|

|
|
المقاومة ستستمر حتى بعد مقتل صلاح شحادة
|
شهد
شهر يوليو (تموز) نقطة تحول فارقة عما
سبقه؛ ففي هذا الشهر وصل إجرام جيش
الاحتلال إلى حد غير مسبوق.. ففي ليلة
الثالث والعشرين من هذا الشهر شهدت
مدينة غزة واحدة من كبرى فظائع القوات
الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين،
وذلك عندما أصدر رئيس الوزراء
الإسرائيلي إريل شارون تعليماته لسلاح
الجو الإسرائيلي بإلقاء قنبلة تزن طنا
من المواد الناسفة توجه بأشعة الليزر
على منزل الشيخ صلاح شحادة "أبو مصطفى"
قائد الجناح العسكري لحركة المقاومة
الإسلامية "حماس".
النتيجة
كانت مجزرة مروعة راح ضحيتها -إلى جانب
الشيخ شحادة ومساعده زاهر نصار الذي
يطلق عليه "أبو حماس"- زوجة الشيخ
شحادة وابنته واثنا عشر مواطنا
فلسطينيا من بينهم ثمانية أطفال. وعلى
الرغم من مشاهد أشلاء الأطفال التي
تقشعر لها الأبدان فإن شارون وصف
المجزرة بأنها واحدة من أهم الإنجازات
التي حققها الجيش الإسرائيلي منذ
تأسيسه.
وفي
نهاية شهر يوليو، فإن عدد الشهداء الذين
سقطوا في انتفاضة الأقصى قد وصل إلى 1740
شهيدا، 85% منهم من المدنيين الذين لا
ينتمون إلى أي تنظيم فلسطيني مسلح، أو
إلى قوى الأمن الفلسطينية، وقد كان 25% من
الشهداء من الأطفال، في حين أن 8% من
الشهداء من النساء.
التوقيت
والأهداف
وصفت
مجزرة غزة إسرائيليا وفلسطينيا بأنها
نقطة تحول كبيرة في مسار الأحداث في هذا
الشهر؛ فقد تبين أن شارون اختار تنفيذ
عملية اغتيال الشيخ شحادة على الرغم من
علمه المسبق أن الأمر سيترتب عليه
ارتكاب مجزرة كبيرة، لأنه كان يعلم أن
هناك اتصالات فلسطينية بدعم عربي
وأوروبي لإعادة تقييم بعض صور العمل
المسلح في الساحة الفلسطينية، سيما
العمليات الاستشهادية داخل إسرائيل،
فقد بات واضحا أنه كان من المفترض أن
يعلن الجناحان العسكريان لحركة "فتح"،
"كتائب شهداء الأقصى" و"كتائب
العودة" عن وقف العمليات الاستشهادية
داخل إسرائيل.. وذلك في صبيحة اليوم الذي
يلي مجزرة غزة. كما جرت اتصالات بين
قيادة حماس وقيادة السلطة الفلسطينية
للتفاهم على وقف العمليات الاستشهادية
داخل الخط الأخضر من أجل سحب الذرائع من
شارون، وعدم تمكينه من تبرير جرائمه ضد
الشعب الفلسطيني. وقد توجت الجهود
بإعلان الشيخ ياسين مبادرة تنص على وقف
العمليات الاستشهادية شريطة انسحاب
قوات الاحتلال من مدن الضفة الغربية
التي أعادت احتلالها، ووقف عمليات
الاغتيال للكوادر الفلسطينية، وإطلاق
سراح آلاف المعتقلين الفلسطينيين في
السجون الإسرائيلية.
لكن
شارون خشي أن تسفر هذه الاتصالات عن
إعلان شامل بوقف العمليات الاستشهادية،
لأن ذلك لا يسحب منه فقط الذرائع لوقف
عدوانه على الشعب الفلسطيني، بل إن مثل
هذه الخطوة ستثبت أيضا انعدام أي أفق
سياسي لديه باستثناء مواصلة احتلال
المدن الفلسطينية، وكل ما يتطلب ذلك من
استحقاقات أمنية يدفع ثمنها المواطن
الفلسطيني. مجزرة غزة وأدت أي فرصة
لتوصل الفصائل الفلسطينية لصيغة جديدة
تنظم صور العمل المسلح في الانتفاضة.
أما حركة حماس، فقد أعلنت أنها قررت
التوقف عن مناقشة مجرد فكرة إعادة تقييم
صور العمل المسلح الذي تتبعه، ومن ضمن
ذلك العمليات الاستشهادية. وتوعدت برد
قاس على المجزرة.
جميع
الفصائل الفلسطينية – بدون استثناء –
أعلنت أنها بصدد الانتقام. حركة "فتح"
قامت بأول عملية فدائية للانتقام،
عندما قتل عناصر "كتائب شهداء الأقصى"
أربعة مستوطنين وجرحوا ثلاثة آخرين
جنوب الخليل مساء السادس والعشرين من
يوليو 2002. وتعرض على إثر ذلك شارون وهيئة
أركان حربه لانتقادات حادة من قبل وسائل
الإعلام الإسرائيلية، على اعتبار أن
الذي سيدفع ثمن قرار شارون بارتكاب هذه
المجزرة هو رجل الشارع الإسرائيلي. فقد
قال الجنرال "أمنون شاحاك" رئيس
هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق،
الوزير السابق في حكومة إيهود باراك: إن
شارون بإصداره التعليمات للقيام بعملية
الاغتيال على هذا النحو حكم مسبقا
بإعدام المئات من الإسرائيليين. ومن
جهته، وصف "حاييم رامون" رئيس لجنة
الخارجية والأمن في البرلمان
الإسرائيلي هذه المجزرة بأنها "دليل
آخر على فزع شارون من أي فرصة يمكن أن
تفضي إلى أفق سياسي يغير مسار العلاقة
بين إسرائيل والشعب الفلسطيني".
اللافت
للنظر أن الإسرائيليين تعاملوا بجدية
غير مسبوقة مع تهديدات حماس بالانتقام.
وإن كانت الانتفاضة والمقاومة
الفلسطينية قد غيرت من طرق الحياة في
المجتمع الإسرائيلي، فإن هذه التغييرات
كانت ملحوظة بشكل كبير بعد المجزرة. فقد
كانت مراكز المدن الإسرائيلية الكبرى
تبدو كما لو كانت تحت نظام حظر التجول،
في حين خلت وسائل النقل العامة من
الركاب.. كما أن نسبة الذين يتوجهون
للأسواق تدنت إلى حد كبير. وكما يقول
البروفيسور "عامي ألدو" أحد أبرز
الإخصائيين النفسيين في دولة الاحتلال
فإن الشعور بالأمن الشخصي في إسرائيل
تدهور بعد مجزرة غزة بشكل لم يسبق له
مثيل.
اعتقالات
بالجملة
من
جانب آخر، واصلت قوى الأمن الإسرائيلية
هذا الشهر ما كانت تقوم به في الأشهر
الماضية من حملات اعتقال كبيرة. وفي بعض
القرى الفلسطينية، يتم اعتقال جميع
الذكور ليوم واحد على الأقل، حيث يتم
التحقيق مع المعتقلين حول أنشطة
المقاومة في هذه القرى. إسرائيل استطاعت
اعتقال عدد من أبرز قادة الأجنحة
العسكرية في مختلف التنظيمات
الفلسطينية. واللافت للنظر أن قوى الأمن
الإسرائيلية تحاول استغلال اعتقال بعض
البسطاء من الفلسطينيين من أجل
ابتزازهم وإجبارهم على التعامل مع
أجهزتها الأمنية ليكونوا عملاء لها؛
لكن هذه المحاولات تفشل بشكل كبير.
المقاومة
تجتاز "الطريق الصارم"
بعد
سلسلة العمليات الاستشهادية التي هزت
إسرائيل قبل شهر ونصف شنت إسرائيل حملة
جديدة أطلقت عليها عملية "الطريق
الصارم"، قامت خلالها بإعادة احتلال
جميع المدن الفلسطينية في الضفة
الغربية، باستثناء أريحا. وقد جاءت هذه
الخطوة بعد أن أكد قادة الجيش وأجهزة
الاستخبارات الإسرائيلية أن الطريق
الوحيد لمنع العمليات الاستشهادية هو
احتلال المدن الفلسطينية، وتمركز جيش
الاحتلال داخلها. بكلمات أخرى، فإن قادة
الأمن الإسرائيلي قد أبلغوا حكومة
شارون أنه في حال إذا لم تنجح هذه
العملية في وقف العمليات الاستشهادية
فإنه لا يوجد في جعبتهم وصفة أكثر
إحكاما!
لكن
رهان قادة الأمن الإسرائيلي على عملية
"الطريق الصارم" كان مبالغا فيه
إلى حد كبير؛ إذ نجحت الأجهزة العسكرية
لكل من حماس و"فتح" في تجاوز
الإجراءات الأمنية الإسرائيلية؛ ونجحت
عناصر "كتائب الشهيد عز الدين القسام"
الجناح العسكري لحماس في نصب كمين جريء
بالقرب من مستوطنة "عموانئيل" جنوب
مدينة قلقيلية غرب الضفة الغربية وقتل
سبعة من المستوطنين وإصابة عشرين آخرين.
وفي الوقت نفسه، نجح أحد عناصر "كتائب
شهداء الأقصى" الجناح العسكري لفتح
في التسلل إلى داخل الخط الأخضر، وتنفيذ
عملية استشهادية في إحدى الساحات
الرئيسية في مدينة تل أبيب، وأسفرت هذه
العملية عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة خمسة
وعشرين آخرين بجراح. هاتان العمليتان
اللتان وقعتا قبل مجزرة غزة أصابتا
المستويات الأمنية والسياسية بالفزع؛
إذ إن الكثير من الساسة والمعلقين -فضلا
عن رجل الشارع الإسرائيلي- أصبحوا
يتساءلون عن جدوى حملة "الطريق
الصارم"، ما دامت غير قادرة على وقف
عمليات المقاومة الموجعة.
معاناة
تتجاوز الوصف
بنهاية
شهر تموز، فإن سكان المدن الفلسطينية
يكونون قد أمضوا تحت نظام حظر التجول
أربعين يوما. التزام الفلسطينيين
بيوتهم بشكل متواصل أدى إلى تدهور كبير
في أوضاعهم الاقتصادية. صحيح أن هناك
نقصا حادا في المواد الغذائية، لكن نسبة
كبيرة من السكان لا تملك مالا لشراء أهم
المواد الغذائية المتوفرة في الأسواق.
المرافق الطبية الفلسطينية -فضلا عن
منظمة "أطباء بلا حدود" الدولية-
تؤكد أن الكثير من الأمراض التي انقرضت
قد عادت إلى المدن الفلسطينية بسبب نظام
منع التجول الذي حال دون تمكين الدوائر
الصحية من تطعيم الأطفال الفلسطينيين
من الأمراض التي تم القضاء عليها في
السابق. فعلى سبيل المثال مرض اليرقان -الذي
اختفى تقريبا من الأراضي الفلسطينية
بفضل التطعيم المسبق الذي يحصل عليه
الأطفال في سن مبكرة جدا- قد عاد لأن
المواليد الجدد لم يتمكنوا من الحصول
على الأمصال المضادة للمرض.
نقص
المواد الغذائية -فضلا عن تدهور الأوضاع
الاقتصادية- أدى إلى معاناة الأطفال من
سوء التغذية؛ الأمر الذي أدى إلى
استجابة الطفل الفلسطيني إلى العديد من
الأمراض بسبب ضعف الأجهزة المناعية لدى
هؤلاء الأطفال. وإذا أضفنا إلى ذلك
حقيقة هي أن شهر تموز هو الشهر الأكثر
حرارة من بين شهور السنة في فلسطين فإن
على المرء أن يتخيل حجم المعاناة التي
تتكبدها الأسر الفلسطينية عندما تُجبر
على عدم مغادرة بيوتها لأكثر من أربعين
يوما؛ وهو ما أدى بالفعل إلى انتشار بعض
الأمراض النفسية!!
محاولات
خلق قيادة بديلة
إلى
جانب كل ما تقدم، فإن شهر تموز شهد تواصل
المحاولات الإسرائيلية والأمريكية
لإيجاد بديل للقيادة الفلسطينية
الحالية. هذه المحاولات وصلت ذروتها
بالاجتماع العلني الأول من نوعه الذي
عقده وزير الخارجية الإسرائيلية شيمون
بيريز مع أربعة من الوزراء الفلسطينيين.
وقد أعلنت الإدارة الأمريكية -وعلى لسان
وزير الخارجية كولن باول- أنها ستتعامل
مع اثنين فقط من الوزراء الفلسطينيين
الجدد؛ وهم وزير الداخلية الجديد عبد
الرزاق اليحيى، ووزير المالية سلام
فياض. على الرغم من هذا، ترسم المواقف
الإسرائيلية والأمريكية المعلنة تجاه
القيادة الفلسطينية علامات استفهام
كبيرة حول درجة مناعة القيادات
الفلسطينية الواقفة في مواجهة محاولات
الأمريكيين والإسرائيليين، لخلق قيادة
فلسطينية وفق معاييرهم الخاصة.
اقرأ
أيضًا:
**
باحث في الشؤون الإسرائيلية- غزة.
|