|
بينما
يقسم الأمريكيون العالم إلى "محور شر"
و"محور خير"، بدأت تظهر بوضوح
معالم محور عربي رسمي جديد يمكن أن نطلق
عليه اسم محور "لا حول لنا ولا قوة"
بعدما أدلى العديد من القادة
والمسئولين العرب بتصريحات يسلمون فيها
بأن ضرب العراق أصبح أمرا واقعا لا راد
لقضاء أمريكا فيه!
فبعد
قول الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وزير
خارجية قطر: إن الأمة العربية لا تملك
سوى "دبلوماسية التوسل"، أعلن
الزعيم الليبي العقيد "معمر القذافي"
أن بلاده ستنصاع من الآن فصاعدًا "للشرعية
الدولية" بعد أن احتجت عليها لفترة
طويلة، رغم قناعتها أنها شرعية دولية
"مزورة".
وفي
حين سبقت التصريحات القطرية والليبية
تصريحات أخرى عربية رسمية تعارض ضرب
العراق، ولكنها تسلم بأنها قدَر لا
تستطيع أن تفعل شيئا تجاهه، جاءت
تصريحات أخرى من مسئولين عرب – كالأردن
– تشدد على النظر للمكاسب التي ستتحصل
عليها من ضرب العراق وعدم تكرار "خطأ"
عام 1991، وتطلب أن يكون ضرب العراق -كما
نقلت وكالة أنباء غربية عن مسئول حكومي
أردني سابق- "عملا جراحيا ناجحا وألا
يستمر شهورا ويحشد معارضة"!
ووسط
هذا الجو الرسمي المسالم الراضي
بالقضاء الأمريكي بدأ محور "الخير"
الأمريكي يستغل الفرصة، ويتمادى
بالدعوة لرشوة المجتمع المدني العربي
أيضا وشراء ذمم الإعلاميين العرب
والمحامين وغيرهم؛ حيث أكدت صحيفة "واشنطن
بوست" 31 أغسطس 2002 أن الخارجية
الأمريكية رصدت 25 مليون دولار لتمويل
برنامج يرمي إلى استمالة صحفيين ونشطاء
سياسيين وقيادات نقابية عربية في
محاولة لتعزيز سياستها في المنطقة.
والهدف
الرئيسي لهذا البرنامج – كما قيل - هو
"إيجاد صمامات أمان سياسية في
المنطقة التي تتزايد فيها المشاعر
المعادية للولايات المتحدة"!.
فالعقيد
القذافي الذي يوصف بأنه أحد صقور العرب
الباقين مع صدام حسين، فاجأ العالم في
الخطاب الذي ألقاه مساء السبت 31-8-2002
بمناسبة الذكرى الـ 33 لثورة الفاتح في
الأول من سبتمبر في مدينة "سبها"
جنوب طرابلس بإعلان استسلامه التام
للشرعية، مشددًا على أنه "لا يمكن إلا
أن نستسلم للشرعية الدولية مهما كانت
مزورة من قِبل أمريكا وإلا فسنداس
بالأقدام"!
ومع أنه حاول تبرير انضمامه لمحور
"لا حول لنا ولا قوة"، والتسليم بكل
شيء لأمريكا بوصف هذه الشرعية الدولية
بأنها مزورة وغير حقيقية، وتوجيه نقد
لاذع للجامعة العربية التي "لا معنى
لها.. وذليلة وفاشلة.. ولا تسوّي شيئًا"،
فقد دشن بذلك تحوّله إلى معسكر الحمائم
العرب ومؤسسي محور "لا حول لنا ولا
قوة"!
وقد سبق القذافي في الانضمام للمحور
الثالث الجديد العديد من القادة
والمسئولين السياسيين العرب، ليس فقط
في حالة ضرب العراق، ولكن أيضا في مسألة
نصرة القضية الفلسطينية ووقف العدوان
الصهيوني اليومي، حتى إن رئيس وزراء مصر
عاطف عبيد وقف – في حوار سابق مع صحيفة
عربية- يربط بين إمكانية تصدي مصر
لإسرائيل والدخول في حرب معها وبين
حصولها على 100 مليار دولار.
ومن
لم يعلن انضمامه للمحور بالتصريح، أعلن
عنه بالفعل، كما فعلت اليمن والسودان
ودول الخليج عبر التعاون مع أمريكا، أو
فتح قواعد عسكرية لها، أو مدها
بالمعلومات.
وربما
كانت تصريحات وزير الخارجية القطري من
أجرأ هذه التصريحات التي تقول بدون
مواربة بأن العرب لا حول لهم ولا قوة،
وأنه لا أحد لديه خطط لإنقاذ العراق من
الضربة المحتومة أو يملك تأخيرها، كما
أن أحدًا من القادة لا يجرؤ أيضا على فعل
شيء سوى معارضة الضربة وهذا أضعف
الإيمان!
ولذلك
رد الوزير القطري على سؤال بشأن الحاجة
إلى عقد قمة عربية لمناقشة التهديدات
الأمريكية للعراق بالتساؤل: "هل نحن
مستعدون في العالم العربي لاتخاذ
قرارات واضحة وحازمة؟".
وحتى
عندما نفى الوزير القطري أن تكون
الولايات المتحدة طلبت من قطر تسهيلات
عسكرية من أجل شن ضربة ضد العراق، لم ينف
أن قطر لا تملك منع أمريكا من استخدام
قاعدة "العديد" في الحرب
الأمريكية، وهو ما دعا المراقبين
لاستخلاص أن الدول العربية التي توجد
بها قواعد عسكرية أمريكية لا تملك
القدرة على منع أمريكا من استخدامها،
بدليل أن الرئيس بوش أعطى الإذن لقواته
باستخدام القواعد العسكرية في المنطقة
العربية ضد العراق.
