 |
|
عرب وأفارقة.. كيف يمكن تعزيز التعاون؟
|
باستثناء
القرار الذي اتخذته النيجر - إحدى الدول
الإسلامية بغرب إفريقيا - في 21-4-2002 بشأن
قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل
بسبب الممارسات الصهيونية في الأرض
المحتلة، لم نلمس مواقف إفريقية فاعلة
لدعم الانتفاضة الفلسطينية، على الرغم
من التصريحات المؤيدة للحق الفلسطيني،
وآخرها تأكيد الزعماء الأفارقة في ختام
اجتماعات القمة الأولى للاتحاد
الإفريقي بمدينة ديربان بجنوب إفريقيا
10-7-2002 "دعمهم لنضال الشعب الفلسطيني
في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، حتى
يتمكن هذا الشعب من إقامة دولته
المستقلة وعاصمتها القدس الشريف"،
وذلك على الرغم من أن العمق الإفريقي
مثل في لحظات تاريخية سابقة دعما كبيرا
لقضية فلسطين. كما أن كثيرا من دول
إفريقيا غير العربية هي دول إسلامية،
ومن الطبيعي أن تكون معنية بالشأن
الفلسطيني، فضلا عن كونها دولا نامية
تشترك مع الدول العربية في الحاجة إلى
التكامل والتنسيق لمواجهة التحديات
العالمية. الأمر الذي يستدعي ضرورة
البحث في أسباب ضعف التنسيق والتعاون
العربي - الإفريقي، والتساؤل عن إمكانات
الدعم الإفريقي لقضية فلسطين، والعقبات
التي تقف في طريق ذلك.
ذروة
التعاون
بلغ
الاهتمام الإفريقي بقضية فلسطين ذروته
بعد حرب أكتوبر عام 1973، عندما قامت
الدول الإفريقية (باستثناء ثلاث منها هي:
ملاوي-ليسوتو-سوازيلاند) بقطع علاقاتها
الدبلوماسية مع إسرائيل، كما تم تخصيص
بند دائم للقضية الفلسطينية على جدول
أعمال اجتماعات المجلس الوزاري لمنظمة
الوحدة الإفريقية. وفي المقابل قررت
القمة العربية السادسة في الجزائر -بعد
الحرب بشهر واحد- تفويض الأمين العام
لجامعة الدول العربية الاتصال بنظيره
في منظمة الوحدة الإفريقية لمناقشة
تعزيز التعاون العربي الإفريقي.
وتلا
ذلك نشأة مؤسسات مالية عربية بالأساس
هدفها تقديم الدعم العربي لإفريقيا،
أبرزها المصرف العربي للتنمية في
إفريقيا، والصندوق العربي لتقديم
المعونة الفنية للبلدان العربية
والإفريقية. وبالطبع لاقت هذه
المبادرات ترحيبا من الجانب الإفريقي
الذي كان يرغب في الخروج من عثرته
الاقتصادية الذي خلفها الاستعمار.
وأسفرت
الاتصالات والمشاورات عن عقد القمة
العربية الإفريقية الأولى (والأخيرة)
بالقاهرة عام 1977، التي صدر عنها برنامج
عمل شامل يحدد الأهداف والمبادئ التي
يقوم عليها التعاون الجديد، وآليات
تنفيذه.
مؤشرات
التباعد
لكن
هذا التعاون لم يستمر لفترة طويلة، حيث
بدأت الخلافات تظهر على الساحة بعد قيام
مصر بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل
عام 1979، حيث سارعت بعض الدول الإفريقية
بإعادة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، كما
عارضت الطلب الذي تقدمت به بعض الدول
العربية لقمة عدم الانحياز -التي عقدت
آنذاك في هافانا عاصمة كوبا- والذي يدعو
لطرد مصر من الحركة.
ولكن
لم تكن هذه نقطة الخلاف الوحيدة، وإنما
كان هناك بعض المؤشرات التي ساهمت في
زيادة الفجوة بين الجانبين ومنها: أن
بعض الدول الإفريقية قامت بقطع
علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل ليس
بسبب احتلالها الأراضي العربية، وإنما
لأسباب داخلية خاصة بهذه الدول، أو
نتيجة لتدهور العلاقات بينها وبين
إسرائيل، ومثال ذلك حالة أوغندا،
فالرئيس الأوغندي الراحل عيدي أمين
الذي وصل للحكم نتيجة انقلاب عسكري
مدعوم من "تل أبيب" أعلن أن أولئك
الذي أوصلوني للحكم قادرون على الإطاحة
بي!
1-
استمرار
العلاقات الاقتصادية بين بعض الدول
الإفريقية وتل أبيب بالرغم من المقاطعة.
وتشير بعض التقديرات في هذا الشأن أن
معدل التبادل الاقتصادي مع هذه الدول
تضاعف أربع مرات في ظل قطع العلاقات
الدبلوماسية.
2-
موقف
الدول الإفريقية من التصويت في الجمعية
العامة للأمم المتحدة في بعض القرارات،
مثل القرار الخاص باعتبار الصهيونية
عقيدة عنصرية، وشكلا من أشكال التمييز
العنصري، الذي اتخذته الأمم المتحدة
عقب حرب أكتوبر وفي ذروة التعاون العربي
- الإفريقي، إذ عارضت القرار 5 دول، في
حين امتنعت 12 دولة عن التصويت، وفي
المقابل أيدته 20 دولة، ومعنى ذلك أن عدد
المؤيدين إلى المعارضين والممتنعين هو
20 إلي 17، وهذا يدل على مدى عدم وجود
إجماع إفريقي في هذه القضية العربية
الهامة. وقد وافق الكثير من الدول
الإفريقية على إلغاء هذا القرار في
أوائل التسعينيات، وكانت المفاجأة أن
بعض الدول العربية وافقت أيضا على هذا
الإلغاء.
3-
رفض
الدول الإفريقية -بالإجماع- المشاركة في
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة
عام 1982، الذي تم تخصيصه لبحث قضية إعلان
إسرائيل ضم هضبة الجولان رسميا إليها.
الثمانينيات..
تعاون رمزي
ولا
يعني ما سبق خلو فترة الثمانينيات من
تعاون بين الجانبين العربي والإفريقي،
فقد شهدت هذه الفترة بعض النجاحات
المحدودة في الإطار السياسي ودعم
القضايا المشتركة، تمثلت أساسا في
موافقة الجامعة العربية على منح بعض قوى
التحرر الإفريقية مثل جبهة "سو أبو"
في ناميبيا التي لم تكن استقلت حينئذ،
والمؤتمر الوطني الإفريقي بزعامة
نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، صفة
المراقب في الجامعة العربية. (تحررت
ناميبيا في نهاية الثمانينيات، وجنوب
إفريقيا عام 1994)، كما تم تخصيص بند دائم
على جدول أعمال مؤتمر وزراء الخارجية
العرب لقضية جنوب إفريقيا، وحركات
التحرر الوطني في إفريقيا، وفي المقابل
منحت منظمة الوحدة الإفريقية منظمة
التحرير الفلسطينية صفة المراقب بها.
تفسير
الموقف الإفريقي
يلاحظ
للوهلة الأولى أن الموقف الإفريقي من
قضية فلسطين ليس موقفا أصيلا، والدليل
حدوث تحول هائل وسريع فيما يتعلق
بالتعاون مع إسرائيل بالرغم من الأخيرة
لا تزال تمارس الاحتلال والعدوان ضد
الشعوب العربية.
وهناك
عدة أسباب من وجهة النظر الإفريقية دفعت
إلى ذلك الموقف:
1-
شعور الأفارقة بعدم الاهتمام العربي
بقضاياهم، وحتى تجاهل النداءات
الإفريقية في هذا الشأن، ومن ذلك
التجاهل العربي لقرار مؤتمر وزراء
خارجية منظمة الوحدة الإفريقية (نوفمبر
1973) أي بعد حرب أكتوبر بشهر واحد، الذي
يطالب الدول العربية بعدم بيع النفط
للنظام العنصري في جنوب إفريقيا، إذ
اكتشف أن بعض الدول تقوم ببيع هذا النفط
إما بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة من
خلال بعض الشركات الكبرى.
2-
تنامي العلاقات العربية - الأمريكية
بالرغم من أن واشنطن هي الدولة الرئيسية
الداعمة لإسرائيل، ومن ثم فلا يوجد مبرر
للدول الإفريقية في أن تعادي واشنطن، بل
إن الاحتفاظ بعلاقات وثيقة معها قد
يساهم في زيادة هامش المناورة الإفريقي
مع الدول الأوربية الاستعمارية السابقة.
3-أن
الدول العربية تساهم -بصورة غير مباشرة-
في زيادة دائرة الفقر في إفريقيا، من
خلال عدم ضخ استثماراتها بصورة مباشرة
في المشروعات التنموية الإفريقية،
وإنما توجيه هذه الأموال إلى أوربا،
الأمر الذي يدفع الأخيرة إما إلى عدم
الالتفات إلى إفريقيا أساسا، أو تقديم
القروض بفائدة مرتفعة، ومن ثم فإن
الأفارقة يرون أن البديل هو تقديم
القروض العربية بصورة مباشرة إليهم.
5-أن
المعونة المالية العربية إما ضئيلة
للغاية، أو مرتبطة بوضع سياسي معين،
فالدول الإفريقية استشعرت أن المعونات
العربية كالرشوة التي تقدم لها من أجل
موقف معين، ومن ثم فهي ليست نابعة من
قناعة عربية بأهمية توثيق الروابط مع
إفريقيا لمواجهة التحديات العالمية
التي تواجه الطرفين معا كدول نامية.
ومن
هنا لا غرابة في أن نلاحظ على سبيل
المثال أنه في الفترة من 1980-1984 لم يزد
نصيب الدول الإفريقية من إجمالي
مساعدات الصندوق العربي للمعونة الفنية
لدعم إفريقيا على 20%، في حين ذهبت النسبة
الباقية إلى الدول العربية الإفريقية.
بل أكثر من ذلك فإنه في الفترة من 1984-1992
لم يقم الصندوق بتقديم أي دعم لإفريقيا.
حدود
المأمول
من
العرض السابق يلاحظ أن هناك أزمة ثقة
إفريقية - عربية، تؤثر بشكل طبيعي على
إمكانات التضامن في قضية فلسطين. وفي ظل
هذه الحقيقة يمكن توقع شكل الدعم
الإفريقي الممكن للقضية في هذه
المرحلة، حيث يرجح أن يقتصر على المواقف
الإعلامية، وعبارات الشجب والتنديد
للممارسات الإسرائيلية سواء أكان ذلك
على مستوى الدول، أو على مستوى الاتحاد
الإفريقي الجديد.
كما
يمكن أن تقوم بعض الدول الإفريقية -خاصة
الإسلامية-، بتقديم بعض التبرعات
المالية المحدودة مساهمة في دعم
الانتفاضة، لكن حتى هذه الدول نفت أن
تكون قد أنشأت مراكز لتدريب المتطوعين
من أبنائها من أجل إرسالهم إلى فلسطين
للجهاد، خوفا من استغلال واشنطن ذلك
كذريعة لضربها، وربط ذلك بالإرهاب،
وبالطبع فهي لن تتحدث عن إمكانية
المشاركة في مواجهة عسكرية ضد إسرائيل.
أما
الحديث عن مقاطعة دبلوماسية إفريقية
لإسرائيل على غرار ما حدث في عام 1973 فهو
أمر مستبعد، فكما أوضحنا فإن قرار
المقاطعة كان يعود في بعض أسبابه
لعلاقات خاصة بين هذه الدول وإسرائيل،
وليس بسبب الموقف المبدئي من الصراع
العربي - الإسرائيلي، ولا شك أن الوضع
يزداد صعوبة الآن في ظل وجود علاقات
دبلوماسية بين إسرائيل وبعض الدول
العربية نفسها.
أما
بشأن المقاطعة الاقتصادية، أو استخدام
سلاح النفط، فإن هذا الأمر يصعب تصوره
أيضا، بل إن نيجيريا بالرغم من أنها
أكبر دولة إسلامية في القارة لم توافق
على الفكرة العراقية بشأن استخدام سلاح
النفط في مواجهة إسرائيل.
أما
على صعيد المنظمات الدولية كالأمم
المتحدة، فإن الدول الإفريقية لن تفعل
أكثر من عملية الشجب والإدانة، وتأييد
كافة القرارات الصادرة عن المنظمة
الدولية بشأن ضرورة إنهاء الاحتلال
وتطبيق قرارات "الشرعية الدولية".
وقد يكون هناك نوع من التنسيق مع الدول
العربية في هذا الشأن، أما إذا تعلق
الأمر بقرارات مصيرية كالمطالبة
باستخدام القوة ضد إسرائيل، فقد تنسحب
الدول الإفريقية، أو تمتنع عن التصويت،
ولعل المواقف الإفريقية في الأمم
المتحدة -التي سبقت الإشارة إليها- تعد
دليلا واضحا في هذا الشأن.
خلاصة
وتقويم
الخلاصة
إذن أنه لا يتوقع أن تقدم الدول
الإفريقية الكثير بالنسبة للقضية
الفلسطينية، خاصة أنها لم تلق من الدول
العربية ما يدفعها إلى رد الجميل، كما
أنها لم تجد في الدول العربية القدوة
الحسنة فيما يتعلق بدعم الانتفاضة،
بالرغم من أنها -أي الدول العربية-
المعنى الأول بقضية فلسطين.
ويلاحظ
أن ضعف الاهتمام الإفريقي بالقضية يكشف
عن مدى وجود تباعد في العلاقات العربية-الإفريقية،
لا يرجع إلي الفترة الراهنة فقط، وإنما
يرجع إلى أن هذه العلاقات لم تنشأ على
أساس سليم من البداية. ولعل هذه الأزمة
قد تدفع الجانبين إلي إعادة تفعيل
التعاون بينهما على أسس سليمة، حتى
يتمكنا من تنسيق المواقف بينهما في
أوقات الأزمات.
اقرأ
أيضًا:
*
باحث في الشئون الإفريقية- القاهرة.
|