بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


مصير عرفات أم مصير النظام والقضية؟!

07/07/2002

د. محمد خالد الأزعر**

عرفات وباول.. من صديق إلى عدو

في 16 تموز/ يوليو 1965م، وبعد نشأة منظمة التحرير الفلسطينية بعام واحد فقط، أدلى الدكتور فايز صايغ، عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، بحديث لصحيفة "المحرر اللبنانية" ينتقد فيه تصريحات للسيد أحمد الشقيري – مؤسس المنظمة ورئيسها آنذاك. وكان من بين المآخذ التي أشار إليها د. صايغ أن رئيس المنظمة انفرد في تصريحاته بتعديل دستور المنظمة ومواثيقها، وأن هذا غير لازم لمؤسساتها ولا للشعب الفلسطيني.

ولم يكن هذا النقد موقفا منفردا أو استثنائيا في تلك المرحلة المبكرة جدا من عمر النظام السياسي الذي أعاد الفلسطينيون تكوينه بشق الأنفس بعد عام النكبة (1948)، فكثيرون غير فايز صايغ عابوا على الرئيس الشقيري ميله إلى إدارة شؤون النظام بأسلوب شخصي، بمعزل عن الأطر الدستورية والمؤسسية التي يفترض أن تكون الفيصل في تسيير القضية الوطنية الفلسطينية. ومن المعروف أن الإدانة الداخلية لذلك الأسلوب الأقرب إلى السلطوية تراكمت بشكل حثيث، حتى قادت – إضافة إلى عوامل أخرى – لما يشبه الانقلاب الأبيض ضد الشقيري، وأجبرته على التنحي في كانون الأول/ ديسمبر 1967.

نود بذلك لفت الانتباه إلى أن الحاجة لإضفاء الطابع المؤسسي على النظام الفلسطيني، وإرسائه على ضوابط دستورية، وإلزام رأس النظام بالذات بالعمل وفق هذه الضوابط.. تبدو قديمة، عمرها من عمر النظام ذاته. وهذا يفيد - بين أشياء أخرى - بأن تحرّق الفلسطينيين ونزوعهم لإضفاء الطابع الديمقراطي على حياتهم السياسية قضية راسخة في العقل الجمعي الفلسطيني. ولا يقدح في هذا الفهم أن يتغير عنوان هذا النزوع في وقتنا الحالي ليصبح "الإصلاح السياسي والقضاء على الفساد وتصحيح البني والهياكل والأطر الأمنية"… إلخ.

الجديد في المطلب القديم

غير أن ديمومة هذه القضية وإلحاحها لا يعنيان ثبات المحددات والمتغيرات المؤثرة على مسارها. لقد جرت مياه كثيرة تحت جسر السياسية الفلسطينية تجمعت من روافد كثيرة، داخلية وعربية إقليمية وإسرائيلية ودولية، وليس من الجائز ولا من المنطقي القول - والحال كذلك -: إن مسألة التحول الديمقراطي والتغيير القيادي في النظام الفلسطيني بشكلها المطروح راهنا، هي مجرد إعادة إنتاج لبضاعة قديمة. فإهدار هذه القناعة يفضي - بالتداعي - إلى نتائج بائسة أثناء معالجة سيرورة هذه المسألة وتوقع أيلولتها وما يمكن أن يتمخض عنها من انعكاسات.

لنا أن نلاحظ مثلا أن مطالبة الشقيري في زمنه العربي والدولي بالأداء الديمقراطي والشفافية وبقية فروض النظام الدستوري.. لا تقاس بالمطالب المطروحة على ياسر عرفات في زمنه الحالي، لقد أسس الشقيري نظاما من عدم تقريبا، في وقت كان الفلسطينيون يكابدون فيه حصاد نكبتهم من جميع الجوانب، بحيث بدا ذلك النظام بمثابة صناعة معجزة. ولا يجوز أن نتجاهل السياق العربي الذي صُنِعتْ فيه تلك المعجزة؛ إنه زمن الحزب الواحد القائد، والنظم العسكرية الصارمة، وغياب المساءلة البرلمانية في طول العالم العربي وعرضه.

