|
فاجأ
البرلمان الصومالي العالم أجمع عندما
وافق بالأغلبية في أوائل يوليو 2002م على
قرار الحكومة بشأن مناشدة الأمم
المتحدة ومجلس الأمن إرسال قوات دولية
لإحلال السلام في البلاد، ولعلَّ سبب
المفاجأة يرجع إلى أن الشعب الصومالي
يرفض أي نوع من الوصاية الدولية، أو
بمعنى أدق التدخل الدولي في شئونه، بل
إن الفرقاء الصوماليين قد يتناسون
خلافاتهم القبلية ويقفون صفًّا واحدًا
في مواجهة القوات الدولية، تمامًا كما
حدث مع القوات الدولية التي تدخلت في
البلاد عام 1992م في إطار ما عرف بعملية
"إعادة الأمل"، وشاركت القوات
الأمريكية ضمن هذه القوات بقرابة 28 ألف
جندي.
لكن
النتيجة تناسي الجنرال الراحل فرح
عيديد خلافاته مع خصمه اللدود علي مهدي
محمد، ووقف عيديد في مواجهة القوات
الدولية والأمريكية، وقامت قواته بقتل
18 جنديًّا أمريكيًّا والتمثيل بجثثهم
في الشوارع، وهو ما أثار حفيظة الرأي
العام الأمريكي الذي ضغط من أجل سحب
القوات الأمريكية، وبالفعل انسحبت
القوات الأمريكية عام 1994م، وتلاها
انسحاب القوات الدولية عام 1995م، بعدما
تبين لها عدم قدرتها على السيطرة على
الأوضاع في البلاد. ويجدر التنويه بأن
هذا الاقتراح ليس وليد اللحظة، وإنما تم
تقديمه قبل عام تقريبًا، لكن الحكومة
أرجأت الموافقة عليه على أمل تحسن
الأوضاع داخليًّا.
ولعلَّ
هذا يدفعنا إلى دراسة الأسباب التي دفعت
كلاًّ من الحكومة والبرلمان للموافقة
عليه، بالرغم من التجربة المأساوية
لفكرة التدخل الدولي في البلاد.
الأسباب
الداخلية
يلاحظ
أن الحكومة الصومالية - رغم مرور أكثر من
عشرين شهرًا على تشكيلها - لم تتمكن من
بسط سيادتها على سائر الأقاليم
الصومالية، بل إن سيطرتها لم تتعدَّ
نطاق العاصمة مقديشيو، ومن ثَم فهي
عاجزة عن تشكيل قوات شرطة تكفل حماية
الأمن للمواطنين، الأمر الذي أدى إلى
ظهور العصابات، وزيادة حالات الاختطاف
للشخصيات العامة ورجال الأعمال مقابل
دفع الفدية، كما يلاحظ انتشار السلاح
على نطاق واسع في الأسواق العامة ،
فالمرء يستطيع أن يحصل على أفضل الأسلحة
من الأسواق الخاصة المعروفة باسم أسواق
الرصاص مقابل بعض الدولارات (سعر
البندقية الكلاشينكوف على سبيل المثال
يبلغ 400 دولار)، ولعلَّ هذا ما دفع
المواطن إلى عدم الإحساس بالأمن، ولجوء
الشخصيات العامة وذوي النفوذ إلى تأجير
بعض الأشخاص المسلحين من أجل توفير
الحماية لهم مقابل حفنة دولارات لا تزيد
عن 5 دولارات للشخص في اليوم.
وإذا
كان هذا يصدق بالنسبة للمواطن العادي
الذي صار لا يشعر بالأمان، فإن الوضع
يزداد تعقيدًا بالنسبة للميليشيات
المسلحة التي لا ترفع سلاحها في وجه
المواطنين، وإنما في وجه الحكومة
ذاتها، ونقصد هنا الفصائل المعارضة
المسلحة، وأبرزها "المجلس الصومالي
للمصالحة والتجديد" الذي يرأسه
حاليًا حسين عيديد، وقد انطلقت بدايته
الأولى من أثيوبيا المجاورة، ويضم بعض
بارونات الحرب من أمثال حسن محمد نور (الملقب
بشاتي جدود) حاكم بيداوا، زعيم جيش "الرحناوين"
الذي أعلن في مارس الماضي عن تشكيل دولة
جديدة تتمتع بالحكم الذاتي في جنوب
غرب الصومال عرفت بهذا الاسم، وتتخذ من
بيداوا عاصمة لها، ومحمد سعيد مرجان
وزير الدفاع في مجلس المعارضة، وغيرهم.