ومع
ذلك تظل خطورة هذه التصريحات العربية
عموما والتي تصدر عن محور "لا حول لنا
ولا قوة" في أنها تعتبر أن العدوان
الأمريكي على العراق لم يعد محل شك،
وأنه متوقع في أي لحظة ولا راد له؛ بما
يعطي أمريكا ليس فقط الحجة للتحرك دون
بطء ولكن أيضا يشجع الرأي العام
الأمريكي المعارض على الموافقة طالما
أن محور "لا حول لنا ولا قوة"
مستسلم تماما.
المكاسب
أفضل!
ولأن
المعارض خسران وسوف تدوسه الأقدام كما
يقول القذافي، فقد بدأ البعض يعلن قبوله
علنا ويحسب مكاسبه قياسا على موقف سابق
خسر فيه الكثير عام 1991! ومن هؤلاء الموقف
الأردني؛ حيث إنه رغم معارضته للضربة
فإنه بدأ يحسب حساباته بمنطق الربح.
فقد
نقلت وكالة أنباء غربية يوم 31 أغسطس 2002
عمن وصفته بأنه "مسؤول كبير سابق في
الحكومة الأردنية" قوله: "دفعنا
ثمنا باهظا لموقفنا عام 1991 فلن نكرر
التاريخ وقد تغير الوضع الآن".
ودعا
الأمريكان لسرعة "التخليص" على
العراق بشرط أن يكون "عملا جراحيا
ناجحا وألا يستمر شهورا ويحشد معارضة".
ومعروف
أن المملكة الأردنية تحظى باهتمام
الإدارة الأمريكية، غير أنها تواجه
تحديات لا يستهان بها، ولم يحدث أن نالت
اهتمام المسؤولين والمشرعين والساسة
الأمريكيين كما يحدث الآن. كما لم يعقد
أي زعيم عالمي مثل هذا العدد الكبير من
اللقاءات الخاصة مع الرئيس الأمريكي
جورج بوش التي عقدها العاهل الأردني
الملك عبد الله على مدى العام الأخير.
النظام
الإقليمي العربي يتآكل
وقد
يثور سؤال عن سر هذا الاستسلام وتفسير
أسباب تشكل هذا المحور الجديد،
والإجابة ليست في حاجة لشرح كثير،
فالنظام الإقليمي العربي يتآكل منذ
سنوات، وقد تعرض لمحنتين أضرتا به بشدة
خلال فترة معاهدة كامب ديفيد 1978، ثم
أوسلو 1993 وجعلتا المواقف العربية تتخبط.
فقد
بدأت كل دولة عربية تتحرك وفق مصالحها
الخاصة، وأصبح من المعتاد – على سبيل
المثال – عندما تصدر قرارات من الجامعة
العربية ضد الدولة الصهيونية أن تخرج
تصريحات متضاربة حول استثناء مصر
والأردن من الاتفاق بسبب معاهدات
السلام مع إسرائيل!
بل
إن بعض الدول العربية كانت تستثني نفسها
من قرارات معينة بدعوى أنها تتضارب مع
مصالحها، وأخرى توقّع اتفاقات ويقوم
مسئولوها بزيارات لتل أبيب بدعوى تحقيق
المصلحة العربية رغم وجود قرارات
جماعية للقادة العرب بالمقاطعة.
ولهذا
لم يكن غريبا أن يعلن الأردن وتل أبيب
مثلا في قمة الأرض الحالية في جوهانسبرج
عن مشروع لتحلية مياه البحر الميت، على
الرغم من المحاولات الفلسطينية
المستميتة لحصار الوفد الإسرائيلي
والسعي لحشد مقاطعة الوفود له!
ولم
يكن غريبا أيضا أن يتقاطر الوزراء
الصهاينة على مصر، وأن يزور وزير
الخارجية القطري إسرائيل للقاء عرفات
وبيريز، وأن تعلن الجزائر تأييدها
لاحتلال الأسبان مؤخرا لجزيرة "ليلى"
المغربية وطرد الجنود المغاربة منها
والتصريح بأنها من حق الأسبان!!
الموقف
الشعبي يختلف!
ولا
يعني هذا الموقف الرسمي العربي المسالم
والموقع على وثيقة "محور لا حول لنا
ولا قوة" أن الموقف الشعبي العربي
يسير على نفس الدرب؛ فالموقف العربي
الشعبي أكثر ثباتا وصبرا وثقة في
المستقبل، وأكثر إصرارا على تحقيق
النصر في النهاية.
ورغم
عمليات القمع الرسمية لهذا الموقف
الشعبي لحد اعتقال وسجن وضرب دعاة
مقاطعة أمريكا ومساندي القضية
الفلسطينية في لجان دعم المقاومة
الفلسطينية الشعبية، فإن هذا المحور
الشعبي لا يستكين.
وحتى
الشعب الفلسطيني الذي يقف أمام خط
المواجهة ويسومه الصهاينة العذاب
والقتل والتنكيل كل يوم لم يستسلم.. ومن
أوساط الركام والنار والدمار يطل علينا
كل يوم تقريبا من يذكّر محور "لا حول
لنا ولا قوة" بأن هناك أملا، وأن هناك
مصيرا مختلفا، ومستقبلا أفضل بشرط
الثبات والصبر.
ولا
تمر جرائم الصهاينة إلا ويتبعها عملية
–أي عملية- فلسطينية جريئة تزلزل
الصهاينة وتضعف همتهم، وتثبّت محور "عدم
الاستسلام"، وتبرهن لمحور "لا حول
لنا ولا قوة" خطأ وفشل منطقه.
|