 |
|
رئيس وزراء اليابان |
هل
اليابان مستعدة لتأييد أمريكا كليا في
حالة توجيهها هجمة ضد العراق؟ أُثير هذا
السؤال مؤخرا خلال اجتماع كان من
المفترض أن يكون سريا، جمع مسؤولين من
وزارة الخارجية اليابانية ووكالة
الدفاع الذاتي التي هي بمثابة وزارة
دفاع في طوكيو.
فعلى
الرغم من أن موقف الحكومة اليابانية
السابق -التي أظهرت إشارة "اقرءوا ما
تبديه شفتاي لتفهموا تصريحاتي"- هو أن
تأييدها لواشنطن في استهدافها ضرب
العراق، وإسقاط نظام الرئيس العراقي
صدام حسين بالقوة لن يكون جزءا من "الدعم
اللامشروط" الذي وعد به رئيس الوزراء
الياباني جونيشيرو كويزومي الرئيس
الأمريكي جورج بوش خلال زيارة الأخير
لليابان في فبراير 2002 الماضي.. فإن هناك
آراء تُتداوَل في أروقة مكاتب الحكومة
اليابانية تدعو إلى إعادة النظر في مهمة
السفن اليابانية الحالية وهي تزويد
السفن العسكرية الأمريكية التي تمر من
المحيط الهندي بالوقود، وذلك في حالة
بدء الهجوم الأمريكي على العراق.
فحسب
القانون الياباني الذي أقر في 29-10-2001
المختص بـ"الإجراءات الخاصة لمكافحة
الإرهاب" أرسلت وكالة الدفاع الذاتي
سفنًا تابعة لبحريتها و1500 جندي ياباني
إلى المحيط الهندي؛ لتقوم بتزويد السفن
الحربية الأمريكية بالقرب من جزيرة
دييجو جراسيا، كمساهمة يابانية في
الحرب الأمريكية التي شنتها ضد
أفغانستان، بالإضافة إلى إرسالها
طائرات شحن من طراز سي-130 إلى باكستان.
وفي أبريل 2002 الماضي تم تمديد فترة مهمة
الخدمة اليابانية نفسها لستة أشهر
أخرى، وبمعنى آخر أنها ستنتهي في وقت
قريب، وسيعود الجدل ليثار مرة أخرى.
وكان ذلك بعد أن قيل: إن بوش "أقنع"
كويزومي بأن خيار عودة سفن بلاده آنذاك
ليس مطروحًا بعد، وبأن "الحرب على
الإرهاب قد بدأت لتوِّها".
وبينما
توصل المعلقون السياسيون في اليابان
إلى القول بأن "المسؤولين اليابانيين
نسوا عقولهم عندما فتحوا المجال أمام
الضغوطات الأمريكية لتمارَس على
اليابان؛ لحملها على دعم واشنطن بغير
قيد أو شرط في حربها ضد العراق".. فإن
الحكومة اليابانية واجهت هذا الرأي في
الساحة السياسية اليابانية بالقول بأن
اجتماع المسؤولين اليابانيين السري
الأخير حول الشأن العراقي ليس إلا جزءا
من "إجراءات مناقشة جميع الخيارات
المطروحة"، ومحاولة منا للوصول إلى
"علاقة متوازنة بالولايات المتحدة
الأمريكية من جهة، وبالدول العربية
المصدِّرة للنفط من جهة ثانية".
أي
توازن؟
ولكن
لا يُتوقع في الحقيقة وجود توازن حقيقي
عندما تبدأ الصواريخ بالهطول كالمطر
الغزير على مباني بغداد والموصل
والبصرة؛ الأمر الذي ترفضه المواقف
العربية الرسمية المعلنة والرأي العام
العربي والإسلامي وحتى الآسيوي؛ فتأييد
واشنطن في ضربها للعراق –ومع أنه في ظل
واقع مختلف عما كان عليه الأمر خلال حرب
الكويت– هو ما يتوقعه البنتاجون من "حليفه
الصغير" الياباني، في الوقت الذي يرى
المحللون اليابانيون أن صانعي السياسة
اليابانيين "يحلمون في وضح النهار"
بأن تصبح بلادهم "حليفًا حقيقيًّا"،
وأن يضمنوا بذلك مكانا في صدارة "قائمة
أهم الأصدقاء" للرئيس الأمريكي بوش.
أما
في اليابان فإن إعلان تأييد ضرب أمريكا
للعراق ليس مقبولا بشكل واسع من قبل
الشارع الياباني. ولذلك فالمسؤولون
اليابانيون -وبعد أن عُرف أن الشأن
العراقي يشغل اجتماعا سريا لهم- قالوا
بأن قرار اليابان في تأييد استهداف
العراق عسكريا سيعتمد على "الهدف"
من ذلك، وعلى "ردود فعل ومواقف"
الدول العربية والأوروبية. وفيما يعلن
البيت الأبيض أن مهمة إسقاط الرئيس
العراقي جزء من جدول أعماله، فإن
اليابانيين وضعوا شرطا "دعائيا"
آخر لاستمرارهم في توفير الدعم
اللوجستي للجيش الأمريكي، غير أنه من
المستبعد أن يحمله البنتاجون بمحمل من
الجدية؛ وهو: "أن اليابان ستستمر في
تقديم الدعم اللوجستي للجيش الأمريكي
في هجماته ضد العراق، إذا وعدت الولايات
المتحدة ألا يُستخدم الوقود الياباني
في عمليات عسكرية مباشرة ضد العراق"(!!)
كما أعلن مسؤولون يابانيون في محاولة
أخرى غير موفقة توضيح أسباب إمكانية
التوفيق بين مذهب الياباني الباسفيكي
وتأييد الحروب الأمريكية الواحدة تلو
الأخرى.
ومرة
أخرى يبدو التضارب والتناقضات في
السيناريوهات العسكرية المطروحة أمام
اليابانيين وأنها غير واقعية، لكنه ليس
بالأمر الجديد في مناقشات وكالة الدفاع
الذاتي اليابانية. فمن جهة يحاولون ضمان
ألا يُستخدم الوقود الياباني إلا
لأغراض "سلمية"؛ الأمر الذي يبدو
أكثر من مجرد تحدٍّ على الساسة
اليابانيين أن يحققوه! ومن جهة أخرى فإن
ما تراه واشنطن من ضرورة دعم اليابان
لها في حربها على ما تسميه بالإرهاب
الدولي قد تخطى مجرد تزويد السفن
البريطانية والأمريكية بالوقود في
مناطق بحرية غير حربية.. بل إن المسؤولين
الأمريكيين لم يتوقفوا –بما فيهم نائب
وزير الخارجية ريتشارد أرميتاج– عن
الذهاب إلى طوكيو لمطالبة كويزومي بأن
يبعث بالمزيد من سفن "أجيس" إلى
المحيط الهندي، والاستعداد لإرسالها
إلى الخليج العربي عندما يحين الوقت،
حسبما تحدد ذلك ساعة البنتاجون.
العسكريون
اليابانيون مع أمريكا!
واللافت
للنظر بالنسبة لبعض المراقبين
الآسيويين أن رئيس الوزراء الياباني مع
تأييده لحملة واشنطن منذ بدئها فإنه كان
أقل تحمسا لإرسال قوات بلاده إلى مناطق
الخطر من العسكريين اليابانيين الذين
أبدوا اندفاعا لإرسال قواتهم إلى مناطق
ساخنة، وعدم الاكتفاء بالإبحار بعيدا
في المحيط الهندي. ولذلك فإن قادة من
البحرية اليابانية ساهموا في الضغط على
كويزومي وحكومته بالقبول بما يراه
البيت الأبيض من "أننا جميعا نواجه
مصيرا واحدا"، وأنه من الضروري أن
ترسل اليابان مدمرات متقدمة عسكرية إلى
أقرب مكان ممكن من منطقة الحرب المنتظرة.
وكان
قد كشف في مايو الماضي 2002 عما وُصف بقيام
مسؤولين بحريين يابانيين بتشجيع
نظرائهم الأمريكان بالضغط على الساسة
اليابانيين بإصدار أمر بإرسال المزيد
من السفن اليابانية المدمرة المعروفة
باسم أجيس، والتي تحمل أنظمة صاروخية
ورادارية تكمل أنظمة التسلح الأمريكي
الذي استُخدم في الهجوم على أفغانستان،
والذي سيُستخدم ضد العراق. ومع أن
كويزومي كان آخر من يعلم بذلك
وبالاجتماعات السرية الحثيثة التي قام
بها البحريون اليابانيون بشأن سياسة
بلاده العسكرية الخارجية.. فإنه حاول
التخفيف من أهميتها، بنصح الصحافة
اليابانية بألا تهتم كثيرا "بدردشات
البحريين غير الرسمية"، حسب قوله.
لكن
الإعلام الياباني لم ينسَ أن كويزومي
خلال استعداده للاحتفال بالذكرى
السنوية الأولى لتسلمه الحكم كان
مسؤولون أمريكان قد أعلموه بضرورة
استعداد بلاده لأسوأ الاحتمالات خلال
اجتماع بين لجنتين تنفيذيتين من
البلدين في أواخر شهر أبريل 2002 الماضي،
طالبين من اليابانيين بشكل غير رسمي -وهو
الأهم أحيانا!- أن يستعدوا لإرسال
سفنهم، بل وطائرات "بي 3 سي"
المضادة للغواصات إلى الخليج العربي.
اليابانيون ردوا مباشرة بأن ذلك "صعب
سياسيا وقانونيا" -ليس خوفا من
ردود فعل من داخل اليابان فحسب- ولكن
خوفا من أن يثير ذلك حفيظة الصين وكوريا
الجنوبية.
غير
أن المحللين اليابانيين يقولون بأن
واشنطن أعدت في خططها لبلادهم دورًا
أوسع من مجرد دعم لوجستي في حربها ضد
العراق، خصوصا أن سفن أجيس المدمرة التي
اشترتها اليابان من أمريكا في السنوات
الماضية متقدمة في أنظمة الكشف
والمراقبة؛ حيث تراقب صواريخ تمر على
بُعد 300 كم، وتتلاحم مع الأنظمة
الأمريكية؛ وهو ما يساعد على سهولة قيام
اليابانيين والأمريكان بهجوم مشترك على
العراق أو غيره.
ويبدو
أن واشنطن تعمل على أن تكون المستفيد
الأول من القوانين الأمنية الثلاثة،
التي قدمها الحزب الديمقراطي الليبرالي
الحاكم ليقرها مجلس الدايت في جلسة خاصة
في الخريف المقبل، والتي تتعلق بحالة
وقوع طوارئ عسكرية جراء هجوم على
اليابان، وبتعزيز نفوذ مجلس الأمن
الياباني، وبنشر قوات وكالة الدفاع. لكن
ما يجعلها غير مقبولة في الشارع
الياباني، ومن قبل عدة أحزاب يابانية
معارضة، وحتى من قبل بعض شخصيات الحزب
الحاكم.. أنها لم تُشِر إلى أية إجراءات
أو قوانين تضمن حماية المدنيين
اليابانيين. ولذلك فالمسؤولون
اليابانيون متخوفون من الشارع الياباني
من جهة، ومن أنهم لو لم يشاركوا أمريكا
في حربها على العراق فسيواجهون أزمة في
علاقتهم التحالفية معها من جهة أخرى.
إسكات
الناقدين ليس صعبًا
يقول
قانونيون يابانيون بأن في القانون
الياباني الخاص بشأن مكافحة الإرهاب ما
يمنع من إبحار السفن اليابانية نحو
الخليج العربي؛ حيث إنه يسمح للمشاركة
اليابانية فقط في حالة استهداف "شبكة
تنظيم القاعدة الإرهابية" مع تحركات
أو عمليات الجيش الأمريكي. ولذلك فما
دامت القاعدة ومن هو مرتبط بها بعيدون
عن الجيش الأمريكي والمصالح الأمريكية؛
وما دام الأمريكان لا يمتلكون أي دليل
على ضلوع العراق في هجمات الحادي عشر من
سبتمبر 2001.. فإن على كويزومي -من وجهة نظر
بعض اليابانيين- أن يأمر قواته في
المحيط الهندي بالرجوع وعدم المشاركة
في ضرب العراق، غير أنه من المتوقع في
الطرف الآخر أن تقوم المخابرات
الأمريكية –وحسب خبرتها- بتقديم ما
تراه كافيًا لربط الرئيس العراقي بما
تسميه بالإرهاب الدولي وتنظيم القاعدة.
ولذلك
لا يستعبد الناقدون السياسيون
اليابانيون أن يقف كويزومي قريبا إلى
جانب بوش ليعلن دعم السلطات العسكرية
اليابانية لاستهداف أحد أركان "محور
الشر" حسب المنظار الأمريكي. وهذا ما
جعل صحفا يابانية -بما فيها "آشاهي
شمبون"- تطالب حكومتها بإعلان موقف
مستقل، بدلا من أن تردد بأسلوب
الببغاوات تصريحات المسؤولين
الأمريكيين حول الحرب على الإرهاب؛
متسائلة أن كثيرا من دول العالم تعارض
ضرب العراق وتعلن ذلك.. فلماذا لا تعلن
اليابان موقفها المستقل الرافض
لاستهداف العراق؟!
ويبدو
أن مهمة إسكات الناقدين اليابانيين
والآسيويين للمشاركة اليابانية في ضرب
العراق ليست صعبة، بما في ذلك تفادي أي
مشاكل أو عوائق قانونية. فهناك وزراء
وعسكريون من وكالة الدفاع يدعون لإقرار
قانون آخر لمكافحة الإرهاب، يسمح
قانونيا للقوات اليابانية بالوقوف إلى
جانب أمريكا في هجمتها المزمعة ضد
العراق، بل وبتأييد أي هجوم أمريكي على
أي دولة في العالم في المستقبل؛ وبذلك
تكفل أمريكا تبعية اليابان العسكرية
بشكل كامل. وسواء عمل كويزومي على طرح
هذا القانون المقترح أم أنه أعاد "تفسير"
القانون الحالي، وعمل على تمديد فترة
صلاحيته المنتهية في العام المقبل 2003،
أم أنه تراجع عن دعم أمريكا في حربها على
العراق.. فإنه يعول على أن واشنطن ستمنح
له من الوقت ما هو كاف ليقرر نهائيا،
وليعد الأجواء السياسية والشعبية لهذا
القرار.
فمن
المعروف -وعكس ما عليه الحال في
الولايات المتحدة- أن إرسال قوات
يابانية للمشاركة في حرب بعيدة عنها لا
يعزز شعبية الحكومة اليابانية، ولا
يجذب تعاطفا أو تأييدا من قبل الشارع
الياباني. وقد يجد كويزومي -الطامح نحو
أن يصبح شخصية سياسية دولية هامة– نفسه
وقد هُدد منصبه بسبب ذلك، إذا ظل ينادي
بإصلاحات "فارغة من محتواها" كما
يقول اليابانيون الذين يرون أن حرب
الإرهاب لم تساعدهم في شفاء اقتصادهم
نصف المشلول منذ أكثر من عشر سنوات.
والأمر عكسي بالنسبة لبوش الذي يخشى أي
خطر يهدد منصبه، ومستعد للهجوم على
العراق وغيره تحت شعارات براقة، قبل أن
تسقطه فضائح الشركات الأمريكية
المتتالية، أو قبل أن يتفاقم التأزم
الاقتصادي في بلاده ويصبح عنوانًا
رئيسيًّا بدلا من عناوين استهداف
الشعوب الأخرى.
تحمس
الجيش الياباني
وقد
أقر مجلس الوزراء الياباني يوم 2-8-2002
الجاري آخر الأوراق البيضاء الصادرة عن
وكالة الدفاع، والتي تقول بأنه يستوجب
على اليابان أن تعمل بجد لمواجهة
الإرهاب الدولي في "عصر القلق" منذ
11 سبتمبر، معتبرة هجمات ذلك اليوم عملا
إرهابيا قذرا وغير مغفور ويهدد
الديمقراطية، وأن ذلك الحدث شكّل عامل
تغيير لأجواء العلاقات الدولية التي
ولّدت تحالفا أمريكيا دوليا ضد
الإرهاب، وأن الحرب على الإرهاب لم
تنتهِ في أفغانستان، ولكنها دخلت مرحلة
ثانية، وستستمر حتى يتم القضاء على
شبكات الإرهاب. وقالت الورقة البيضاء
العسكرية لعام 2002 بأنه من الصعب على
الولايات المتحدة أن تحارب منفردة، وأن
على المجتمع الدولي أن يدعمها بما في
ذلك التأييد الياباني المقنن، مشيرة
إلى ما أسمته أمريكا "محور الشر"،
وبالأخص العراق وكوريا الشمالية
لامتلاكهما أسلحة دمار شامل.
شخصيات
حكومية علقت على ذلك بالقول بأن مشاركة
اليابان في ضرب العراق "استجابة
لأمريكا وليست للدفاع عن اليابان نفسها".
فأمريكا تريد تأييدا كاملا من اليابان
بما في ذلك معارضتها لما يطالب به سكان
أوكيناوا -حيث تتمركز معظم القوات
الأمريكية في اليابان- بتحديد سقف زمني
أقصاه 15 عاما بهدف إنهاء هذا الوجود
العسكري الذي طالت فترة بقائه. وفي
تصريح للجنرال الأمريكي ريتشارد ميرز
في طوكيو يوم 28-3-2002 الماضي قال: "لم
نرَ إلا القليل من المشاركة (اليابانية)
في أفغانستان، ولكنني على يقين بأن
الحكومة اليابانية ستتخذ القرار
المناسب عندما يحين الوقت"!.. وهو ما
يعني أن اليابان قد تتناسى حينها غضب
الجماهير العربية والمسلمة الآسيوية،
وعدم رضا جماهيرها من استهداف العراق،
وتمضي في تأييدها لواشنطن؛ فهل سيولد
هذا الموقف عداء جديدا تجاه اليابان
يضاف إلى عداء قديم ما زلت له بقاياه في
نفوس الصينيين والكوريين وآخرين في
آسيا؟!
اقرأ
أيضًا:
|