|
لم
يكن متوقعا أن الحرب السياسية الباردة
بين أجنحة السلطات الفدرالية في
نيجيريا (التشريعية والتنفيذية) تتطور
وتصل إلى الدرجة التي وصلت إليها في
الآونة الأخيرة، رغم وجود مؤشرات تؤكد
وجود هوة الخلاف بين الطرفين، وذلك بسبب
تشابك المصالح.
البرلمان
النيجيري طلب من الرئيس أوباسيجو في
16/8/2002م الاستقالة من منصبه أو القبول
بالتوبيخ الشديد، حيثيات هذا الطلب
ومسوغاته -على حد قول رئيس مجلس النواب
الحاج غالي عمر نائب- هو ارتكاب الرئيس
لمخالفات دستورية تفوق 100 مخالفة تستوجب
توبيخه واستجوابه عنها، وذلك منذ أن
تولى الإدارة في مايو من العام 1999م.. ليس
أمام الرئيس أوباسيجو سوى مهلة أسبوعين
فقط ليقرر أحد الخيارين -وكلاهما مر
وصعب قد يودي بمصير طموح الرئيس-: خيار
الاستقالة من الرئاسة، أو القبول
بالتوبيخ الذي قد يعرقل محاولاته في
العودة للحكم للمرة الثانية.
وكلما دنا موعد الانتخابات الرئاسية في
البلد احتدم الجدل السياسي، وبدا أن
الخريطة السياسية في البلاد عرضة
لتبدلات وتحولات درامية، تعوَّد
المراقبون أن يختصروا الذي يحصل من
تجاذبات داخل المجتمع السياسي النيجيري
على أنه صراع قبلي أو طائفي، إلا أن
القراءة الصحيحة لمعطيات الواقع تؤكد
أنه صراع بين الرأسماليين الكبار في
الدولة لتحقيق مزيد من النفوذ
والمكاسب، ومما يؤكد تشابك المصالح في
التطور الأخير التزام كثير من الرموز
السياسية الصمت إزاء القضية، وهم أعضاء
الحزب الحاكم، كما أن ردود الأفعال التي
وردت جاءت متأخرة وبطيئة، خاصة بعد تحرك
نشطاء سياسيين من مؤيدي أوباسيجو
ونائبه أبو بكر عتيق، الذي يشير إلى
إمكان حصولهم على "طمأنات"
لمصالحهما في حالة إعادة انتخاب
أوباسيجو ونائبه للمرة الثانية.
الاتهامات
والمخالفات
القضايا
والمخالفات الكبيرة التي ارتكبتها
إدارة الرئيس أوباسيجو تنقسم إلى قسمين
أساسيين:
الأول
اتهامات متعلقة بقضايا الفساد الإداري
وصفها البرلمان بأنها ارتفعت بمعدلات
غير مقبولة في ظل إدارة أول ما تعهدت به
عند تولي الحكم هو محاربة الفساد. وطلب
البرلمان التحقيق في ملفات خاصة بنفقات
الإدارة الحالية منذ تولي الحكم،
ومعرفة مصير مبلغ 230 مليون جنيه
إسترليني تم استرداده من عائلة الرئيس
العسكري الراحل ثاني أباتشا، كما طلب
التحقيق أيضا في مصير مبلغ 29 مليار نيرة
نيجيرية من عائدات النفط خلال الجزء
الأول من العام الجاري 2002م، إضافة إلى
ملف المنح والقروض الخارجية التي
قدمتها الدولة، ومنها مبلغ 10 مليون
دولار أمريكي إلى دولة النيجر في عام 1999م،
ومبلغ 13 مليون دولار أمريكي لقوات
الشرطة في غانا في أبريل من العام
الجاري، ويصف البرلمان بذلك الإنفاق
بالبذخ في وقت يُضرِب فيه رجال الشرطة
في نيجيريا بسبب عدم صرف رواتبهم!
القسم
الثاني من الاتهامات يتعلق بإقدام
أوباسيجو على سلسلة من الخطوات
القرارات المخالفة للدستور، وفي
مقدمتها إصراره على تعديل الموازنة
العامة للدولة للعام الجاري 2002م،
وخفضها بنسبة 44%، وحذف المبلغ الذي وافق
البرلمان على إضافته وهو 250 مليار نيرة
نيجيرية، ومنها تعديله لحصة كل من
الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات
والمحليات من الإيرادات العامة للدولة
من النفط، برفع حصة الحومة الفدرالية
وخفض حصص الولايات والمحليات، إضافة
إلى فرضه قانونا جديدا للانتخابات دون
رجوع إلى البرلمان.
توقيت
مثير
توقيت
صدور طلب البرلمان باستقالة الرئيس أو
توبيخه كان متأخرا بعض الشيء كما اعترف
البرلمان نفسه، غير أنه يعزو عدم القيام
بأي إجراء ضد الرئيس أوباسيجو إلى
تقديره للظروف والأوضاع السياسية
القائمة، خاصة حداثة عهد الحومة
المدنية، ورغم هذا فإن توقيت إثارة مثل
هذا الطلب يثير تساؤلات عديدة، وقد جاء
متزامنا مع تصاعد الحملات الانتخابية
للرئاسة التي تشهدها البلاد العام
المقبل 2003م، وبعد دخول رموز سياسية من
رؤساء سابقين حلبة المنافسة من
المعارضين لأوباسيجو، أمثال الجنرال
محمد بخاري والحاج أبو بكر ريمي اللذين
يحظيان بالتأييد والثقة من عدد من أعضاء
البرلمان، وبعد تشكيل أحزاب سياسية
جديدة، وفي أجواء مشحونة بتكهنات عن
إمكانية التوصل إلى اتفاق بين ثلاثة
أحزاب على أن أوباسيجو هو مرشحها الوحيد
لخوض الانتخابات
الرئاسية بمساع من الجنرال بابانغيدا
خلف الأضواء الذي يراه مراقبون تطورا
إيجابيا في دعم اتجاه إستراتيجية
أوباسيجو لتحقيق الإصلاحات رغم
الاتهامات
والانتقادات الموجهة ضده.
وقال
بعض هؤلاء: "إن ذلك يفسر شعورا لدى بعض
القيادات بأن أوباسيجو -في ظل التنازع
الشديد على السلطة- يمثل نقطة توازن
ضرورية لا بد منها لمنع انفجار العنف في
البلاد، وحفظ النظام الفدرالي".
ورقة
ضغط جديدة
على
خلفية المثل القائل: "من كان بيته من
زجاج فلا يرمِ الناس بالحجارة"، حرك
الرئيس أوباسيجو خيوطا أرضية وكمائن
لتكشف عن سلبيات وتجاوزات تحدث داخل
أروقة البرلمان، وتعد مخالفة وتجاوزا
للصلاحية وتعديا على الدستور، وتدرس
اللجنة القومية لمكافحة الفساد
والتجاوزات هذه الاتهامات التي تؤكد
تورط الحاج غالي عمر نائب رئيس مجلس
النواب في سلسلة من الفضائح المالية
والتجاوزات. مقدم الدعوى النائب "أوكاباولوجبادجو"
ضمَّن عريضته 22 واقعة تمثل مخالفة صريحة
وتجاوزا للصلاحيات الممنوحة للرئيس
البرلمان، وكلها قضايا متعلقة بالفساد
والفضائح المالية، بلغت 20 مليون دولار
أمريكي سجلها بالتواريخ والساعات
والدقائق وجميع المتورطين معه فيها.
كثيرون
ممن يعلمون بالشأن السياسي الداخلي في
نيجيريا مقتنعون بأن أي
تطور في هذه القضية سيؤدي حتما إلى
الإطاحة برئيس المجلس على خلفية القضية
التي أطاحت برئيسيين سابقين لمجلس
الشيوخ عام 2000م، ومن المؤكد أن يتم
الربط بين هذه الدعوى ضد رئيس المجلس
واستثمارها لصالح طلب البرلمان ضد
الرئيس أوباسيجو.
خلاصة
وتقويم
المؤكد
أن الحرب السياسية الباردة هذه ستأخذ
المزيد من الوقت قبل حلول موعد
الانتخابات الرئاسية، إلا أن أي تطور
مهما بلغت خطورته لن يخرج عن سقف النظام
الديمقراطي، وبما تقتضيه لمصالح العليا
للأمة، أو على أقل تقدير مصالح كبار
الرأسماليين، فمن غير المحتمل أن يمتد
الصراع السياسي إلى النقطة التي ينفلت
فيها النصاب النيجيري نحو نزاع في
الشارع أو باتجاه انقلاب عسكري.
اقرأ
أيضًا:
|