ولقد
أعلن هؤلاء القادة عدم اعترافهم
بالحكومة الانتقالية التي تم تشكيلها
بموجب اتفاق المصالحة في مؤتمر عرتة
بجيبوتي أواخر عام 2000م، وعدم اعترافهم
بالرئيس صلاد حسن، وهم يطالبون بعقد
مؤتمر جديد للمصالحة الوطنية تشارك فيه
مختلف الفصائل الصومالية على قدم
المساواة، مع عدم الاعتراف بأي وضع
مسبق، في إشارة إلى إلغاء كافة
الاستحقاقات المترتبة على مؤتمر عرتة.
وتكمن
خطورة المعارضة في الدعم التسليحي
الهائل الذي تحصل عليه من أثيوبيا خاصة
في الآونة الأخيرة، وبالتحديد في ثلاثة
مجالات هي:
-التنسيق
بين الفصائل المعارضة والسعي لتجنب
حدوث الخلاف فيما بينها، كما حدث عندما
ساهمت أديس أبابا في تشكيل مجلس
المعارضة الأخير والذي اتخذ من العاصمة
الأثيوبية مقرًّا له.
-تقديم
الدعم المسلح لهذه الفصائل في
مواجهاتها العسكرية ضد الحكومة، وقد
ظهر ذلك بوضوح في المعارك الأخيرة التي
دارت بين الجانبين جنوب العاصمة في
نهاية مايو 2002م، حيث استخدمت المعارضة
الأسلحة الثقيلة بما فيها مدافع
الهاون، وقد كشفت الصحف الأثيوبية
النقاب عن العملية التسليحية للمعارضة،
حيث أشارت إلى أن قافلة من الحافلات
محملة بالأسلحة قامت بالوصول إلى مدينة
بيداوا (جنوب غرب البلاد).
-التدخل
المباشر للقوات الأثيوبية في المعارك
الدائرة بين الحكومة الصومالية
والمعارضة، وهو مشهد تكرر كثيرًا في
الآونة الأخيرة.
هذا
الوضع الداخلي ساهم في حدوث حالة من
الفوضى في البلاد، كان من أبرز مظاهرها
انقسام الصومال إلى أربعة أجزاء هي:
1-العاصمة
-مقديشيو- التي تسيطر عليها الحكومة إلا
قليلاً.
2-"دولة
بونت لاند" في الشمال الشرقي
وعاصمتها جروي (تأسست عام 1998م) ويرأسها
الآن جامع علي جامع الذي تولى الحكم
خلفًا لمؤسس "الدولة" عبد الله
يوسف، وهي ترى أنها لا تسعى للانفصال
بقدر رغبتها في التمتع بقدر أكبر من
الحكم الذاتي، وقد نجحت الحكومة
الانتقالية في التوصل إلى اتفاق مع جامع
أوائل يوليو 2002م -برعاية جيبوتي- بشأن
التعاون بين الجانبين في مختلف
المجالات، كما تم الاتفاق على حضور جامع
مؤتمر المصالحة الوطنية الذي سيعقد
برعاية منظمة "إيجاد"، (الهيئة
الحكومية لمكافحة التصحر في شرق
أفريقيا، وتضم سبع دول هي: أثيوبيا -
كينيا - الصومال - إريتريا - جيبوتي -
السودان - أوغندا) وتحدد له أوائل سبتمبر
2002م.
3
- "جمهورية أرض الصومال" في شمال
غرب البلاد، التي أسسها الراحل إبراهيم
عقال عام 1991م، وعاصمتها هرجيسا، وقد
أعلنت الانفصال التام عن البلاد، لكن لم
يعترف بها أحد حتى الآن. ويتولى رئاستها
الآن طاهر ريال خلفا لعقال الذي توفي
قبل بضعة أشهر.
4
- "جمهورية جنوب غرب الصومال"،
وتتخذ من بيداوا عاصمة لها، وقد تم
الإعلان عنها في مارس 2002م، ويرأسها محمد
حسن نور الذي يرأس جيش الرحناوين، وقد
لعبت أثيوبيا دورًا كبيرًا في إعلان
قيام هذا الكيان الجديد. وقد شهدت
الفترة الأخيرة خلافات بين نور وبعض
مساعديه الذين طالبوه بالتخلي عن منصبه
السياسي لقائد لجيش الرحناوين بعدما
صار رئيسًا للكيان الجديد. الأمر الذي
دفع أديس أبابا مؤخرًا لدعوة الأطراف
المتنازعة للحضور إليها من أجل تسوية
الخلافات بينهما، وليست هذه هي المرة
الأولى التي تقوم فيها أثيوبيا بعملية
الوساطة، فقد سبق أن قامت بوساطة أخرى
في شهر يونيو الماضي، لكن سرعان ما دب
الخلاف بين الجانبين مجددًا.
الأسباب
الإقليمية
تزامنت
الفوضى والعجز الداخليان مع تخاذل، بل
انحياز إقليمي واضح ضد الحكومة
الجديدة، خاصة من قبل أثيوبيا وكينيا
اللتين تحتل كل منهما جزءاً من الأراضي
الصومالية، (تحتل أثيوبيا إقليم
الأوجادين ذا الأغلبية المسلمة، وكينيا
إقليم النفد)، ومن ثَم فمن مصلحة كل
منهما استمرار الصومال ضعيفًا، ولقد
ظهر ذلك بوضوح في تعثر جهود منظمة "إيجاد"،
حيث لم تتمكن هذه اللجنة إلى الآن من
تحديد موعد نهائي لاتفاق المصالحة (أعلن
مؤخرًا أن مؤتمر المصالحة سيعقد في
كينيا في الثاني من سبتمبر 2002م)، فضلاً
عن وجود خلافات بين أعضاء اللجنة الفنية
للإعداد للمؤتمر، والتي تضم كلاًّ من
أثيوبيا وكينيا وجيبوتي، حيث اعترضت
الأخيرة على موقف أثيوبيا التي ترفض
الاعتراف بالحكومة الجديدة في الصومال،
والبدء من نقطة الصفر من جديد، الأمر
الذي دفع جيبوتي إلى الانسحاب من
اللجنة، كما تعترض الحكومة الصومالية
على وجود أثيوبيا في اللجنة، على اعتبار
أنها سبب في المشكلات التي تعاني منها
البلاد.
ولعلَّ
هذه الخلافات تفسِّر لنا أسباب عدم عقد
مؤتمر المصالحة حتى الآن، بالرغم من
مطالبة آخر قمة للإيجاد -التي عقدت في
الخرطوم في يناير 2002م- بسرعة عقد
المؤتمر.
ولعلَّ
هذا التخاذل الإقليمي يقابله تخاذل
آخر، هو التخاذل العربي، فبالرغم من
اهتمام القمة العربية الأخيرة -التي
عقدت في بيروت في مارس 2002م- بقضية
الصومال، واعتمادها مبلغ 56 مليون دولار
لدعم جهود المصالحة هناك، ثم تأكيد هذا
الأمر في اجتماع اللجنة المكلفة
بمتابعة الوضع في الصومال على مستوى
المندوبين الدائمين (11 دولة) في
اجتماعها الأخير في 5 مايو 2002م، بل
واعتمادها تعيين مبعوث خاص للأمين
العام للجامعة لمتابعة الملف الصومالي،
فإن الاعتمادات المالية لم يصل منها شيء
للحكومة الصومالية!.
وليس
هذا بالشيء الجديد على الدول العربية،
فقد سبق أن تعطل عقد مؤتمر بيداوا
للمصالحة الوطنية الذي كان أحد إفرازات
اتفاق القاهرة للسلام؛ بسبب عدم توفر
الدعم المادي لعقد المؤتمر والذي بلغ 5.4
ملايين دولار آنذاك، لولا تعهد قطر
وليبيا -بصورة منفردة- بتوفير هذا
المبلغ. ويبرر البعض هذا التخاذل العربي
بتراجع ملف الصومال بالنسبة إلى
الملفات الأخرى الساخنة كالملف
الفلسطيني، وإن كان الواضح أن ذلك الملف
أيضًا لا يحظى بالاهتمام الكافي، ولا
يوجد التزام عربي بتوفير الاعتمادات
المقررة بالنسبة لقضية فلسطين.
الأسباب
الدولية
تعتبر
الخطوة الصومالية باستدعاء قوات دولية
لحفظ السلام في الصومال محاولة
لاستعادة الاهتمام الدولي بالملف
الصومال بعد أن تراجع هذا الاهتمام
كثيرًا في المرحلة الأخيرة، لعدة أسباب
أهمها:
1
- الانشغال الأمريكي الحالي بالإعداد
لتوجيه ضربة عسكرية للعراق.
2
- تجاوب الحكومة الصومالية مع مطالب
واشنطن، وإعلان شجبها للعمليات
الإرهابية، فضلاً عن قيام المعارضة
بالتعاون مع المخابرات الأمريكية في
هذا الشأن، حيث زار وفد من المخابرات
الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي
في شهر يوليو الحالي مدينة بيداوا -معقل
المعارضة المدعومة من أثيوبيا- وقام
بالحصول على معلومات بشأن جماعة
الاتحاد الإسلامي.
3
- الاعتماد الأمريكي على ألمانيا حاليًا
فيما يتعلق بمراقبة الأوضاع في الصومال
من خلال تواجدها البحري في شرق أفريقيا،
حيث قامت ألمانيا بنشر طائرات استطلاع
في كينيا المجاورة، كما يوجد 1200 جندي
ألماني في جيبوتي يقومون بمهمة الحراسة
في البحر الأحمر والساحل الصومالي
وخليج عدن. وهذا ما كشفت عنه مجلة دير
شبيجل الألمانية في إبريل 2002م، فضلاً عن
الاعتماد على أثيوبيا للقيام بالتدخل
عند اللزوم، وهو ما تقوم به أثيوبيا
بنجاح الآن.
على
أية حال، فإن الدعوة الأخيرة للحكومة
تكشف مدى العجز الذي أصابها، وعدم
قدرتها على تملك زمام الأمور، كما أن
مراهنتها على الأمم المتحدة محفوفة
بالمخاطر، خاصة في حالة وجود انحيازات
مسبقة لدى القوات الدولية، وهو أمر ظهر
بوضوح في عمليات الأمم المتحدة في العقد
الأخير (البوسنة ومساعدة الصرب في سحق
المسلمين - عمليات النهب والاغتصاب
الجارية حاليًا في سيراليون، وغيرها)؛
لذا فقد يشكل التدخل الدولي وبالاً على
البلاد كما حدث عام 1992م، لكن للأسف لا
تملك الحكومة أي وسيلة لوقف تردي
الأوضاع في البلاد، والمدهش في الأمر أن
واشنطن غير متحمسة لفكرة التدخل الدولي
في الصومال حاليًا، والأمم المتحدة
التي تشكو من عدم توافر الاعتمادات
المالية الكافية لعملياتها الراهنة من
ناحية، فضلاً عن المخاطر المحدقة
بالقوات الدولية المشاركة في هذه
العمليات من ناحية ثانية.
تحول
في موقف المعارضة
لقد
اعترضت المعارضة بشدة على فكرة إرسال
قوات دولية للبلاد لإقرار السلام بها،
حيث رأت أنه لا يجوز لحكومة انتقالية لا
تعبر عن كافة فصائل الشعب اتخاذ مثل هذه
القرارات، وأن مثل هذه الأمور تحتاج إلى
موافقة كل القوى الصومالية. ولعلَّ هذا
يطرح تساؤلاً عن التحول في موقف
المعارضة من فكرة التدخل، خاصة أنها
أيدت بعد أحداث 11 سبتمبر تدخل الولايات
المتحدة في البلاد، وأكد وزير دفاع
المعارضة محمد سعيد مورجان أنها -أي
المعارضة- يمكن أن تكون أداة واشنطن في
التدخل، كما قام مجلس المصالحة المعارض
بتشكيل جيش قوامه أربعة آلاف جندي لهذا
الغرض. هذا التناقض يزول إذا ما عرفنا أن
التدخل الأمريكي المنفرد كان سيضمن
تبوء المعارضة السلطة، كما فعلت مع
تحالف الشمال في أفغانستان؛ لذا فقد
رحبت به، أما التدخل الدولي من خلال
الأمم المتحدة -الذي دعت إليه الحكومة-
فلن يحقق هدفها، بل سيعمل على تكريس
السلطة الشرعية في البلاد المتمثلة في
الحكومة الحالية.
اقرأ
أيضًا:
**
باحث
في الشؤون الإفريقية – القاهرة.
|