|

|
|
زعماء
البلقان.. التقوا بلا وساطة وعليهم
الاستمرار في التعاون
|
قمة
بلقانية جديدة، هذه المرة في سراييفو
الحزينة التي يبدو أنها بدأت خطواتها
نحو دور ربما يكون محوريا في بلقان ما
بعد 11 سبتمبر. هذه القمة التي عقدت في 15
يوليو -وفي سراييفو بالذات- هي القمة
الأولى التي تجمع بين أعداء الأمس في
مكان ما على خارطة البلقان، ولم يجتمع
قادة البلقان إلا مرة واحدة تحت أسنة
التهديد الدولي والضغط الأمريكي في عام
1995 ليوقعوا اتفاقية دايتون بأوهايو
بالولايات المتحدة الأمريكية.
هذه
القمة تعقد في سراييفو التي ظلت محاصرة
لقرابة 43 شهرا حتى جاءت لحظة انعتاقها
لتتحول بفعل التاريخ والزمن والسياسة
إلى مدينة السلام التي تسمو فوق الجراح،
وتستقبل أعداءها وجزاريها بالورود وكأن
جراح الأمس قد اندملت، لكنها السياسة
والضغوط الدولية تطل برأسها على
البلقان من جديد.
قمة
في ظروف استثنائية
تنعقد
هذه القمة وقد حدثت تطورات هامة على
الصعيدين الإقليمي والعالمي، ولا
يمكننا النظر إلى القمة دون استدعاء هذه
المستجدات والتطورات التي ستساهم في
توضيح الصورة:
1-
غياب القادة التاريخيين في البلقان عن
ساحة القرار السياسي، فسلوبودان
ميلوسوفيتش اعتُقل ويُحاكَم، وانتهى
دوره السياسي، بل دور مدرسته الحزبية
إلى غير رجعة، خصوصا أن من قام بتسليمه
للمحاكمة هم بنو جلدته، كما أن الموت
غيب فرانيو توجمان ديكتاتور كرواتيا،
والمرض أبعد علي عزت بيجوفيتش الذي قاد
النضال والجهاد في محاولة مستميتة
للحفاظ على وحدة البوسنة والهرسك،
والحفاظ على الهوية الإسلامية وسط غابة
من التيارات الفكرية والدينية
المعاكسة، بل والمحاربة أحيانا. غياب
هذه الوجوه ساهم إلى حد كبير في وجود
قيادات جديدة غير موتورة، أو على الأقل
لديها وجهة نظر مختلفة تجاه المستقبل
بعد أن ظل القادة التاريخيون أسرى النظر
إلى الماضي.
2-
الهزة التي اعترضت تمديد عمل القوة
الدولية في البوسنة، وهددت بانسحاب
القوات الدولية، وقد ساهمت هذه الهزة في
الشعور بأن البلقان ليس موضع اهتمام
الولايات المتحدة الأمريكية كما كان
يوما ما، وأن على البلقانيين إدارة
الصراع بأنفسهم دون انتظار العون من
الخارج.
3-
الموقف الدولي الجديد والمشتعل في
أماكن عدة من العالم (فلسطين - أفغانستان
- العراق) الذي شد أنظار القوى الدولية -وعلى
رأسها بالطبع الولايات المتحدة
الأمريكية- جعل من البلقان قضية ربما
تكون ثانوية أو هامشية على أجندة المخطط
الإستراتيجي الأمريكي.
4-
التطورات السياسية التي أخذت طريقها
بين بعض دول البلقان، مثل ما حدث بين
يوغوسلافيا وكرواتيا، فقد قام وزير
الخارجية الكرواتي بزيارة بلجراد واتفق
مع وزير الخارجية اليوغوسلافي على
تطبيع العلاقات بين البلدين، كما أنه تم
إعادة العلاقات الدبلوماسية بين
البوسنة ويوغوسلافيا، كما جمع بين قادة
البلقان في لقاءات واجتماعات أخرى خارج
البلقان، كل ذلك ساهم إلى حد كبير في
الإسراع بالخطوة الجديدة والالتقاء
بدون وسيط.
5-
الذكرى العاشرة لاندلاع الحرب، فقد جرت
الأعراف الدبلوماسية على أن تستثمر
الأطراف المتصارعة المناسبات الأليمة
لتحويلها إلى مناسبة حميدة في محاولة
لمحو الماضي أو التخفيف من تأثيراته.
ماذا
ناقش الزعماء؟
هذه
المرة ناقش الزعماء كل ميراث الحروب
البلقانية في التسعينيات من القرن
الماضي، ووضعوا كل الملفات على بساط
البحث إلا قضية واحدة هي قضية اعتذار
الصرب للبوسنيين عما اقترفوه من جرائم
ومجازر شهد عليها العالم، وبسببها تحول
ميلوسوفيتش ورفاقه إلى المحاكمة
الدولية، ذلك لأن الصرب يعتقدون أن مجرد
الاعتذار يستوجب عليهم تعويضات هائلة
قد تضر بموقفهم السياسي والاقتصادي في
مراحل مقبلة، ويلاحظ هنا غياب أي دور
دولي ضاغط على صربيا أو يوغوسلافيا في
هذا الاتجاه، رغم أن أوربا ما زالت تدفع
لليهود تعويضات عن إحداث مضى عليها
قرابة نصف قرن من الزمان.
أجندة
القمة
1.
رسم سياسة جديدة لبلقان ما بعد 11 سبتمبر:
تقوم على اعتبار أن المرحلة المقبلة يجب
أن تقوم على نسيان كل ما يتعلق بالماضي،
فعلى الصرب أن يتخلوا عن حلم صربيا
الكبرى، وعلى الكروات نسيان حقدهم
القديم على صربيا، وعلى المسلمين أن
يرضوا بالواقع المؤلم (دولة ثلاثية
الحكم لشعب واحد).
وهنا
اجتاز الزعماء المواقف القديمة،
واعترفوا بأن المستقبل يجب أن يتحكم في
رسم السياسات، ومن هنا رفض رئيس
يوغسلافيا كوشتنيتسا الاعتذار عن جرائم
الصرب، ورفض توجيه نداء إلى "الجزار"
كارازديتش لتسليم نفسه إلى محكمة مجرمي
الحرب في لاهاي.
وتقوم
السياسة الجديدة على أن الاقتصاد وحده
هو القادر على رسم الحدود الجغرافية،
وليست الاتفاقيات الدولية؛ بمعنى أن
تحرير التجارة وتوقيع اتفاقيات
اقتصادية وإنعاش المنطقة هو الوسيلة
الوحيدة لنسيان الحدود الجغرافية، "فالاقتصاد
لا يعرف الحدود"، وهذه نظرية أمريكية
مادية محضة، تقوم على إلغاء الهويات
الثقافية لتحقيق مكاسب اقتصادية. وهي
النظرة ذاتها التي يتعامل بها "بادي
أشدون" المفوض الدولي الجديد في
البوسنة الذي قال: "إن الطريق إلى
بروكسل (مقر الاتحاد الأوربي) يمر من هنا"
(أي من سراييفو). وهذه هي "الجزرة"
التي طالما لوح بها الأوربيون
للبلقانيين، كما لوحوا بها مرارا
للأتراك، للتنازل عن هويتهم مقابل
الالتحاق بالاتحاد الأوربي!!
وتقوم
السياسة الجديدة المطلوبة من دول
البلقان على استبعاد كل ما من شأنه
تعكير صفو الدول الكبرى، وأعني به هنا
ما يطلق عليه "التيارات الأصولية"
التي ترى الولايات المتحدة الأمريكية
أنها العدو الذي يجب على الجميع
محاربته، ومن هنا فإن السياسة الجديدة
في البلقان تقوم على التوافق مع ما يعرف
بالحرب العالمية ضد الإرهاب. وستكافأ كل
دولة بحسب تعاونها مع الولايات المتحدة
في هذه الحرب.
2.
اللاجئون:
ويشكلون القضية الأولى في عالم ما بعد
الحروب، ونظرا لتشابك الجغرافية
والتاريخ في البلقان فإن هذه المشكلة
تؤثر سلبا ليس فقط على النواحي
الاجتماعية بل والاقتصادية والسياسية
في كثير من الأحيان، نظرا لارتفاع عدد
اللاجئين إلى قرابة المليونين، بعضهم
في داخل البلقان والبعض الآخر خارجه.
ويمثل الجزء الداخلي (اللجوء الداخلي)
عبئا اقتصاديا كبيرا على الدول
المضيفة، كما يمثل عامل توتر دائما،
خصوصا في ظل عدم استقرار الأوضاع
العالمية والإقليمية.
ويتبع
موضوع اللاجئين موضوع إنساني آخر، وهو
لمّ شمل العائلات التي تفرقت بسبب
الهجرة الداخلية، وبسب الاضطهاد
والإبعاد الذي مورس في وقت الحرب.
3.
القضايا الاقتصادية وهي تشتمل على
مجموعة من العناوين أهمها:
-
حرية التجارة بين بلدان المنطقة.
-
حرية التنقل للدخول والإقامة.
-
الأعباء الاقتصادية الناجمة عن الحرب،
مثل موضوع تأخر الرواتب والمعاشات
لكبار السن الذين لم يتقاضوا معاشاتهم
منذ فترة طويلة منذ انقضاء الحرب.
-
إعمار البلقان وإن كان هذا الموضوع لن
يجد طريقه إلى الحل في غياب متخذي
القرار من اللاعبين الدوليين من الدول
المانحة والأخرى التي تحث على المنح دون
أن تمنح.
قمة
جديدة وبلقان جديد
هذه
المرة اجتمع القادة دون وسطاء، وعليهم
أن يستمروا في التعاون، وهنا ستبرز
مشكلة جديدة، وهي مشكلة صراع القوى
والنفوذ في البلقان، الذي سيحسم لصالح
الصرب في المرتبة الأولى ومن بعدهم
الكروات، أما المسلمون فلن يكون أمامهم
سوى التحالف مع أحدهما أو كسب عداوة
الطرفين، وهذا يهدد الكيان البوسني
الوليد والضعيف حتى اللحظة.
في
هذه القمة قد يبدو الكاسب الأكبر هو
الطرف الصربي؛ لأنه نجح في كسر الحصار
الدولي وتقديم مبادرة جديدة، وتخطى
تحمل المسئولية السياسية، وبرز أمام
المجتمع الدولي على أنه قد استوعب الدرس
الماضي، كذلك فإن الكروات الذين حققوا
مكاسب من حربهم ضد الصرب في إقليم
كرايينا، والذين يحكمون البوسنة في
النظام الثلاثي، قد حققوا نجاحا سيكون
له مروده الإيجابي مستقبلا. وفي نظري أن
البوسنة لم تحصل إلا على شرف الضيافة،
وإثبات قدرة شعبها على التصرف الحضاري
رغم خسارتهم لقرابة 200 ألف نفس بشرية في
عدوان لن تنساه البشرية بسهولة، وربما
تترك القمة والضيافة البوسنية آثارها
الطيبة في مخيلة المفوض الدولي الجديد
ذي التصريحات القوية التي أخشى أن تذهب
مع أول ريح ساخنة تهب على البلقان.
اقرأ
أيضًا:
*
باحث في الشؤون الدولية.
|