English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


انتخابات كاراباخ.. هل من ضوء في آخر النفق؟!

18/08/2002

د. عاطف معتمد عبد الحميد **

ناجورنو (مرتفعات) "كاراباخ" واحدة من نقاط النزاع الساخنة في غرب آسيا. وهي إقليم صغير المساحة؛ حيث تبلغ مساحته 4500كم2 (نحو ½ مساحة لبنان)، ولا يزيد سكانه عن 180 ألف نسمة، أغلبهم من الأرمن مسيحيي الديانة. وموقعها على الخريطة المرفقة يبين أنها كانت (حتى عام 1988) جزءا أساسيا من الأراضي الأذربيجانية.

تاريخ شائك

وعلى الرغم من أن هناك خلافات عبر أجيال عديدة بين الأذر والأرمن حول "كاراباخ" تحت دعاوى تاريخية لا سبيل لإثبات صحتها لصالح الأرمن أو الأذر؛ فإن الثابت أن الصورة الحديثة للنزاع في الإقليم قد غُرست بذورها بدقة في عشرينيات القرن الماضي إبان حكم "جوزيف ستالين" للاتحاد السوفييتي. فقد كان إيمان ستالين بالمبدأ الروماني الشهير "فرِّق تسُد" الأساس في تلغيم منطقة القوقاز؛ وذلك منذ أن كانت أرمينيا وأذربيجان جمهوريتين ضمن الاتحاد السوفيتي. فقد تعمدت السلطة السوفيتية في عام 1923 ضم الأقلية الأرمينية (سكان كاراباخ) داخل حدود أذربيجان، وبحدود إدارية تُرسم لتجعل كل ما يحيط بها أذربيجانيا رغم رغبة السكان في التبعية الأرمنية، وفى المقابل تظل الأقلية الأذربيجانية في إقليم "ناختشيفان" معزولة داخل جمهورية أرمينيا. زد على هذا أن السلطة السوفيتية منحت "كاراباخ" صلاحية الحكم الذاتي داخل جمهورية أذربيجان، وهو ما كان أشبه بقنبلة موقوتة، ميعاد انفجارها تفكك الاتحاد السوفييتي.

وبإرهاب الحديد والنار ظل هذا الوضع مجمداً إلى أن تراخت القبضة السوفيتية في عهد جورباتشوف. وفى فبراير 1988 تجرأ المجلس السوفيتي الكاراباخي، وطلب من موسكو انضمام "ناجورنو كاراباخ" إلى أرمينيا. وبالطبع اعترض القادة الأذريون لدى سلطة موسكو. وسرعان ما تشابك الأذر مع الأرمن في "كاراباخ"، لتتحول الاشتباكات بسرعة فائقة إلى حرب أهلية تركت قتلى وجرحى ولاجئين على كلا الجانبين.

وفى ديسمبر 1989 يزداد الموقف تعقداً بإعلان المجلس السوفيتي الأرمني توحيد إقليم "ناجورنو كاراباخ" مع جمهورية أرمينيا.

وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي -25 ديسمبر 1991- أعلن الانفصاليون في إقليم "كاراباخ" في مطلع 1992 الاستقلال عن أذربيجان، ورفض الانضمام إلى أرمينيا. ومدت أرمينيا مقاتلي "كاراباخ" بالسلاح والرجال، بل توغلت قواتها داخل أذربيجان، واحتلت 20% من إجمالي أراضيها في منتصف 1993. وكانت النتيجة أن فر مئات الآلاف من السكان الأذريين هرباً من القوات الأرمينية الغازية. وانتقل اللاجئون إلى معسكرات -كثير منها حول العاصمة الأذربيجانية باكو- يعيشون فيها دون خط الفقر، حسب شهادات وكالات "غوث" للاجئين.

وفى مايو 1994 قبلت جميع الأطراف -بما فيها أذربيجان المحتلة أراضيها- اتفاقا لوقف إطلاق النار، والاحتكام إلى المفاوضات السلمية؛ حقناً للدماء. وكان الوسيط الرئيسي في المفاوضات هو الاتحاد الأوربي الذي فوض مجموعة من الدول برئاسة فرنسا والولايات المتحدة وروسيا للاجتماع في مينسك -عاصمة بيلاروسيا- لبدء التفاوض.

وماذا بعد؟

منذ ذلك التاريخ والمفاوضات تتم في عدة عواصم، واللقاءات لا تنقطع بين الرؤساء ووزراء الخارجية ومبعوثي الرؤساء، والنتيجة مخيبة للآمال؛ فكلٌ يتحدث بمطالب لا يرضى بها الآخر.

فأذربيجان لا ترضى عن خروج القوات الأرمينية من أرضها بديلاً. أما إقليم "كاراباخ" فعليه أن يعود إقليما ذا حكم ذاتي داخل أذربيجان كما كان قبل تفكك الاتحاد السوفيتي. وعلى مدى السنوات الثماني الماضية ظلت الخطوة الأمامية الوحيدة التي يمكن أن تخطوها أذربيجان هي أن تمنح الإقليم صلاحيات واسعة في حكمه الذاتي. ومنذ عام 1994 لا تقبل أذربيجان تمثيلاً للانفصاليين "الكاراباخيين" على مائدة المفاوضات، وأقصى ما تسمح به هو أن يكون تمثيلهم ضمن الوفد الأرمني.

أما أرمينيا فليست مستعدة للانسحاب من الأراضي الأرمينية التي احتلتها قبل أن تضمن لكاراباخ استقلالاً وأمناً. كما أن المكسب الإقليمي الذي حققه الجيش الأرمني بوصل كاراباخ بالأراضي الأرمينية من خلال احتلال ممر "لاتشين" الأذري يعدُّ نصراً لا يساوم عليه إلا المستعدون لتلقي الاتهامات بالخيانة والتفريط في المكاسب الإستراتيجية التي قلما تحدث في التاريخ.

وانفصاليو "كاراباخ" معتصمون في "ناجورنو" التي تعني ترجمتها "منطقة جبلية"، وعلى هذه المرتفعات تتحصن القوات الأرمينية و"الكاراباخية" المطلة على أراضي أذربيجان السهلية. باختصار كأنك تتحدث عن "جولان" ثانية بالنسبة لسوريا التي تفكر مرات عديدة قبل أن تشن هجوماً للتحرير. وعلى مدى ثماني سنوات وجد الانفصاليون من الثقة والاطمئنان ما مكّنهم من إقامة مؤسسات "دولة" تنتخب أعضاء البرلمان ورؤساء للجمهورية -دون أن يعترف بها سوى أرمينيا-، وذلك عبر صناديق الاقتراع، سواء في "كاراباخ" أو حتى للكاراباخيين في العاصمة الأرمينية "يريفان".

وليت الأمر يقف عند هذا الحد؛ فثلاثية النزاع "الكاراباخي" (أذربيجان - انفصاليو كاراباخ - أرمينيا) تحيط بها قوى إقليمية وعالمية لها مصلحة في حل النزاع أو الإبقاء عليه، وعلى رأس هذه الدول: تركيا، إيران، الأذريون في إيران، روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوربي، أرمن الشتات... وغيرها.

خريطة جديدة للمنطقة.. هل تكون الحل؟

أحدث الحلول المقدمة للنزاع خريطة قدمتها الخارجية الأمريكية لتسوية النزاع. والفكرة التي تبنى عليها الخريطة مفادها أن تعترف أذربيجان باستقلال "كاراباخ" كدولة، وأن يصبح ممر "لاتشين" الرابط بين "كاراباخ" وأرمينيا -الذي تحتله أرمينيا حاليا- أرضًا أرمينية خالصة. وفى مقابل خسارة "كاراباخ" وممر "لاتشين" يتم تعويض أذربيجان بمنطقة "مِغْرِي" العازلة بينها وبين ناختشيفان الأذربيجانية.

وظاهرياً ستضمن هذه الفكرة حفظاً لماء الوجه الأذربيجاني، إلا أن الراجح أن أرمينيا سترفضها لعدة أسباب:

1- إن وصل ناختشيفان بأذربيجان يحقق مزيدًا من الحصار لأرمينيا، ذلك الحصار الذي ستكون حلقاته: تركيا، ناختشيفان، أذربيجان، وسيفصلها عن حليفتها إيران. ورغم ما تحويه الخريطة من وجود ممرات من أرمينيا إلى إيران عبر مِغْرِي؛ فإن هذه الممرات ستكون تحت رحمة المسيطرين على منطقة مِغْرِي من الأذر.

2- في الوقت الذي ستعوَّض فيه أذربيجان عن كاراباخ بأراضٍ جديدة (منطقة مِغْرِي)، وستعود إليها أراضيها المحتلة دون حرب.. لن تضاف أية أراضٍ إلى أرمينيا التي تحتل بالفعل أراضيَ مطالبة بأن تنسحب منها، تفوق 20% من مساحة أذربيجان.

ويبدو أن ما قاله الصحفي الفرنسي "جان جيراس" في صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" من أن هذه المبادلة أشبه "بالمبادلة المستحيلة" خير تقييم لهذه الفكرة الطموحة.

انتخابات أغسطس.. لغم إضافي

وكأنها دولة مستقلة وذات شرعية دولية، أجرى الأرمن الانفصاليون في كاراباخ انتخابات رئاسية في 11-8-2002، وأعلنت عاصمة الإقليم "ستيباناكريت" عن تنافس أربعة مرشحين يتقدمهم الرئيس الحالي "أركادي غوكاسيان" (حصل على 89% من إجمالي الأصوات)، والمتحدث باسم البرلمان الكاراباخي "أرتور توفماسيان" (حصل على 8%)، ومرشح حزب الوحدة "جريجوري أفانسيان" (حصل على1.5%)، ومرشح الحزب المسيحي الديمقراطي "ألبرت جازاريان" (حصل على 1.5%).

وقد رأى المجتمع الدولي -وخاصة مجموعة "منسك"- هذه الانتخابات خطوة "سابقة لأوانها"، ومن شأنها أن تعرقل الجهود المبذولة لحل المشكلة سلميا.

وبنجاح "أركادي غوكاسيان" لسنوات خمس قادمة -بعد أن أمضى فترة رئاسية أولى- يمكن القول بأن هذه الانتخابات كرست من الوضع الحالي ذي المشاهد السياسية التالية:

- ستظل أرمينيا على موقفها الرافض للخروج من المناطق السبع التي احتلتها في أعقاب حرب 1993، وهى ضامنة لاستقلال كاراباخ عن أذربيجان. ومستقبل الإقليم بالنسبة لها يجب ألا يخرج عن خيارين: الانضمام إلى أرمينيا، أو استقلال الإقليم، ومفهوم كيف ستكون هوية هذا الإقليم عند الاستقلال. ويكفي أن نعرف أن رئيس أرمينيا الحالي "روبرت كوتشاريان" كان رئيساً لكاراباخ حتى عام 1997 قبل أن يخلفه الرئيس الحالي "أركادي غوكاسيان". ويأتي هذا العناد برغم ما تعانيه أرمينيا من وضع اقتصادي متأزم.

- مزيد من الاستفزاز لأذربيجان التي تقف مجروحة في كبريائها القومي بوجود 20% من أراضيها تحت الاحتلال. وتمثل الخطوة الأخيرة من إجراء انتخابات "رئاسية" في جزء من أراضيها المحتلة أشبه ما يكون بالصفعة، وقد نعتت الصحف الأذربيجانية هذه الانتخابات بـ"اللعبة القذرة".

وبعد ثماني سنوات من وقف إطلاق النار لا يبدو أن الأمور تسير في صالح أذربيجان. فتجميد الوضع، والأراضي المحتلة، و700 ألف لاجئ على جمر من نار الانتظار.. كل ذلك يمثل ضغطاً على حكومة "حيدر علييف" الرئيس الأذربيجاني الذي التقى أكثر من 15 مرة برئيس أرمينيا لإيجاد حل سلمي، ولكن دون جدوى.

وقد نقلت وكالات الأنباء تصريحات للرئيس الأذربيجاني بتفكيره في اللجوء إلى الحل العسكري لتحرير أرضه وإعادة كاراباخ، وقد رصد المتابعون هذا التصريح ثلاث مرات في عام 2001 الذي بدا كأنه "عام الحسم".

ويتوقف نفاد الصبر الأذربيجاني والعودة إلى المعارك على مجموعة من العوامل، أكثرها أهمية الضغط الداخلي في دولة تعاني مشكلات اقتصادية يحلم الكثير من أبنائها "بالخلاص" مع تطوير صادرات أذربيجان من ثروتها البترولية غير المستغلة بعدُ في بحر قزوين.

- وللقابضين على السلطة في كاراباخ حققت هذه الانتخابات أكثر من هدف إيجابي؛ أولها أنها قدمت دعاية لنفسها على الساحة الدولية، وثانيها أنها أكدت الطريق الذي تنوي السير فيه إلى النهاية. فنجاح الرئيس الحالي يضع خطاً تحت إصرار كاراباخ على دولتها المعلنة. ولن يتغير إصرار القوى الانفصالية في كاراباخ على أن تحضر كممثل شرعي مستقل. وهي مستعدة للحوار مع أذربيجان بشرط واحد، هو "أن تُخرج أذربيجان من رأسها فكرة عودة كاراباخ بأي شكل من الأشكال إلى أذربيجان".

- وتعد الانتخابات الأخيرة ضرباً بعرض الحائط لنداءات منظمة المؤتمر الإسلامي بالحفاظ على وحدة أراضي أذربيجان، والدعوة إلى انسحاب أرمينيا من الأراضي الأذرية المحتلة كافة. وقد دأب مؤتمر القمة الإسلامي منذ قمته السابعة التي انعقدت في 1994 على التوجه إلى العالم بضرورة تنفيذ الشرعية الدولية بالحفاظ على أراضي أذربيجان. وفى القمة الثامنة في طهران (1997) والتاسعة في الدوحة (2000) كرر المؤتمر دعوته إلى تحرير الأرض الإسلامية المحتلة. كما لفت الانتباه إلى أوضاع نحو مليون لاجئ مسلم طُردوا من الأراضي التي احتلتها أرمينيا.

والمنهج الذي ينطلق منه المؤتمر الإسلامي -كما ورد في توصيات آخر قمة له في قطر عام 2000- هو الاهتداء بالمبادئ الثلاثة لتسوية الصراع المسلح بين أرمينيا وأذربيجان؛ تلك المبادئ التي وردت في بيان رئيس قمة منظمة الأمن والتعاون الأوربي التي انعقدت في "لشبونة" سنة 1996م، وهي: الوحدة الإقليمية لجمهورية أرمينيا وجمهورية أذربيجان، وأعلى درجة من الحكم الذاتي في إقليم ناجورنو كاراباخ داخل حدود أذربيجان، وضمان أمن ناجورنو كاراباخ وجميع سكانه.

غير أن هذه المطالب لا تترجم إلى آليات تنفيذية؛ فأجندة المؤتمر الإسلامي مزدحمة بعشرات المشكلات الإسلامية في العالم؛ لدرجة يبدو معها كأن مشكلات العالم بأسره صارت إسلامية.

وهكذا تؤكد قراءة الملف الكاراباخي في ظل الانتخابات الأخيرة أن الضوء الذي يتطلع إليه الجميع في نهاية النفق ما زال أبعد من أن يُرى.

اقرأ أيضًا:


** دكتوراة في الجغرافيا من جامعة سان بترسبرج - روسيا.

مدرس بكلية الآداب – جامعة القاهرة


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع