|
لا
شك أن العلاقات الإيرانية العراقية
علاقات موغلة في القدم، شديدة التعقيد،
مبهمة التداخل، حيث يؤكد التاريخ
الحضاري لكلتا الدولتين أنهما متصلتان
منفصلتان، لعبت الجغرافيا السياسية
دورًا كبيرًا في تحديد علاقاتهما،
ولعبت الشخصية القومية لكلا البلدين
دورًا أشد في تعقيد هذه العلاقات.
لقد
كانت إيران منذ عهودها الأسطورية تبدي
اهتمامًا بالعراق؛ لا كمنطقة مجاورة أو
كمنطقة امتداد عمراني لها، بل باعتباره
الجنة الموعودة للخير الذي يأتي منها
كمنطقة زراعية ومائية تحتاجها شبه
الهضبة الإيرانية، وتتلهف على امتلاكه
منذ أن دبّ الخلاف بين الملكين الأخوين،
الملك "إيرج" الذي خصه أبوه "فريدون"
بخلافته في ملكه وامتلاك بلاد الآريين،
والملك "تور" الذي أعطاه أبوه ملك
بلاد التورانيين التي يقع العراق على
ثغورها، والتي أصبحت مسرحًا للعمليات
العسكرية بين الجانبين، ومنذ ذلك الوقت
دخل العراق في التاريخ القومي
الإيراني، وصار موضع اهتمام الحكام
الإيرانيين على مر العصور.
وقد
ساهمت الأحداث التاريخية في تعميق هذا
الاهتمام خاصة بعد أن اكتسب العراق
أهمية دينية لدى الإيرانيين، سواء مع
ظهور "زرادشت" الذي كان يعتقد
الفرس بنبوته قبل الإسلام، أو مع واقعة
استشهاد الإمام الحسين في كربلاء وعدد
آخر من أئمة الشيعة في العراق بعد
الإسلام، بحيث صارت هذه البقاع "العتبات
المقدسة" لدى الإيرانيين.
ولعلنا
نستطيع أن ندرك هذه الأهمية من خلال
الحروب التي دارت بين البلدين في عصور
التاريخ المتعاقبة، وحتى الحرب
العراقية - الإيرانية الأخيرة عندما
امتنع الإيرانيون في حرب قصف المدن عن
قصف هذه "العتبات المقدسة"، مع
علمهم بأن العراقيين يستفيدون من هذا
الموقف استفادة كبيرة.
الثورة
الإسلامية والعراق
لإيران
إستراتيجية خاصة تجاه العراق منذ قيام
ثورتها الإسلامية حيث عزم "آية الله
الخميني" -بعد أن استقر له الأمر على
رأس النظام- تصدير الثورة الإسلامية إلى
المنطقة المجاورة، بدءًا من العراق؛
المركز الشيعي التالي بعد المراكز
الإيرانية وبه "العتبات المقدسة"،
وهو أمر طبيعي ومنطقي في فكر الثورة
الإيرانية.
وبغض
النظر عن الأسباب فقد نشبت الحرب
العراقية - الإيرانية، ولكن الذي نود
الإشارة إليه في هذا الأمر أنها تحولت
لدى الإيرانيين إلى حرب دينية لا تهدف
إلى النصر على قوات الحكومة البعثية
العراقية فحسب، بل "تحرير الشعب
العراقي من قيادته الكافرة"؛ وهو ما
حدا بالقيادة الإيرانية إلى استضافة بل
تشكيل "القيادة العليا للثورة
الإسلامية العراقية"، وإنشاء كيان
مؤسسي لها تحت قيادة "آية الله محمد
باقر حكيم" لتكون نواة لحكومة جديدة
في العراق تؤمن بمبادئ الثورة
الإسلامية وتتخذ المذهب الشيعي مذهبا
رسميا لها.
إذا
كانت إيران تقر لنفسها حق التدخل في
شؤون العراق من خلال تلك النظرة
الإستراتيجية المعقدة لهذه البلاد،
فإنها من ناحية أخرى، لا تقر أبدًا بل
تناهض أي تدخل أجنبي فيه، وتعتبره من
وجهة النظر الأمنية مساسًا بأمنها
القومي، ومن وجهة النظر الدينية مساسًا
بمقدساتها، مهما كانت العلاقة بينها
وبين الحكومة العراقية، ومن ثم فإنها
تتخذ كافة الترتيبات الواجبة عليها
بهذا المفهوم لمواجهة هذا التدخل، وفي
إطار ذلك تقوم بتعبئة الساحة الداخلية
دينيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا
واقتصاديا.
إيران
والعدوان الأمريكي على العراق
إن
ظهور دلائل كثيرة تشير إلى عزم الولايات
المتحدة الأمريكية على توجيه ضربة
عسكرية إلى العراق لا يدخل فقط في حقل
هذه النظرة الإيرانية إلى العراق، بل
يتعداه إلى أبعد من ذلك، سواء فيما
يتعلق بمصدر التهديد ونظرة إيران إليه،
أو بالحسابات الإيرانية للتهديد
الأمريكي تجاه إيران نفسها، أو
تحسباتها لمستقبل النظام الحاكم في
إيران، وهو لب القضية.
يقول
"آية الله هاشمي رفسنجاني" رئيس
مجمع تحديد مصلحة النظام: "إن إيران
ليست مستعدة للتعاون مع الولايات
المتحدة الأمريكية طالما أنها ماضية في
سياساتها التحرشية بإيران، فهي تتهمنا
بمساعدة الإرهاب لتعاطفنا مع الشعب
الفلسطيني المظلوم، في حين أنها تعتبر
نفسها المدافع عن الحق والحضارة، وهي
تعطي كل إمكاناتها لإسرائيل. ولقد عبَّر
"رمزي كلارك" -المدعي العام
الأمريكي السابق- عن سياسة ربط المعونات
بالتبعية بأنها أقبح السياسات
الأمريكية، وهذا الكلام له مفاهيم
كثيرة توضح مدى صعوبة التعامل مع أمريكا
(صحيفة كيهان، في 22/6/2002م).
وتعتقد
إيران أن الولايات المتحدة الأمريكية
تعمل في المنطقة بمبدأ إيجاد الواجهة
التي تجعل من الضروري على الجميع أن
يخافها حتى يسمع كلامها، وتصف ذلك بمبدأ
المافيا، وتؤكد أن الولايات المتحدة
طبقته في قصف الصرب عام 1999م، وطبقته مع
إيران في قضية نقض حقوق الإنسان، حيث لم
تدرج اسم إيران في قائمة الدول الناقضة
لحقوق الإنسان حتى عام 1979م، عندما كانت
علاقاتها بها طيبة حتى هذا الوقت. ورغم
إدراك إيران أن مقولة "محور الشر"
الذي تجمع فيه الولايات المتحدة إيران
مع العراق وكوريا في سلة واحدة لا معنى
لها من الوجهة السياسية، فإنها تأخذها
على محمل الجد من خلال مبدأ إيجاد
الواجهة الأمريكي.
ورغم
أنها ترفض أن تكون مع النظام العراقي في
سلة واحدة، فإن إيران تستشعر الخطر في
حدوث أي تغيير في العراق في الوقت
الحاضر. وهي إن كانت حلمت من قبل بدولة
شيعية في العراق تناصر نظامها فإن
الظروف الراهنة تجعلها تتنازل عن هذا
الحلم مؤقتا، حيث ترى أن العراق يتخذ
الموقع الأول في "محور الشر" الذي
رتبته الولايات المتحدة، وأنها
التالية، وأن كوريا تتخذ الموقع
الأخير، وهذا الترتيب يربكها، ليس لأن
العراق لا طاقة له بمواجهة الولايات
المتحدة، ولأنه هدف سهل المنال وفي
متناول يدها، وإنما لأنه يقرب إيران من
المواجهة معها التي يصعب توقع نتيجتها،
بل تبدو التوقعات حولها مضللة، وهي في
الوقت نفسه ترى أن ضرب الولايات المتحدة
لإيران ليس وشيكًا، ولكن ضرب العراق
يجعل من مسألة اندماج إيران في المنظومة
العالمية أمرًا بعيدًا (جهانبگلو: صحيفة
همشهري في 1/7/2002م).
وقد
أشار "حميد رضا آصفي" المتحدث
الرسمي لوزارة الخارجية الإيرانية في
تعقيبه على زيارة وزير الثقافة العراقي
لإيران إلى موضوع توجيه الولايات
المتحدة ضربة إلى العراق، والتداخل بين
هذا الموضوع وقضية المعارضين العراقيين
الموجودين في إيران الذين أشيع اتصالهم
بالولايات المتحدة بهدف قلب نظام الحكم
العراقي بقوله: "أما فيما يتعلق
بالمعارضين العراقيين المقيمين في
إيران فعلاقتهم بالحكومة الإيرانية
واضحة ومحددة، وسياستنا في هذا الصدد
قائمة على مبدأ عدم إملاء شيء في
العلاقات مع هذه الجماعات. وأما ما أشيع
عن اتصالات هذه الجماعات بالولايات
المتحدة الأمريكية لقلب نظام الحكم في
العراق، فإن هذه الجماعات لها مواقفها
وقراراتها المستقلة تماما، وإن إيران
تعلن من جديد رفضها لأي هجوم أمريكي على
العراق" (صحيفة اطلاعات في 2/7/2002م).
وقد
سعى المتحدث الرسمي في إطار هذا الإعلان
إلى نفي أسباب التحرش الأمريكي بإيران
بقوله: إن اتهامات واشنطن لإيران بالسعي
للحصول على أسلحة نووية حجة لا أساس لها
من الصحة، وإن التعاون الإيراني -
الروسي في مجال الطاقة النووية في محطة
"بوشهر" يتم تحت إشراف الوكالة
الدولية للطاقة النووية، ويؤكد
المسؤولون فيها بعد كل زيارة تفقدية
أنها للمجالات السلمية (المصدر السابق).
كما برر زيارة وزير الثقافة العراقي
لإيران بأنها تأتي في إطار التعاون
الثقافي بين العراق وإيران إزاء الجوار
الجغرافي الذي يحتم تردد مواطني
البلدين بينهما، وزيارة "العتبات
المقدسة" في كل منهما، وأنه سوف يكون
على رأس الموضوعات المطروحة في هذه
الزيارة حل المسائل المعلقة من الحرب
العراقية - الإيرانية، واسترداد
الأسرى، وحل مشكلة المفقودين، وتبادل
أجساد "الشهداء الإيرانيين" و"القتلى
العراقيين (المصدر نفسه).
لكن
المتحدث -في الوقت نفسه- أشار ضمنيا إلى
أن تصفية المسائل المعلقة مع العراق
تدخل في إطار استعدادات إيران لمواجهة
التطورات المحتملة الناتجة عن توجيه
ضربة أمريكية للعراق، خاصة مع تزايد
التصريحات باقتراب موعد هذه الضربة.
ويؤكد رفسنجاني أن السلوك الأمريكي في
المنطقة يعبر عن أسلوب "الاستعمار
الجديد" الذي تتحتم مواجهته بتضامن
أكبر مع شعوب المنطقة وامتدادها في آسيا
الوسطى (همشهري في 8/7/2002م). ومن ثم فإن
إيران -في تنقيتها الأجواء مع العراق-
إنما تعمل على تثبيت وحدته تحت قيادة
واحدة، متناغمة في ذلك مع دول المنطقة
التي لا تحبذ تقسيم العراق. وهذا الموقف
يقلل من الخيارات الأمريكية حول مستقبل
العراق إن كانت عازمة على تغيير القيادة
العراقية من خلال الضربة التي تنوي
توجيهها إليها، وهو ما يصرح به معارضو
الرئيس العراقي صدام حسين وأبرزهم
الفريق نجيب الصالحي -أحد قادة الجيش
العراقي في المنفى- الذي صرح لصحيفة
الحياة بأن الهجوم الأمريكي سيتم خلال
الأشهر القادمة، وأنه يستهدف إسقاط
الرئيس صدام وليس ضرب المؤسسات أو
المدنيين. وإذا كانت إيران لا تستبعد
ذلك فإنها لا تضمن تطورات الأحداث بعد
الضربة الأمريكية للعراق، وتعمل على
تضييق نطاق أثرها كلما أمكن ذلك.
تقوية
الجبهة الداخلية
تنصرف
جهود القيادة الإيرانية في الوقت
الحالي إلى دعم الوحدة الوطنية وتقوية
الجبهة الداخلية إلى جانب توسيع نطاق
نشاطها السياسي واتصالاتها
الدبلوماسية للانضمام إلى المنظومة
الدولية والخروج من العزلة التي تحاول
الولايات المتحدة الأمريكية فرضها
عليها، وذلك من خلال طريقين:
1-
جلب التفاف الجماهير حول القيادة
الدينية: سواء بالتركيز على أهمية دور
علماء الدين في المجتمع، وفي هذا السياق
يقول "آية الله إمامي كاشاني" خطيب
الجمعة في طهران: "إن حذف مراجع
التقليد يؤدي إلى سقوط الدين والوحي؛
وهو ما يهدف إليه الاستعمار في كل زمان
ومكان وهو ما يهدف إليه الاستكبار
الأمريكي الآن" (إطلاعات في 6/7/2002م)،
أو من خلال تحذير علماء الدين من عدم
التمادي في استخدام صلاحياتهم،
ومطالبتهم بالتقرب من الجماهير، وكسب
رضائهم.
وفي
هذا السياق يقول خاتمي رئيس الجمهورية:
"إن تحقق هدف نظام القيادة الشعبية
الدينية يتطلب أن تكون السلطة في خدمة
الدين والمعنويات والتقدم المادي
والمعنوي للمجتمع، لا أن يكون الدين في
خدمة السلطة" (همشهري في 2/7/2002م). ويقول
"حجة الإسلام علي يونسي" وزير
المعلومات: "إن التضييق على الناس في
أحاسيسهم ومعتقداتهم وفي دينهم أمر
خطير ينبغي على علماء الدين التنبه له،
إن دور عالم الدين هو أن يحكم قلوب الناس
لا أحاسيسهم، ولن يستطيع أحد أن يحذفه
من قلوبهم، إن عالم الدين هو مظهر
الوحدة الوطنية والوفاق الوطني، وإن
انفراد عالم الدين بشيء ينفر الناس يضر
بالوحدة الوطنية. إن من أهداف الولايات
المتحدة الأمريكية إيجاد حرب بين الفرق
والطوائف. إننا لا نريد الحرب مع
أمريكا، ولكننا في الوقت نفسه يجب أن
نتحد حتى لا تمسك أمريكا بخناقنا"(
كيهان في 6/7/2002م).
2-
محاربة الفساد الاقتصادي: ويتولى
الزعيم خامنئي بنفسه قيادة هذه الحرب،
ويتابع تفاصيلها. وقد نشطت كل من وزارة
المعلومات والسلطة القضائية في اعتقال
كل من يشتبه في قيامه بعمل غير مشروع أو
يضر بالاقتصاد الوطني، كما صارت
المحاكمات علنية يحضرها الجميع رغم
ورود أسماء لشخصيات رسمية كبيرة فيها.
يقول "عبد الواحد موسوي لاري" وزير
الداخلية: "إننا نعرف بوجود بعض
الانحرافات بين المسؤولين، وإن وجودها
يعني ضياع القيم والمفاهيم التي أرستها
الثورة، ولكننا يجب أن نعمل على القضاء
على هذه المفاسد" (إطلاعات في 20/6/2002م).
ويقول "آية الله أحمد جنتي" رئيس
مجلس الرقابة على القوانين: إننا ينبغي
أن ندعم السلطة القضائية، فمسؤولياتها
ليست على عاتق سلطة أخرى، إن عليها
مسؤولية تنفيذ العدالة، فإن قامت بها
بحسم تمنع الظلم، وإلا فإنها لن تستطيع
أن تقوم بدورها وتمنع الضرر عن الجماهير"
(كيهان في 29/6/2002م).
اقرأ
أيضًا:
**
خبير في الشؤون
الإيرانية.
|