لم يكن من السهل أن ينادي الفلسطينيون بانتخابات ديمقراطية شفافة، فيما هم يقيمون (لاجئين) بين أيدي نظم لا تعرف التعددية الحزبية والانتخابات الشفافة! ولذا، يحق اعتبار العطف الفلسطيني على نظام يستند إلى القانون والنظام ويقيد حركة الزعيم (رئيس المنظمة) بالأطر الدستورية القانونية تحت رقابة المؤسسة التشريعية (المجلس الوطني الفلسطيني ومقرراته).. يحق اعتبار ذلك ومثله ضمن البشائر الأولى لحركة التحول الديمقراطية العربية. ويتعزز هذا الحكم حين نلاحظ أن نداء الديمقراطية الفلسطيني لم يتأت في تلك المرحلة عن ضغوط خارجية، ولا عن عدوى من آخرين، مثلما هو الحال في المناخ العربي والدولي السائد الآن.

كان البحث الفلسطيني عن الديمقراطية، والإصلاح السياسي عموما.. يقوم على ميل طبيعي تلقائي لنظام افترض الفلسطينيون أنه الأوفق لتحصيل حقوقهم وتقوية شوكتهم في صراعهم المرير ضد الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. فالأجندة النضالية كانت المحور الأصيل لذلك الميل.

وفي هذا الجانب نعثر على فارق آخر بين نداء الماضي ونداء الحاضر، فالتحول المتوخى راهنا لا ينطلق لدى كل المعنيين به عن هذه الأجندة. فهناك من يتخذ من الصخب والتلويح بضرورة الإصلاح والتغيير القيادي سبيلا إلى صرف النظام المقصود عن الكفاح الوطني وجره بعيدا ليصبح تابعا لها بالكامل، قابلا بالتنازل عن حقوق أصيلة للشعب الفلسطيني.

حق يراد به باطل

بدون هذا التحليل لا يمكن أن ندرك لماذا تُظهر بعض أكثر القوى إرهابية وأكلا لحقوق الفلسطينيين بالباطل والقوة المجردة.. حماسا لهذا "الإصلاح المزعوم". فأقل خلق الله عقلانية لا يسعه الاقتناع بأن إسرائيل - دولة الاحتلال العنصري البغيض المغموس بالدماء الفلسطينية - ومِن خلفها حليفها الأمريكي - صاحب شرعة الاستقواء الطغياني - غيوران بالفعل على تعميد نظام فلسطيني ديمقراطي حقيقي، خال من الفساد بكل أنماطه.. فلو كان ذلك صحيحا؛ فعلى أي شيء ترتكز التسوية غير العادلة التي يرومون للقضية الفلسطينية؟!

دخول هذين الطرفين على خط قضية الإصلاح هو المسؤول عن الالتباس الكبير الحاصل بشأنها، الذي يكاد يُودي بصدقيتها.

ففي غضون الفترة الممتدة التي قاد فيها ياسر عرفات النظام الفلسطيني منذ شتاء 1969،  كانت خلافته بين جملة المسائل اللصيقة بالتناظر الفلسطيني السياسي أساسا، والعربي نسبيا، حدث ذلك ليس فقط بسبب المخاوف من اختفاء الرجل ووقوعه لأكثر من مرة في دائرة الخطر المحدق بحياته، وإنما أيضا نزولا عند الرغبة في الوفاء بمقتضيات التغيير والاستجابة لنزعة الإصلاح والتطوير، وأحيانا لأن عرفات بدا للنخبة المحيطة به أكثر انحيازا للتسلط والاستحواذ على القرار الفلسطيني داخل المنظمة أو في رحاب ما عرف باسم "السلطة الوطنية" منذ 1994، وفي محطات فاصلة على مسار السياسة الفلسطينية ومناسبات بعينها، كأحداث أيلول بالأردن 1970، وحصار بيروت 1982، وحصار طرابلس 1983، وسقوط طائرته في  الصحراء الليبية 1992، ناهينا عن حصار رام الله إبريل 2002، كان البحث في خلافة عرفات أمرا طبيعيا.

ما جعل هذا البحث مسألة غير طبيعية ومثيرة للتضارب الفقهي والسياسي، هو أن يصبح استبدال عرفات، وتغيير شكل النظام الذي يحكم به هذا الرجل ومحتواه، أحد شروط القوى المعادية للحقوق الفلسطينية للتعامل مع السياسة الفلسطينية. وأكثر من هذا مدعاة للإثارة أن يأتي هذا الشرط من القوى ذاتها التي أنِست في عرفات ونخبته في النظام الرغبة والقدرة على إنجاز تسوية مُرضية لأهوائهم الفلسطينية منذ عقد من السنين. ففي هذا العقد أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل انحيازا لقيادة عرفات، بحسبه عندهم رجل التسوية. وبدا أنهما - مع المجموعة الدولية وكثير من العرب - قد انتخبوا عرفات وأضفوا عليه الشرعية لقيادة الشعب الفلسطيني، قبل أن يُنتخب فعلا ويجري تجديد دماء شرعيته فلسطينيا، لاسيما في الضفة وغزة عام 1994، وليس ثمة تفسير مقبول لهذا الانقلاب من النقيض إلى النقيض تجاه عرفات ونظامه سوى أنه انحرف بعيدا عن مراداتهم ولم يعد مطواعا لإرادتهم ومخططاتهم بشأن التسوية.

والنتيجة أن تغيير عرفات في الوقت الراهن لن يُنظر إليه كإجراء طبيعي منبعث عن تحولات إصلاحية مطلوبة طالما تطلع إليها الفلسطينيون، إنما كاستجابة لإملاءات إسرائيلية وأمريكية، سوف ينشأ عنها تقويض حقوق فلسطينية كثيرة، وستكون سابقة يخشى من تكرارها عربيا!.

عوامل الصعود والأفول

والواقع أن صعود القيادة الفلسطينية وأفولها، أضحيا بفعل الضغوط الخارجية بعامة عرضة لتحولات فارقة. فتقليديا كان ذلك الصعود أو الغياب أو الإحلال يحدث بتعامد عنصرين لا غنى عنهما: عملية اختيار وفرز فلسطينية داخلية من جهة، ووفاق أو توافق عربي حول هذا الاختيار من جهة أخرى. نلمس ذلك في مسار القيادات السابقة التي تبوأت رأس النظم الفلسطينية السابقة على نشوء سلطة الحكم الذاتي. نلمسه مع موسى كاظم الحسيني على رأس اللجنة التنفيذية العربية "1919-1934"، والحاج أمين الحسيني على رأس اللجنة العربية العليا "1936-1946" ثم الهيئة العربية العليا "1946-1948"، وأحمد حلمي باشا عبد الباقي على رأس حكومة عموم فلسطين "1948-1963"، وأحمد الشقيري على رأس منظمة التحرير "1964-1967".. وكذا ياسر عرفات بعد رئاسته للمنظمة.

في هذا التواتر القيادي، كان المحدد الدولي إما ضعيفا أو حتى معدوما، غير أن قيام سلطة الحكم الذاتي بناء على اتفاق فلسطيني إسرائيلي "أوسلو وتوابعه" مكفول جدلا بالرعاية الأمريكية ومداخلات الدول المانحة.. أدى إلى اقتحام هذا المحدد الدولي للمجال السياسي الفلسطيني عموما. ويبدو أن قناعة تل أبيب وواشنطن بتأثير دوريهما في تعويم قيادة عرفات عبر هذه السلطة.. يحثهما على اعتبار هذه القيادة مدنية بشرعيتها الدولية لهما.

وبغض النظر عن مدى صحة هذا الفهم فقد أذِن قيام السلطة الفلسطينية وهجران منظمة التحرير ومواثيقها وتساهل نخبة نظام السلطة مع المطالب الإسرائيلية الأمريكية.. أذِن بترسيخ قدم العامل الدولي في منح الشرعية للقيادة الفلسطينية، فضلا عن العاملَين التقليديين الفلسطيني والعربي.

وما ينبغي العناية به لمن أراد استبصار عبرة التناظر المحتدم بشأن مصير النظام الفلسطيني وشرعية قيادته.. هو أن القوى الدولية المهمومة بتصنيف الحياة السياسية الفلسطينية باتت تسعى إلى الانفراد بتحديد هذا المصير. ولا أدل على ذلك من إعلان "تل أبيب" و"واشنطن" عدم رضائهما عن قيادة عرفات حتى في حال إعادة انتخابه ديمقراطيا من الشعب الفلسطيني!.

وإذا كان هذان الطرفان يبيتان مناقضة العامل الفلسطيني في الاختيار القيادي، فإنهما - من باب أولى - لن يراعيا حرمة للعامل العربي في هذا الإطار.

هل تنجح إرادة الاحتلال؟

وما يظهر للوهلة الأولى أن هناك ما يمنح هذا التوجه شيئا من القدرة على الفعل والنفاذ، فإسرائيل تهاجم السلطة وتحاصر قيادتها، وتملك معاقبتهما وشل حركة نظام الحكم الذاتي بالكامل بحكم احتلالها لفلسطين، وواشنطن لديها الرغبة والإرادة لإحكام المقاطعة الدولية ضد عرفات ونظامه سياسيا واقتصاديا، وهي تحرّض حلفاءها وأصدقاءها على ذلك بالقول والفعل، وهذا يتسق ونمط إدارة العلاقات الدولية الذي يحركها منذ 11 سبتمبر 2001.

لكن النظرة العميقة قد تصل بنا إلى نتائج أخرى. ذلك أن أي زعيم فلسطيني يستلهم شرعيته من غير الإرادة الداخلية الفلسطينية والتوافق العربي القومي لن يقدّر لسلطته الديمومة على الإطلاق. وتقديرنا أن المداخلة الدولية في معادلة قيام القيادات الفلسطينية وأفولها لا تعني سقوط العاملين التقليديين الراسخين في هذه المعادلة. ولا ينطبق هذا الأمر على مرحلة عرفات في طورها الحالي فقط، بل إنه أمر سوف يبقى ما بقيت الإرادة الشعبية الفلسطينية للمقاومة قائمة، وكذا ما بقي النظام العربي قائما.

تقديرنا أيضا أن عمليات عض الأصابع الجارية بخصوص مصير قيادة عرفات ما هي إلا أحد تجليات الصراع الأعمق حول من له الكلمة العليا في تقدير مصير النظام الفلسطيني وأسلوب تسوية القضية الفلسطينية. وأغلب الظن أن القوى المعادية لاستمرارية الفعل النضالي الفلسطيني، العاملة على تكوين نظام فلسطيني تابع إلى حد العمالة المطلقة، ستتراجع - تكتيكيا على الأقل - عن نهجها إذا ما استمرت الصلابة الشعبية الفلسطينية، وإذا ما تعززت وحدة القوى الوطنية الفلسطينية بلا انثناء لأي تيار فاعل على الأرض، وإذا ما استقوت هذه الصلابة والوحدة بعمق عربي قومي يدرك أن ما يراد بفلسطين شعبا ونظاما وقضية إنما هو خشبة قفز لما يمكن أن يحدث على الصعيد العربي العام.  

اقرأ أيضًا:


** كاتب وأكاديمي فلسطيني – بالقاهرة.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع