بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


مسلمو روسيا: شكرًا على التجاهل!

03/08/2002

د. عاطف معتمد عبد الحميد **

اضغط لتشاهد تفاصيل أكثر

خمسة عشر مليون مسلم في روسيا لا نعرف عنهم إلا النزر اليسير، والسبب انشغالنا بقضايا إسلامية عديدة، أكثرها إلحاحاً - بحكم قدسية الموقع الجغرافي - المأساة الفلسطينية. وربما لا يرى الكثيرون مسلمي روسيا إلا من عيينات القضية الشيشانية، وهذا مجحف لحق مسلمي روسيا علينا. فالشيشان، على أهمية وشرف ما ترنو إليه، لا تمثل أكثر من 3% من إجمالي مساحة الأراضي الإسلامية بروسيا، كما أن سكانها لا يزيدون عن 5% من إجمالي السكان المسلمين في هذه الدولة.

فمساحة الأراضي الإسلامية التي تطوّقها حدود الفيدرالية الروسية تفوق ما نِسبته نصف مساحة مصر (أو أكثر قليلاً من مساحة العراق)؛ ويعادل سكان روسيا من المسلمين نحو إجمالي سكان سوريا. ويمثل المسلمون بعمومهم في روسيا ما نسبته 10% من إجمالي سكان الاتحاد الروسي، أما مساحة أراضيهم فتبدو كجزيرة في محيط الأراضي الروسية (3.5% من مساحة روسيا) كبرى دول العالم مساحة.

هذا ويتوزع مسلمو روسيا في 14 جمهورية ومنطقة إدارية، وتقع في منطقتين شديدتي الحساسية لجغرافية روسيا السياسية وهما ستّ جمهوريات وإقليم إداري بوسط روسيا وعلى حدودها مع كازاخستان؛ إضافة إلى سبع جمهوريات أخرى في القوقاز الشمالي وعلى الحدود مع جورجيا وأذربيجان وأرمينيا، وعلى مرمى حجر من تركيا وإيران.

بين الفيدرالية والاستقلالية

كان على روسيا - بعد تفكك الاتحاد السوفيتي - أن تخطو خطوات ديمقراطية لتلحق بالركب الغربي الذي انتصر عليها؛ ولكنها لم تكن تستطيع أن تخلع عن نفسها عباءة تاريخ طويل من المركزية الشديدة التي مارستها موسكو على الأقاليم المجاورة منذ القرن الثالث عشر. فمركزية الكرملين حكمت توجه روسيا رغم طموحها الديمقراطي. ونظرياً – حسب مفاهيم الفيدرالية – يحق لأي جمهورية أن تجري استفتاءً للتصويت على الاستقلال عن الدولة. وواقعياً – رغم أنف الفيدرالية – فإن ذلك غير ممكن، وإلا لصارت الشيشان – الجمهورية الإسلامية التي تجرأت في نوفمبر 1991 وأعلنت استقلالها – دولة ذات سيادة، وعضواً في الأمم المتحدة.

هذا وعلى الرغم من أن مسمّى روسيا في الأمم المتحدة هو "الفيدرالية الروسية Russian Federation"، فإنها لا تستخدم من الفيدرالية إلا المسمى.

وليست هذه تهمة تتبرأ منها روسيا.. فبعض المحللين الروس يناقشون هذه القضية ولو بطريقة يبدو معها كأنهم يفكرون بصوت عال، وفي ذلك يقول أحدهم: "من معضلات روسيا الصعبة كيفية العثور على الوسيلة المثلى لتحقيق التماسك والديمقراطية معاً، فما الأفضل لروسيا: الاتحادية، أم الفيدرالية، أم الكونفدرالية؟ فكما أبانت تجربة الاتحاد السوفيتي فليست الاتحادية هي النموذج المثالي القادر على علاج المشكلات الإقليمية والقومية والثقافية، والكونفدرالية ستفضي إلى التفسخ.. وهكذا تبدو الفيدرالية النموذج الأقرب ملاءمة، ولكن يجب ألا ننزلق إلى مغبّة اختيار تلك النماذج العامة التي قد تصلح لدول ذات مشاكل أكثر بساطة ووضوحاً من مشكلات الواقع الروسي، كفيدرالية الولايات المتحدة. ومن تلك المزالق ما ينادي به البعض من التوظيف السريع لكافة جوانب النموذج الفيدرالي وما ينطوي عليه ذلك من خطوات ثورية ذات تبعات لا تحمد عقباها".

ولعل هذا الفهم يفسر لنا السلوك الذي انتهجته روسيا بإجهاض المحاولة الشيشانية في الاستقلال عن المركب "الفيدرالي" بحربين داميتين (1994 و1999) دفع ثمنهما مئات الآلاف من المسلمين. والسبب بسيط للغاية.. فالسماح للشيشان بالاستقلال هو إخراج المارد من قمقمه، أو فتح صندوق "باندورا" على الفيدرالية الروسية.

وشعوب روسيا الإسلامية على وعي ودراية بالتخوف الروسي من بلقنة أراضيها، وهي على دراية بأن أكثر من استوعب درس انفراط العقد السوفيتي هم الروس أنفسهم. وهذه الشعوب - بحكمة التاريخ وخبرة المعارك - أقرب إلى المطالبة بالحقوق الفيدرالية منها إلى الانفصال عن روسيا. والحكماء منهم يعرفون أن الاستقلال الذي يأتي والظل الروسي الثقيل يخيم عليه – بحكم الجغرافيا وضعف الإمكانات الاقتصادية لهذه الجمهوريات- هو استقلال منقوص لا يستحق غزارة الدماء التي ستراق من أجله. فالجمهوريات الإسلامية في القلب الروسي - إن استقلت - ستحيط بها روسيا من كل جانب، وهى في عزلة جغرافية عن أي بحر أو أي دولة ذات شأن (فقط يمكن أن تجاورها كازاخستان الحبيسة من الجنوب). أما الجمهوريات الإسلامية في القوقاز الشمالي، فإن روسيا ستدفع أي ثمن – وقد دفعت بالفعل في حربيّ الشيشان الكثير من الدماء نتيجة بسالة الشيشانيين- لتحول دون ذلك.

ويجب أن نضع في اعتبارنا أن المشروعات الاقتصادية ذات المستوى القاري - والتي ستمر بأراضي الجمهوريات الإسلامية، وفي مقدمتها إحياء طريق الحرير القديم إضافة إلى سيناريوهات نقل نفط بحر قزوين - ستجعل روسيا تستبعد حتى "الحوار" في شأن تفعيل القوانين الفيدرالية.

مسلمون تائهون

يوماً بعد يوم تنشط عمليات التبشير المسيحي بين الجماعات السكانية الوثنية (كبعض شعوب سيبريا) وينمو دور الكنيسة في مجتمع مسيحي حرم من روحانية هذا الدين السماوي لأكثر من سبعة عقود. ناهيك عن انتشار فلسفات دينية متسللة برشاقة من شرق آسيا، على رأسها البوذية التي تجد إقبالا واسعاً من قبل قراء شغوفين (في غير مرة يقارنون الإسلام بالبوذية ويمدحون في الأخيرة بعدها عن السياسة).

وقبل أن نفكر في نشر الإسلام بين غير المسلمين في روسيا، حريّ بنا أن نقدم الدعم إلى مسلمين عاشوا ثلاث مآسي متتالية:

الأولى : وتمتد من القرن السادس عشر وحتى قيام الثورة البلشفية في مطلع القرن العشرين، وفي هذه الفترة يشهد المؤرخون الغربيون – قبل المسلمين – عن عمليات قسرية مارستها القيصرية الروسية لصرف المسلمين إلى المسيحية، وعن هدم المساجد وتحويل أعداد منها إلى كنائس، ناهيك عن القيود التي فُرضت على حرية ممارسة العقيدة الإسلامية.

الثانية : وتمتد من 1917 وحتى 1985؛ أي بين قيام الثورة البلشفية وتولي جورباتشوف رئاسة الاتحاد السوفيتي. وفي هذه الفترة مورست ضد الإسلام شتى صور الاضطهاد، ومنها تحويل المساجد إلى متاجر أو نواد أو حتى حظائر للحيوانات. والأهم من كل هذا هو غسل الأدمغة بأفكار حقّرت الإسلام في نظر المسلمين وغيرهم منذ نعومة أظافرهم.

الثالثة : وتمتد من نهاية الثمانينيات (بداية فترة إعادة البناء أو البيريسترويكا) وحتى الآن، وفيها فُك القيد عن مسلمي روسيا، وسمح لهم بممارسة شعائر دينهم، وأعيد بناء المساجد وانتشرت ترجمة القرآن في المكتبات ومنافذ بيع الكتب في أرجاء واسعة من روسيا. ولكن إذا كان هذا هو مستوى التغيير، فإن طبيعة المأساة تكمن في عدم تلقي مسلمي روسيا الدعم القادر على إحداث "عودة الروح" إلى جسد الإسلام الهزيل في روسيا.

ويعرف من تعاملوا مع مسلمي روسيا أن الكثيرين منهم يتوقون إلى "روح" الإسلام التي حرموا منها منذ أمد بعيد. فكبار السن والعجائز من مسلمي روسيا لديهم ارتباط بهذا الدين لدرجة تبعث في نفسك الإعجاب والفخار، أما الأجيال الوسطى والشابة فتجهل الكثير عن الدين ولا تلتزم بممارسة شعائره. ويزيد المشكلة تعقيداً تخوف هؤلاء الشباب من اتهامهم بالأصولية والتطرف إذا ما عُرضت عليهم الفرصة للاقتراب أكثر من الدين. وفي المدن الكبرى – كالعاصمة موسكو والعاصمة الثقافية سان بترسبرج - لا يوجد إلا مسجد جامع يلتقي فيه المسلمون بوسط المدينة. ومثل هذه المساجد أشبه بمؤسسات "رسمية" منها إلى المراكز الروحية، إذ تخضع للإشراف الحكومي بقبضته القوية. ولك أن تتخيل في ظل ذلك نوعية الموضوعات التي ستُطرح في خطب أيام الجمع، ولن يثيرك حينئذٍ أن ترقب الثنائيات الحوارية في المسجد، تتحدث في أمور دينية ودنيوية، وتهتم بأي شيء إلا موضوع الخطبة.

ولن تندهش إذا وجدت مسلماً يقف إلى جوارك لا يعرف مبادئ الصلاة، أو أن تلمح فتاة مسلمة تدخل المسجد وهي في لباس غربي يحظر أداء الصلاة به. ولكن العذر كل العذر لأناس لا يجدون عوناً أو مساعدة في شؤون دينهم.. والأسباب كثيرة.

وفي مثل هذا المناخ تصبح التربة مهيأة لنمو شباب مسلم روسي وعربي يسعى للاجتماع في أماكن ما يشكلونها "مسجداً"، يتحدثون فيها فيما شاءوا، ويضعون أنفسهم تحت طائلة المتابعة البوليسية.

أما في القرى والمدن الإسلامية، فيرصد الباحثون انحرافاً عن جوهر الدين الإسلامي. وفي ذلك يعلق "يونسووف" الأستاذ بجامعة بشكير بقوله: "تشير الدراسات الحديثة لعلماء الإثنوغرافيا إلى وجود طقوس يومية وثنية في حياة المسلم البشكيري. كما يؤكد علماء في اللغة على مصطلحات تشيع في الحوار اليومي مرتبطة بمفردات عن السحر. وما زالت بعض الأماكن والمحلات العمرانية تحمل أسماء للموروث العقائدي الوثني، وممثلة بوضوح في أسماء وثنية للقبائل والجماعات السكانية، وفي التمائم القبلية وفي الإيمان بالشياطين والجن وأثرهم".

وفي دراسة أنثروبولوجية قام بها "عثمانوف" فإن عديداً من أسماء الجبال والأنهار والبحيرات تحمل أسماء للشياطين والجان أو أرواحهم. كما تحمل التلال والصخور والوديان أسماء تشتمل على مفردة "القديس"، كما تحمل بعض الأماكن أسماء الأولياء والشهداء. وعديد من التلال تحمل اسم "كورباناتو" أي "قربان".

دعم مسلمي روسيا.. البديل الممكن

ويعوزنا في هذا الخصوص تنسيق ومتابعة من الدول الإسلامية لتقديم المدد الروحي إلى مسلمي روسيا. وقبل أن يقول قائل إن دولاً خليجية -وهي مشكورة في ذلك- تقدم فرصاً للحج على نفقتها، أو تقدم آلافا من نسخ القرآن الكريم مترجماً أو بالعربية لمسلمي روسيا، نقول: إن مثل هذه المساعدات طيبة، ولكنها لا تسمن ولا تغني من جوع. فلا بد أن نأخذ في اعتبارنا أن:

 * لمسلمي روسيا خصوصية ثقافية تتطلب تفهماً لتاريخهم وثقافتهم، بمعنى خيار المساعدة بالتغلغل بينهم، لا خيار المساعدة بالتحكم عن بعد.

* أن من يقدم المساعدة لمسلمي روسيا عليه أن يدرك مدى حساسية وضعهم؛ فالمنطقة الوسطى –بين الانصراف عن الدين والانخراط فيه لدرجة الاتهام بالتطرف – منطقة غائبة. * أن جهود الدعم المبذولة يجب أن تشمل أطيافاً متنوعة، لا تقف عند حدود المصاحف ورحلات الحج، ويجب ألا تقف تائهة بعيدة عن التنسيق مع الحكومة الروسية. إن التنسيق مع الدوائر الروسية سيرضي غرور الأخيرة، وسيحقق للعاملين في مجال الدعم الإسلامي شرعية، ويحميهم من تهم الإرهاب والتطرف؛ ولكي يتأتى ذلك لا بد من إنشاء مراكز بحثية تستعين بخبرة المختصين في اللغة والثقافة والتاريخ الروسي، بحيث تعد قاعدة للبيانات عن هؤلاء المسلمين وتحدد ما هي حوائجهم –باختلاف مستوياتها- وترسم سيناريوهات المساعدة والدعم.

* لا بد أن ترقى جهود المساعدة فوق مستوى تحقيق أهداف أيديولوجية للجهات المانحة، وألا يكون الهدف هو دعم مركز دولة عربية أو إسلامية في نفوس سكان روسيا من المسلمين.

وإذا ما تحقق ذلك يمكن أن تشترك عدة دول بتنسيق يضمن وصول الدعم (مادي، روحي، اجتماعي، ثقافي نفسي…الخ)، بغض النظر عن: إلى من سينسب الشكر والدعوات في الصلاة التي لا يتقنها الكثيرون من إخواننا المسلمين في روسيا؟!!

اقرأ أيضًا: 


** دكتوراه في الجغرافيا ـ جامعة سان تبرسبرج روسيا

    مدرس الجغرافيا بكلية الآداب- جامعة القاهرة 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع