارضة الآن في
مواجهة حزب المؤتمر الحاكم الذي يتزعمه
الرئيس اليمني علي عبد الله صالح!
وطوال
السنوات الماضية، ظلت مشكلة جداول
الناخبين -المشكوك في صحتها- مطروحة
كلما اقترب موعد انتخابات ما! وفي عام 1998م
اتخذ مؤتمر عام للإصلاح قراراً بعدم
المشاركة في أي انتخابات ما لم يتم
تصحيح جداول الناخبين؛ لكن الرئيس
اليمني ناشد "الإصلاح" ليعدل عن
قراره، ويشترك في الانتخابات
والاستفتاء! واضطُّر الإسلاميون إلى
عقد مؤتمر عام استثنائي لإعادة النظر في
قرار المقاطعة! وحضر الرئيس اليمني
بنفسه إلى قاعة المؤتمر –في أول بادرة
من نوعها- لمطالبة المؤتمرين بالتراجع
عن قرار المقاطعة، مؤكداً لهم أن عملية
تصحيح الجداول الانتخابية عملية طويلة،
كما عرض عليهم ما يفيد تصحيح أكثر من 30
ألف اسم بصورة فعلية.
وبعدما
عدل الإسلاميون عن قرار المقاطعة،
وشاركوا في عملية الاستفتاء
والانتخابات المحلية (فبراير 2001)،
اصطدموا بقوة مع الحزب الحاكم أثناء
الانتخابات، بعدما ظهر أنهم منافسون
شرسون له! وأدت تلك الحوادث إلى وصول
العلاقة بين الطرفين إلى نهاية متوترة!
واعتبر الحزب الحاكم -منذ ذلك الحين- أن
الإسلاميين هم المنافس الأول والخصم
العنيد له! وازداد هذا التقييم رسوخاً
في الشهور الأخيرة، عندما نجح
الإسلاميون في قيادة أحزاب "اللقاء
المشترك" للمطالبة بتشكيل اللجان
الانتخابية الجديدة -المكلفة بإعداد
جداول انتخابية جديدة- بصورة أكثر
توازناً ووفق معايير موضوعية، وبحيث لا
يتحكم أي حزب بأي لجنة انتخابية تحكماً
كاملاً!
حوار
دون نتيجة
وأثارت
مطالب المعارضة هذه غضب الحزب الحاكم
الذي طالب بتمثيل الأحزاب وفق حجمها
البرلماني؛ ما يعني أن تكون له أغلبية
كبيرة في عضوية اللجان سوف تسمح له بأن
يسيطر سيطرة كاملة على عدد كبير من
اللجان! لكن المعارضة اعتبرت أن هذا
الأمر سوف يخل بحيادية عمل اللجان،
ويوفر أسباباً قوية للتشكيك في سلامة
الجداول الانتخابية الجديدة، وبالتالي
سوف تستمر أزمة الانتخابات دون حل!
وزاد
من سوء الحالة أن اللجنة العليا
للانتخابات -وهي لجنة يفترض فيها
الحيادية- فشلت في أن تؤدي دوراً حاسماً
في التوفيق بين وجهتي النظر
المتناقضتين! وكلما أحست المعارضة أن
اللجنة العليا للانتخابات توشك أن
تنصاع لضغوط الحزب الحاكم -الذي يملك
أغلبية فيها- تشددت المعارضة في التمسك
بموقفها الداعي إلى تشكيل اللجان
الانتخابية وفق معايير موضوعية محددة،
مؤكدة أن مشاركتها في التحضيرات
الأولية مرتبطة بذلك!
وفي
مقابل عجز اللجنة العليا عن حسم الخلاف،
بدأت حوارات بين الحزب الحاكم
والمعارضة للوصول إلى اتفاق تعتمد عليه
اللجنة! لكن أسبابا شتى حالت دون وصول
الحوارات إلى صيغة نهائية للحل؛ حيث
كانت المعارضة تطالب بأن يكون عدد
الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب في
انتخابات 1997م هو أحد المعايير، بينما
طالب حزب المؤتمر الحاكم باعتماد معيار
عدد المقاعد التي يمتلكها كل حزب في
البرلمان، حيث يمتلك الحزب الحاكم أكثر
من ثلثي عدد المقاعد (حوالي 225 مقعداً من
300 مقعد).
ومع
استمرار الحوار دون نتيجة، بدأ ظهور
معادلة سياسية طرفاها الحزب الحاكم من
جهة وأحزاب "اللقاء المشترك"، وفي
مقدمتها تجمع الإصلاح الإسلامي من جهة
ثانية! ولا شك أن صمود أحزاب "اللقاء
المشترك" في وجه الضغوط أفشل مراهنات
الطرف الأول على شقها وتفكيك تحالفها!
وأثبت أنه يمكن مواجهة النفوذ الكاسح
للسلطة الحاكمة وإمكانيات الترغيب
والترهيب التي لوحت بها وصحبتها حملة
إعلامية شرسة حاولت –عبثاً- دق إسفين في
العلاقة بين الإصلاح والأحزاب الأخرى
المتحالفة معه!
وفي
آخر محاولة للترهيب، أعلنت اللجنة
العليا للانتخابات أنها قررت استبعاد
كل الأحزاب، وتشكيل اللجان من العاملين
في قطاع التربية والتعليم! وبدأت باتخاذ
خطوات فعلية! لكن المعارضة صمدت صمودها
الأخير، وأعلنت اعتراضها على قرار
اللجنة العليا؛ لأن القانون ينص على أن
يتم تشكيل اللجان من الأحزاب؛ وجددت
مطالبتها باعتماد المعايير الموضوعية
في تشكيل اللجان الانتخابية، وحمّلت
اللجنة العليا مسؤولية الآثار السلبية
لقرارها!
المعارضة
مصرّة على موقفها
ويبدو
أن صمود المعارضة في وجه الإغراءات
والتهديدات ومحاولات تفكيك وحدتها قد
أقنع الحزب الحاكم أنه لا مناص من إعادة
النظر في مواقفه المتشددة؛ ولا سيما أن
المعارضة كما نجحت في المحافظة على وحدة
موقفها، نجحت –إلى حد كبير- في تضمين
خطابها الإعلامي والسياسي مبررات
معقولة، عندما طالبت باعتماد معايير
موضوعية محددة عند تشكيل اللجان
الانتخابية، وهو مطلب معقول من الصعب
الاعتراض عليه، كما أنه اكتسب تعاطفاً
عند الرأي العام! وفي النهاية لم يجد
الحزب الحاكم واللجنة العليا
للانتخابات مناصاً من التجاوب مع مطالب
المعارضة إلى حد كبير.
وبصورة
مفاجئة تم الإعلان عن التوصل إلى حل بين
اللجنة والمعارضة والحزب الحاكم، يتم
فيه تقسيم عضوية اللجان بين طرفي الخلاف
بنسبة 40% للمعارضة و52% للحزب الحاكم
وحلفائه، و8% تمنح للجنة العليا نفسها..
واعتبرت المعارضة أن نسبة 40% الممنوحة
لها كافية لوجود ممثليها في كل لجنة
تقريباً؛ وهو ما يسمح بتوفر رقابة
مشتركة تخفف من احتمالات حدوث مخالفات
كبيرة في عملية قيد الناخبين!
من
الأزمة الصغرى إلى الأزمة الكبرى
انتهت
أزمة تشكيل اللجان الانتخابية، لكن
آثارها السياسية ما زالت مستمرة..
فالعلاقات بين أحزاب اللقاء المشترك
والحزب الحاكم تبدو في حالة بائسة، ولا
سيما أن الاتفاق الأخير -الذي أنهى
الأزمة- بدا وكأنه هزيمة سياسية للحزب
الحاكم وللجنة العليا للانتخابات!
وانعكست هذه الحالة في فعاليات الدورة
الثانية لمؤتمر الحزب الحاكم التي
انعقدت في نهاية أغسطس الماضي برئاسة
الرئيس اليمني علي عبد الله صالح!
ولوحظ
أن الخطاب السياسي والإعلامي للمؤتمر
طغت عليه نبرة حادة ضد المعارضة،
وتحميلها مسؤولية ما وصف بأنه تردٍ في
الممارسة السياسية وممارسة الابتزاز
والإساءة لليمن! وامتنع الحزب الحاكم عن
دعوة ممثلي المعارضة إلى حضور الجلسة
الافتتاحية وإلقاء كلمات تهنئة؛ وهو
تقليد متبع في كل مؤتمرات الأحزاب
اليمنية! واعتبرت الصحافة –كما اعتبر
المراقبون- أن ذلك مؤشر على ضيق الحزب
الحاكم بوجود المعارضة أصلاً! وزاد من
حساسية الموقف أن الرئيس اليمني ألقى
خطابين بالمناسبة نفسها، شن فيهما
هجوماً لاذعاً على المعارضة دون أن
يسميها.
كما
لوحظ أنه عندما رحب بالضيفين الوحيدين
في الجلسة الافتتاحية -وهما الشيخ عبد
الله الأحمر والشيخ عبد المجيد
الزنداني- أشار إليهما بصفتهما الرسمية:
الأول كرئيس مجلس النواب، والآخر كعضو
سابق في مجلس الرئاسة اليمني (93-1994م)،
وتجاهل مواقعهما الحزبية القيادية في
تجمع الإصلاح الإسلامي!
صالح
ينتقم "لكرامته"
وبصورة
عامة، فقد تعاملت وسائل الإعلام
الرسمية مع حدث انعقاد مؤتمر الحزب
الحاكم بصورة وصفتها المعارضة بأنها لا
تتفق مع الحيادية المفترضة في نظام
سياسي يقوم على التعددية الحزبية! وأعطى
الاهتمام الإعلامي المبالغ فيه للمؤتمر
انطباعاً عاماً بأن ما يجري رسالة
للمعارضة بأنها تواجه "الدولة"
كلها وليس حزباً في السلطة فقط!
بالإضافة إلى كل ذلك، شنت صحافة الحزب
الحاكم حملات شرسة ضد المعارضة، أوحت
بأن الفترة المتبقية على الانتخابات
النيابية القادمة ستكون مليئة بالإثارة
والتراشقات الإعلامية، وفتح الملفات
حول كل القضايا المثارة بين الطرفين!
وبغض
النظر عن التوتر الإعلامي القائم بين
الحزب الحاكم والمعارضة، فالطرفان
منصرفان الآن لتجسيد اتفاق تشكيل
اللجان الانتخابية التي يتوقع أن تبدأ
في منتصف سبتمبر الجاري أو في بداية
أكتوبر القادم.. وفي العادة، فإن فترة
التسجيل وقيد الناخبين تشهد هي الأخرى
توتراً واتهامات متبادلة بسبب معرفة
الجميع أن ما يحدث فيها- إيجاباً أو
سلباً- ينعكس على المراحل الانتخابية
الأخرى.
وما
إعادة تسجيل الناخبين إلا نتيجة لقناعة
شبه سائدة بأن مراحل التسجيل السابقة
شهدت حدوث حالات تزوير كبيرة أثرت على
نتائج الانتخابات؛ وبالتالي فرضت
مطالبة المعارضة إعادة تسجيل الناخبين
من جديد لتلافي الأخطاء السابقة!
وفي
كل الأحوال؛ فإن الانتخابات اليمنية
الحاسمة في تاريخ اليمن السياسي سوف
تبدأ دستوريًّا في إبريل 2003م؛ لكن
أهميتها وخطورة انعكاساتها فرضت
بدايتها قبل موعدها بشهور طويلة، ومن
الواضح أنها ستكون فترة شد وجذب
متواصلين.
اقرأ
أيضا:
**
كاتب
يمني
|