English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


لبنان يغلي على نار حرب الخليج الثالثة

26/08/2002

علي الشاب**

تُجمِع مراكز القرار السياسي في الدول العربية -كذلك الصحافة على اختلاف توجهاتها- على أن عملية عسكرية أمريكية يجري الإعداد لها في الدوائر العسكرية الأمريكية، وذلك كجزء من الحرب المعلنة التي تشنها الولايات المتحدة ضد ما تسميه "الإرهاب"، وتقرر أن مسرحها هو العالم بأسره. وإذا كان الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد قد شرحا بإسهاب الإستراتيجيات الأمريكية الجديدة للحرب الوقائية؛ أي ضرب الإرهاب قبل حدوثه، فقد وصف أحد الصحفيين هذه الحرب بأنها أشبه بالحرب ضد الأشباح؛ فأينما يتراءى للخيال الأمريكي الخصب شبح في مكان ما، فإن الحرب في هذا المكان ستكون مبررة وطنيا وأخلاقيا، ويتم حشد الجيوش لاجتثاث تلك الأشباح التي يصفها "رامسفيلد" نفسه بأنها "غير معروفة، وغير محددة، وغير قابلة للإمساك"!

وإذا كانت سياسة شارون المدعومة أمريكيا في فلسطين المحتلة تشهد إخفاقا بسبب صمود الشعب الفلسطيني وقواه المقاوِمة -على تنوعها-، فإن الإدارة الأمريكية تسعى إلى إحداث تغير إستراتيجي على ميزان القوى العام في الصراع العربي – الإسرائيلي؛ فهي تعمل على استدراج عروض فيما يتعلق بقضية "العراق" على أنغام طبول الحرب.

وقد بدأت المحادثات مع مختلف القوى في المنطقة لتحديد مستقبل هذا البلد "بعد صدام حسين"، ودخلت المعارضة العراقية على خط النقاش بكل تياراتها، كما دخل العديد من أنظمة المنطقة؛ فمنهم من راوده حلم قديم باستعادة عرش بائد منذ عشرات السنين، ومنهم من بدأ يمني النفس بتوسيع نطاق حدوده، وادعى حقًّا بأراضٍ عراقية إستراتيجية كالموصل وكركوك، وذلك كله ضمن وهْم بدأ يشيع مؤخرا، يعتبر أن هناك مصلحة أمريكية بإحداث تغيرات ما في المنطقة على أنقاض معاهدة "سايكس بيكو" التي أدت -بعد الحرب العالمية الأولى- إلى تقسيم المنطقة إلى دول ومناطق نفوذ للقوى الغربية.

انطلاقا من هذا الوضع فإن جميع دول المنطقة العربية وجوارها تشعر حتما بارتباك، وخاصة الدول المعروفة تاريخيا بصداقتها للولايات المتحدة، التي تتعرض لنوع من الابتزاز المهين أحيانا؛ حيث تتركز عليها الحملات من كل اتجاه باعتبارها تقود الإرهاب العالمي، في الوقت الذي تؤكد فيه من جهتها أن علاقتها بالصديق القديم لا تشوبها شائبة، كل ذلك بسبب رفضها المشاركة بالأعمال الحربية ضد العراق، وعدم الموافقة على استخدام أراضيها قواعد انطلاق للاعتداء على البلد الشقيق.

وإذا كان هناك من يشكك بإمكان قيام الولايات المتحدة بعملها العسكري لأسباب سياسية أو اقتصادية، فإن هناك أيضا من يؤكد جدية الإجراءات العملياتية واللوجستية التي اتخذتها القوات الأمريكية لتحضير ميدان العمليات. ولا شك أن هناك من يتساءل اليوم ماذا لو ركبت الإدارة الأمريكية رأسها، وبدأت الحرب منفردة؟ وكيف سيواجه العراق الموقف؟ كيف ستكون ردة فعل الجماهير العربية؟ كيف ستستفيد إسرائيل، وستتحرك تحت غطاء النيران الأمريكية؟ وأخيرا.. ماذا بعد صدام في العراق؟ وماذا بعد صدام في أمريكا؟

تابع في هذا المقال:

إسرائيل.. استباق الضربة وتوريط لبنان

على المستوى الإسرائيلي لا يقل الارتباك؛ فرغم أن ضرب العراق بحد ذاته يشكل هدفا إستراتيجيا للعسكرية الإسرائيلية -وقد عبر "شارون" شخصيا عن حماسه لها، كما اتخذ مجموعة من الإجراءات الوقائية، كنشر بطاريات الصواريخ المضادة للصواريخ شمالي "تل أبيب"، وأعلن أحد جنرالاته أنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام قصف صاروخي عراقي محتمل، كما كان الأمر في حرب الخليج الثانية- فإن سؤال ما بعد الضربة لا شك يقلق القيادة الإسرائيلية.

وفي هذا السياق رأى بعض المحللين أن القوات الإسرائيلية ستسعى إلى اجتياح الحدود الأردنية، والقيام بتهجير الفلسطينيين إليها، كما توقع فريق آخر قيامها بضربة احترازية لمواقع "حزب الله" في لبنان، كما طالب البعض باستباق الضربة المؤجلة على العراق والقيام بعمل ضد "حزب الله"، مبررين ذلك عبر نشر تقارير مفادها أن "حزب الله" قد تزود مؤخرا -بمساعدة أصدقائه في إيران، وعن طريق سوريا- بشبكة من الصواريخ التي يصل مداها إلى 70كم، وهذا الموضوع إن صح فإنه يشكل تطورا هاما على مسار أي عمليات محتملة على الجبهة الشمالية لإسرائيل، فمن المعروف أن منطقة الشمال الفلسطيني المحتل تشكل الخزان الإستراتيجي للاستيطان الإسرائيلي ولقواه الصناعية؛ ففي المنطقة الممتدة من مدينة حيفا الفلسطينية إلى الحدود اللبنانية استوطن أكثر من مليون إسرائيلي، وقد استقطبت المنطقة الكثير من الاستثمارات الصناعية الباحثة عن الأمان، ولهذا السبب خاض الكيان الصهيوني أكثر من حرب لضمان ما يسمى "سلامة الجليل" من صواريخ "الكاتيوشا" التي استخدمتها المقاومة الفلسطينية، ثم المقاومة الإسلامية اللبنانية، ولا يتجاوز مداها عشرين كم.

ويسعى أصدقاء إسرائيل في الدوائر السياسية الأمريكية -كما في الصحافة ومراكز الأبحاث- إلى الترويج لفكرة أن لبنان يعج بالإرهابيين، وأن "الحرس الثوري الإيراني" يقيم فيه معسكرات لتدريب "إرهابيي" "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وفيه يجري التنسيق المزعوم بين "حزب الله" و"تنظيم القاعدة"، وأن لهذا الحزب امتدادات خارجية تسهم فيما يسمى "الإرهاب الدولي".

وإذا كانت هذه الادعاءات لا تقف على أي دليل حقيقي، فمن المؤكد أن لإسرائيل مصلحة في إدخال لبنان إلى أتون الحرب؛ حيث تتم عملية التسخين الضرورية لفرز القوى واستكشاف نقاط الضعف.. وصولا لتحقيق أعلى مستوى من المكاسب الممكنة.

ازدواجية أمريكية مع سوريا ولبنان

تستمر الإدارة الأمريكية بالتعامل مع الوضع اللبناني السوري بازدواجية واضحة؛ فهي من جهة تنضم إلى المعزوفة الإسرائيلية في هجومها على القيادة السورية لدعمها "حزب الله"، وتستمر بمطالبتها برفع الغطاء عنه باعتباره "منظمة إرهابية" ذات امتدادات خارجية، كما تستمر بعرقلة المساعي التي يقوم بها الرئيس الحريري للحصول على مساعدات دولية ضمن المشروع المعد لإعادة إعمار لبنان. وعبر نوافذ غير رسمية تستمر هذه الإدارة بإرسال الرسالة تلو الأخرى للمعارضة المارونية، وتؤملها بإمكان حصولها على دعم ما.

ومن الجهة الأخرى تعترف هذه الإدارة بالتعاون المثمر مع السلطات السورية فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، وتعترف بأن تعاونًا ما بين الطرفين قد أدى إلى "إنقاذ أرواح أمريكية"، كما أن الإدارة الأمريكية ما زالت على موقفها الدائم منذ حرب الخليج الثانية الذي أعطى لسوريا حرية التصرف في لبنان، واعتبرها ضمانة ضرورية لأمن المنطقة واستقرارها.

الطائفية والصيد في الماء العكر

غير أن الحرارة التي تنتجها سرعة التطورات في المحاولة الشارونية لكسر الصمود في فلسطين المحتلة، وكذلك رياح الغزو الأمريكي المحتمل للعراق.. قد أغرت بعض القوى اللبنانية ذات اللون الطائفي الواحد لإعادة إعطاء تحركها المعارض زخما جديدا لا يمكن للمراقبين استشفاف براءته، كما لا يمكنهم إلا التوقف عنده ورصد حركته.

- فقد أبرزت الانتخابات الفرعية للمقعد النيابي في منطقة "المتن" القريبة من بيروت -وهو المقعد الذي شُغر بوفاة النائب "ألبير مخيبر"- في شهر تموز (يوليو) الماضي.. محطة مهمة أُعيد خلالها إحياء مختلف مظاهر الحرب الأهلية -التي لم يمضِ على انتهائها زمن طويل- من شعارات طائفية مليئة بالأحقاد والضغائن، وقد عبَّر الأستاذ "كريم بقردوني" الرئيس المنتخب لحزب "الكتائب اللبنانية" عن هذا الوضع بقوله: "إني أرى حربا أهلية، ولكن دون سلاح".

- المحطة الثانية كانت "المؤتمر الماروني العالمي" الذي عُقد مؤخرا في مدينة "لوس أنجلوس" في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث صعد سقف المعارضة وصولا إلى إعلان دعم اللوبي الماروني في الولايات المتحدة لما يسمى "قانون محاسبة سوريا"، وهو مشروع القرار المقدم إلى الكونجرس الأمريكي، ويدعو الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات معاقبة ضد سوريا بحجة احتلالها للبنان، ودعمها للإرهاب المتمثل بـ"حزب الله" والمنظمات الفلسطينية الأخرى، ومقدم المشروع –السناتور "إليوت أنغل"- معروف بعدائه للعرب وتأييده لإسرائيل. ومع أن هذا القرار غير ملزم للإدارة الأمريكية بحال إقراره في الكونجرس؛ وذلك لاحتياجه إلى الموافقة المباشرة من الرئيس الأمريكي –وهو الأمر غير المتوقع- فإنه يبقى سيفًا مسلطًا ضد سوريا يمكن استعماله في أي وقت.

- أما المحطة الثالثة فكانت مهرجان "أنطلياس" الذي عُقد في 7 آب (أغسطس)، وكان بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير"؛ حيث أعلن ثلاثة من أقطاب المعارضة تأييدهم لمقررات "لوس أنجلوس"، وبثوا خطابًا للسيناتور الأمريكي سالف الذكر يعدونه فيه بالعمل بإصرار لإقرار مشروعه، كما دعا السيد "جان عزيز" -ممثل إحدى هذه القوى- إلى مواصلة العمل لإخراج القوات السورية من لبنان، منتقدا اتفاق الطائف الذي شكل -منذ 1990- نقطة توافق جميع اللبنانيين، وأرخ لانتهاء الحرب الأهلية وبداية الجمهورية اللبنانية الثانية.

أما القوى الثلاث التي تجمعت فكانت:

1- التيار المنشق عن حزب الكتائب اللبنانية الذي يقوده رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق "أمين الجميل" الذي يعتبر أحد أهم رموز الحرب الأهلية، وهو الذي وقَّع اتفاقية 17 أيار (مايو) عام 1983 مع الكيان الصهيوني تحت الحراب الإسرائيلية، ودفع الشعب اللبناني مئات الشهداء من أجل إلغائها في انتفاضة 6 شباط (فبراير) 1985 وما تلاها. ويعتبر أمين الجميل من المقربين إلى الإدارة الأمريكية الحالية، ومعروف بصداقته لوزير دفاعها الذي استقبله مؤخرا في "واشنطن".

2- تيار العماد "ميشال عون" المقيم حاليا في باريس نتيجة تسوية جرى التوصل إليها بين السلطة اللبنانية والحكومة الفرنسية عام 1990 بعد اشتباكات مسلحة جرت بين قوات من الجيش اللبناني كانت تابعة له في حينه وقوات حكومية لبنانية وسورية كانت تحت إمرة الرئيس اللبناني المنتخب بعد اتفاق الطائف (إلياس الهراوي). وهو معروف بعدائه الشخصي للقيادة السورية، ورفضه للاتفاقات التي وقعتها مع الحكومة اللبنانية الشرعية، وكان قد أعلن منذ أسابيع أنه ينوي العودة إلى لبنان بطائرة أمريكية!

3- تيار القوات اللبنانية المنحلة المعروف باسم "القوات اللبنانية" الذي يتزعمه "سمير جعجع" المسجون في وزارة الدفاع اللبنانية -حُكم عليه بالإعدام من قبل القضاء اللبناني لقيامه بمجموعة من الاغتيالات والأعمال الحربية التي تهدد السلم الأهلي، أهمها اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق "رشيد كرامي"-، و"داني شمعون" رفيق دربه السابق ومنافسه على الزعامة المارونية، إضافة إلى "طوني فرنجية" ابن رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق "سليمان فرنجية" ووالد وزير في الحكومة اللبنانية الحالية يحمل اسم جده. وقد أُدين الكثير من قيادات هذا التنظيم بتهم، أقلها العمالة لإسرائيل. وقد حُلَّ هذا التنظيم، وأُودع الكثير من قياداته السجن، بينما استطاع البعض الآخر الهرب إلى خارج لبنان.

ورغم بروز مواقف كثيرة لقيادات مسيحية معتدلة تدعو إلى خفض سقف التحرك فإن هذه الأصوات لم يكن لها الصدى الكبير داخل الشارع المسيحي، وبقي التشنج سيد الموقف.

أبرز ما تمخض عنه هذا التوجه كان انفراط عقد التحالف الذي كان معقودا بين "لقاء قرنة شهوان" والزعيم الدرزي النائب في مجلس النواب اللبناني "وليد جنبلاط" الذي كانت تعول عليه القيادات المسيحية لإعطاء تحركها طابعا وطنيا. وقد أعلن "جنبلاط" بشكل واضح أنه بعد 11 أيلول (سبتمبر) وتداعياتها لجهة الضغط الذي تمارسه السياسة الأمريكية على المنطقة لا بُد له من التأكيد على الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها التحالف مع سوريا.

سياسة التيار المعارض

تقوم سياسة التيار المعارض على المحاور الأربعة التالية:

1- المطالبة بانسحاب القوات السورية العاملة في لبنان، وبالتالي فك الارتباط الحاصل في المسار اللبناني السوري للعمل المشترك لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة من كلا البلدين.

2- المطالبة بنشر قوات الجيش اللبناني في الجنوب، والعمل على نزع سلاح المقاومة الإسلامية؛ على اعتبار أن المناطق التي لا تزال محتلة من الجنوب اللبناني يمكن الحصول عليها بوسائل أخرى غير المقاومة.

3- سحب السلاح الفلسطيني من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وبسط سلطة الدولة عليها؛ ما يعني إلغاء الاتفاقيات الموقعة بين السلطة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي تنص على حق الشعب الفلسطيني بامتلاك السلاح، والدفاع عن نفسه ضد أي هجوم إسرائيلي محتمل.

4- المطالبة بتعديل اتفاقية الطائف، أو ما يسمونه "رفع الإجحاف الحاصل بحقوق المسيحيين" الناتج عن أخذ بعض الصلاحيات التي كانت في السابق مخولة لمنصب رئاسة الجمهورية، وأعطيت لرئاسة الوزراء، ويعتبرون أنها أضعفت من موقع رئاسة الجمهورية المنصوص دستوريا على أنه محصور في الطائفة المارونية. من أجل تأكيد هذا "الإجحاف" المزعوم يقوم إعلام المعارضة بإعطاء صبغة طائفية لأي حدث، حتى وإن كان جريمة مدانة من قِبل جميع المواطنين، مثل الجريمة التي حدثت مؤخرا في وزارة التربية، وراح ضحيتها عدد من الموظفين، أغلبيتهم من الطائفة المسيحية.

هذه الأهداف الأربعة التي تعمل المعارضة اللبنانية على طرحها كرزمة واحدة، وتعمل على تجييش الرأي العام وراءها إنما تهدف إلى عزل لبنان عن محيطه العربي، عبر إبعاده عن الصراع العربي الإسرائيلي من كل أبوابه: اللبنانية والسورية والفلسطينية، إضافة إلى عودة المطالبة بالامتيازات الطائفية التي كان معمولا بها قبل اتفاق الطائف.

وإذا كان من المؤكد أن هذه المطالب لن تلقى آذانًا صاغية من معظم فئات الشعب اللبناني الذي حزم أمره باتجاه السلم الأهلي، ووضع طاقاته في مواجهة العدو الإسرائيلي، وأجبره على الانسحاب من أراضيه بالتعاون مع سوريا؛ باعتبارها شريكا في هذا الصراع مدعوما من كل القوى العربية والإسلامية.. فإن المراقبين والمعنيين بالشأن السياسي اللبناني يعتبرون أن تصعيد السقف المعارض في هذه الظروف التي تمر بها المنطقة العربية والضغوط التي تتعرض لها القوى الوطنية والإسلامية إنما يهدف إلى تحضير الأجواء بانتظار ظروف أكثر مؤاتاة. وأي ظروف أكثر مؤاتاة من حرب تفرضها الولايات المتحدة لإعادة تغيير موازين القوى العامة في المنطقة؟ وترى أوساط الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أن هناك اتجاهًا داخل هذه القوى يحوم حول العودة مجددًا إلى مشروع التقسيم الذي كانت تعمل له هذه القوى إبان الحرب الأهلية، وهذا المشروع يتلخص في تحويل لبنان إلى دولتين: واحدة مسلمة، والثانية مسيحية.

دعوة إلى التعقل

أما أوساط البطركية المارونية التي تعتبر المرجع الأساسي للسياسة المارونية في غياب القادة الموارنة الكبار، فإنها -حتى الآن- تقول: إن الكردينال "صفير" متحفظ على طروحات المعارضة المتطرفة، ويحاول من جانبه القبض على العصا من وسطها؛ بحيث لا يسير خلف هذه المعارضة، ولا يتركها تسير من دونه، رغم أنه حاول في حوار معها تذكيرها بالتجارب الماضية للمارونية السياسية التي دفع الموارنة والمسيحيون بشكل عام ثمنًا باهظًا لسياساتها الخاطئة، خاصة أن هذه السياسة المتطرفة تناقض "الإرشاد الرسولي" الذي أرسله "البابا" إلى مسيحيي الشرق، عندما جاء لزيارة لبنان عام 1999، ودعاهم فيه إلى الاندماج في مجتمعاتهم المسلمة، وعدم السعي للانعزال عنها.

كذلك فقد برزت أصوات كثيرة من داخل الصف المسيحي تدعو إلى التعقل، وعدم الرهان على المتغيرات المحتملة على المنطقة، كما يجري الحديث حاليا عن تشكيل جبهة من القوى والشخصيات المسيحية المعتدلة من أجل التصدي لهذه السياسات الخاطئة بل والمميتة. وقد رأى المحلل السياسي في جريدة "النهار" البيروتية "سركيس نعوم" -وهو معروف بعلاقاته بالمصادر المطلعة على الموقف الأمريكي- أن أي تغيير للخرائط في المنطقة نتيجة للحرب المحتملة على العراق سيجعل المنطقة العربية خصبة أمام "الأصولية الإسلامية".

ويذكر الذين يراهنون على التغيير في لبنان تحت ضغط الحرب أن أي تغيير لن يلغي حقيقة دور سوريا في تثبيت الأمن والاستقرار في لبنان، وأن أي تغيير باتجاه التقسيم أو الفيدرالية لن يكون تقسيما يسمح لبعض المجموعات اللبنانية بالعيش كما يحلو لها بعيدا عن ضغوط العدد والديمغرافيا والهيمنة، علما بأن تغييرًا كهذا لن يريحهم؛ فهو سيجبرهم على الخضوع لحامٍ آخر أسوأ من الذي يشكون منه الآن، وقد لا يكون التغيير الجغرافي تصغيرا بل تكبيرا؛ أي قد يجيز لسوريا ضم لبنان، خصوصا إذا أبدت سوريا واقعية وبراغماتية، من شأنهما تأمين دور لها بإعادة ترتيب المنطقة. كما أن موقف الوزير "سليمان فرنجية" كان لافتا للنظر؛ فهو الذي طالب المسيحيين بالتعقل، مذكرا بأنهم "قد أخذوا من الحقوق في الطائف أكثر مما يحق لهم من الناحية العددية".

وإذا كانت ردود فعل السياسيين المسلمين لم تخلُ من إثارة طائفية كما درجت عليه العادة في لبنان من فعل ورد فعل، إذ قاموا بتشكيل تجمع طائفي مسلم للرد على التكتل الطائفي المسيحي، فإن القوى الإسلامية والوطنية -وعلى رأسهم حزب الله وبعض الشخصيات الإسلامية الحوارية- رأوا أن الظروف لا تزال ملائمة للعودة إلى طاولة الحوار، وبدءوا فعلا يكثفون من جهودهم لإبقاء شرايين الحوار مفتحة.

اقرأ أيضًا:


** باحث لبناني في الشؤون السياسية - بيروت.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع