بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية 

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


قمة الثماني.. ستر "الفضائح" واصطناع النجاح

30/06/2002

نبيل شبيب - بون

شرويدر ورئيس الوزراء الياباني من القمة إلى كأس العالم

من كان ينتظر من قمّة الثماني أن تصنع شيئًا يستحق الذكر على صعيد الأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، خابت توقعاته، رغم أن التسمية الرسمية للقمّة هي "المؤتمر الاقتصادي العالمي"، ورغم أنّها أنشئت عام 1975م للتنسيق بين كبريات الدول الصناعية، وقايةً من الأزمات الاقتصادية والمالية ومعالجة ما يطرأ منها.

البند المتعلّق بالاقتصاد العالمي في هذه القمة بقي في حدود ما عبّر عنه مضيفها رئيس الوزراء الكندي جان كريتسيان بأسلوب نشر التفاؤل قائلا: "إنّ المشاركين في القمة متفقون على أن الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم وعالميا - والمقصود غربيا بطبيعة الحال - تبشّر بأن يكون عام 2002م أفضل من سابقه، وعام 2003م أفضل من عام 2002م".

وكفى!.. هذا رغم أن هذه الكلمات لا بد أن تثير الاستغراب وهي تتزامن - مثلا - مع انهيار شديد في أسواق المال العالمية نتيجة الكشف عن فضيحة - أخرى - من الفضائح المالية. وكانت هذه المرة فضيحة شركة "ورلدكوم" الأمريكية العملاقة التي اعترفت بتزوير ميزانيتها لتوهم بأن وضعها جيد.

وما يزال مسلسل انهيار الشركات والمصارف المالية الكبرى - في اليابان - ماثلا بنتائجه على أرض الواقع. ولم يمضِ أسابيع على انهيار شركة كيرش، كبرى شركات الاتصالات الحديثة في ألمانيا، ورافق اضطرابَ الأسواق المالية الآن هبوطُ سعر الدولار إلى مستوى جعله قريبا من قيمة اليورو.

وصحيح أن مثل هذه التطورات مرتبطة بالأحداث الآنية ذات العلاقة بالشركات والمصارف المالية العملاقة - الحاكمة ماليا على الصعيد العالمي في واقع الحال - إلا أنّها لم تعد تطوراتٍ تقتصر على فترة زمنية تليها فترة ازدهار. ومن مؤشرات ذلك أن قيمة الدولار الأمريكي هبطت بمعدل 8 في المائة خلال الشهور الستة الأولى من عام 2002م، ولا يوجد خلاف بين المحللين الاقتصاديين والماليين في أن السبب الرئيسي هو استمرار الركود الاقتصادي الأمريكي عموما، وليس انهيار بعض الشركات والفضائح المالية فحسب، وهذا مع العجز عن الخروج من الركود. وكذلك عدم وجود بوادر حقيقية لتغيّر هذا الوضع في المرحلة المقبلة.. فلا توجد إذن دلائل موضوعية تبرّر التفاؤل المعلن عنه في القمة.

وربما ينجح المسؤولون في اليابان وأوربا في مساعي النهوض بالوضع الاقتصادي لديهم، بغض النظر عن الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية، أو أن هذا ما يتطلعون إليه على الأقل، ومن العسير تأكيده أو نفيه، فما يزال أثر الاقتصاد الأمريكي كبيرا على البلدان الرأسمالية الأخرى، وعموم البلدان المرتبطة بالدولار الأمريكي ارتباطا شديدا.

لعلّ "التشاؤم" وليس التفاؤل، مع إدراك عدم وجود ما يمكن القيام به الآن، هو ما دفع بالمشاركين في القمة إلى تجنّب الخوض كثيرا في الموضوع الرئيسي الذي يجتمعون من أجله عادة، ومحاولة تسليط الأضواء على نقاط أخرى في جدول الأعمال، لا سيما أنه من الملاحظ منذ سنوات أن عجلات عربة الاقتصاد الغربي المشترك في الشمال من الكرة الأرضية، أصبحت تجري كل على انفراد قدر استطاعتها.

وبشكل عام، يبقى أن ضعف مؤشرات التفاؤل اقتصاديا هو الذي يفسر تسليط الأضواء بصورة شبه استعراضية على قضايا أخرى، من شأنها أن تجذب اهتمام وسائل الإعلام والرأي العام بطبيعتها، فتُشغل عن السلبيات الاقتصادية والمالية الحالية.

قضية فلسطين.. مجرّد رؤية

تسليط الأضواء كان واضحا على تطوير العلاقات مع موسكو، وإجراءات ما يسمّى الحرب ضدّ الإرهاب، وما أعطي عنوان "الشراكة مع القارة الأفريقية".. ولكن لا يسري ذلك على ما يتعلق بالأحداث الساخنة في المرحلة الراهنة من تاريخ قضية فلسطين. فلم تتحرّك القمة على هذا الصعيد، بما يتفق مع الثقل السياسي الدولي للأطراف المشاركين فيها، بل على النقيض من ذلك يمكن القول إن أسلوب التعامل مع بند موسكو وبند أفريقية استهدف أيضا التغطية على امتناع القمة "الكبرى" عن اتخاذ موقف مشترك "فعّال" من مجرى الأحداث في الأرض الفلسطينية.

وقد كان هذا منتظرا قبيل انعقاد القمة على الأقل؛ إذ لم يكن اعتباطا اختيار التوقيت عشية انعقادها ليلقي الرئيس الأمريكي جورج بوش كلمته بشأن رؤيته المستقبلية للصراع الدائر، وما صدر تبعا لذلك من ردود أوربية عاجلة قبل انعقاد القمة، ممّا ثبّت مسبقا أنها لن تتحرّك في الاتجاه الذي يجري عليه الحديث منذ أسابيع بصدد موقف دولي مشترك لعقد مؤتمر دولي "رباعي" يتبنّى مخططا سياسيا وزمنيا محددا للتعامل مع الأطراف المعنيين بلسان واحد.

بوش استبق القمّة بطرح رؤيته "الضبابية" - كما وصفت. وهو وصف ينطبق على مسألة ترك الباب مفتوحا أمام عدم اتخاذ خطوات عملية مباشرة.. ولكنها لم تكن ضبابية من حيث تثبيت الانحياز الأمريكي المطلق لصالح حكومة الاحتلال الإسرائيلي التوسعي، بل شمل هذا الانحياز الأمريكي البلدان العربية الأخرى التي سعت سعيا حثيثا لانتزاع أي "موقف أمريكي" يبدو عليه شيء من التراجع إلى مستوى وساطة.. حتى ولو لم تكن نزيهة بمعنى الكلمة. ولكن الرئيس الأمريكي لم يشأ أن يكتفي حتى بالمطالبة بانتخابات جديدة "قد" توصل إلى سلطة جديدة. والأهمّ من ذلك أنّه لم يتراجع قيد أنملة عن المطلب الإسرائيلي - الأمريكي، الذي يشترط وقف مختلف أشكال المقاومة، قبل أن توضع "الرؤية" موضع البحث.. مع الإبقاء على الجانب "الضبابي" منها!.

الجانب الضبابي من الرؤية هو عين الجانب الذي بقي ضبابيا منذ نكبة عام 1948م، وهو مصير الأرض الفلسطينية التي احتُلت بعد تلك النكبة، ومصير الفلسطينيين، وأضيف على ذلك مصير المستعمرات على الأرض المحتلة بعد عام 1967م، ومصير ما تمّت مصادرته وضمّه إلى مدينة القدس مع إعلان فصلها عن الضفة الغربية، فجميع ذلك وسواه من القضايا الأساسية.. كالمياه والتسلّح.. متروك لمفاوضات تجري في المستقبل بوساطة أمريكية "نزيهة!"، بين طرف يلقي السلاح ويلاحق من لا يلقيه، وطرف لا يلقي السلاح ولا يتوقف عن ملاحقة من يريد ملاحقته.

إن كلمة بوش قبل القمة، ومتابعة الآلة العسكرية الإسرائيلية لأعمالها بعد الكلمة وأثناء القمة - فضلا عن غياب موقف عربي أو إسلامي فعال رغم القليل الوارد على ألسنة بعض المشاركين في لقاء وزراء خارجية الدول الإسلامية في الخرطوم - قد وضعا القوى الدولية المشاركة لواشنطن في قمة الثماني أمام خيارين: إمّا (1) المتابعة على غرار ما كان حتى الآن، أي بما يشمل التنويه من وقت لآخر بالخلاف "الكلامي" على صياغة مواقف مشتركة، ويشمل أيضا عدم اتخاذ إجراءات عملية منفردة أو جماعية للتأثير على مجرى الأحداث في واقع الأرض الفلسطينية. أو (2) اتخاذ موقف المواجهة، وعلى افتراض أفضل التوقعات من القوى الدولية المعنية، ليس من الواقعية السياسية في شيء انتظار أن تتخذ القوى الدولية المعنية موقف المواجهة مع الحليف "المنافس" الأمريكي، دون سبب تفرضه المصالح الذاتية، القريبة والبعيدة. وهذا بالذات لا يوجد في الأفق ما يشير إليه في الوقت الحاضر؛ بل على النقيض من ذلك، لا يوجد ما يمنع بعض الدول الأوربية من المضي شوطا آخر مع الرئيس الأمريكي، على حساب السلطة الفلسطينية.

وجدير بالذكر هنا أن الرأي السائد بين المسؤولين الأوربيين وفي كافة وسائل الإعلام الأوربية، حتى الأقرب منها إلى السياسات الأمريكية والإسرائيلية عادة، هو أنّ كلمة بوش كانت مجرّد رؤية، لم تقترن بإجراء عملي ما. وهذا ما تردّده وسائل الإعلام في المنطقة العربية عموما.

ويواري هذا الحديث الجانب الأهمّ المترتب على الاكتفاء بطرح رؤية ما.. فالمسألة بأبعادها الدامية على أرض فلسطين ليست مسألة "موقف سلبي" يتمثل في عدم اتخاذ إجراء عملي، إنّما هي في الظروف والمعطيات الراهنة، أن "عدم التحرّك" يعني تمكين الطرف العسكري الإسرائيلي من مواصلة التحرّك العسكري دون رادع خارجي، وهذا جنبا إلى جنب مع المساعي الأمريكية المبذولة للقضاء على "القليل" من قوّة الردع الفلسطينية المحدودة، ناهيك عن المساعي المعروفة لمنع موقف دولي حقيقي في مجلس الأمن، أو تحرّك عربي أو إسلامي مشترك في اتجاه مواجهة مصير المنطقة - وليس فلسطين فقط - مواجهة جادة.

الأمر الذي يلفت النظر في قمة الثماني أن الجوانب الرئيسية المهملة في كلمة بوش لم تكن موضع التركيز في التعليقات والتصريحات التي رافقت القمّة وتلتها، إنما كان التركيز بصورة "استعراضية" أيضا على مسألة التخلّي الأمريكي عن ياسر عرفات وسلطته.. وهنا مهما قيل بشأن حسن النوايا الأوربية والروسية على ضوء الخلاف في وجهات النظر مع الحكومة الأمريكية، فلا يخفى على المؤتمرين أن هذا التركيز إنما يعني على أرض الواقع شغل الرأي العام عن "جوهر" الصراع الدائر.

فبغض النظر عن القيادة الفلسطينية الآن أو في الماضي أو في المستقبل، يبقى أن الصراع هو ما بين احتلال يجد التغطية الأمريكية وبالتالي الدولية، ومقاومةٍ مشروعة للتحرير تجد الحصار الأمريكي وبالتالي الدولي، بل تجد الحصار العربي جزئيا على الأقل.. بغضّ النظر عن أسلوب التبرير ومضمونه.

الإرهاب.. مجرّد إجراءات!

المواقف والتحركات الدبلوماسية العربية الأخيرة - وكذلك الأوربية - استهدفت استباق تثبيت موقف أمريكي ودولي من قبيل ما أسفرت عنه كلمة بوش وقمة الثماني، فكان من ذلك التنويه - على الأقل - بتقبّل تبدّل السلطة الفلسطينية عبر الانتخابات. على أن الأبعد من ذلك هو الإقدام على تلبية مطالب أمريكية رئيسية في نطاق ما أعلنته واشنطن من "حرب على الإرهاب"، فكان غريباً الإعلان في شرم الشيخ عن رفض ما تمارسه المقاومة الفلسطينية وراء الخطّ الأخضر من عمليات مسلّحة، وزيادة إجراءات التضييق على حركات مكافحة "التطبيع" وتنشيط المقاطعة، إضافة إلى عمليات الاعتقال الجارية لكل من يُشتبه بوجود صلة له بتنظيم القاعدة.

ويسري شبيه ذلك على الاتحاد الأوربي، لا سيما الإعلان عن ضم مزيد من المنظمات الفلسطينية إلى قائمة "الإرهاب"، وتكرار المسؤولين الأوربيين القول بأن دورهم في المنطقة مجرّد "سند" للدور الأمريكي. ولكن يبدو أن جميع ذلك لم يكن يصبّ في تليين موقف الانحياز الأمريكي، وإنما في توظيف ما يُتخذ من مواقف جديدة في إطار الحرب المعلنة ضدّ "الإرهاب الدولي"، وربّما لعب هذا دوره في بعض ما يظهر من مواقف متردّدة أوربية في هذه الأثناء، وكان آخرها إعلان وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر بعد قمة الثماني مباشرة أنّه لا يمكن القبول بأن تصل الحرب ضدّ الإرهاب إلى مستوى انتهاك حقوق الإنسان. وهو ما يمكن فهمه كملاحظة موجّهة إلى الأمريكيين، رغم أنّه تطرّق في التصريحات ذاتها إلى الوضع في الشيشان على وجه التخصيص.

والأرجح أن "قسطا كبيرا من مواجهة الإرهاب" - وفق المفهوم الأمريكي للكلمة، ولكن دون مستوى "الحرب العسكرية" - يجد المشاركة الأوربية الكاملة، ويتفق مع ما تراه الدول الأوربية من "مخاطر" باتت كلمة "الإرهاب" بديلا عن التصريح بها مباشرة، وعلى وجه التحديد ما يمكن وصفه بالمخاطر "الحضارية" على الصيغة الحضارية الغربية الراهنة.

والواقع أن جملة الإجراءات الصادرة عن قمة الثماني تتجاوز إلى حد بعيد ميادين الخطر المباشر لهجمات إرهابية، بمعنى استخدام الأسلحة التقليدية أو أسلحة الدمار الشامل. فتحت عنوان "وسائل المواصلات والاتصال" والإجراءات المطلوبة على صعيدها، يمكن أن تصبح الإجراءات الغربية المعلنة ضدّ "الإرهاب" إجراءات قمع وحصار وملاحقة للفكر الآخر، وعلى وجه التحديد الفكر الإسلامي، بدعوى أنّه يمثل "أرضية" الإرهاب، وهو ما سبق إعلانه في المطالب الأمريكية المتكررة لعدد من الدول الإسلامية أن تبدّل مناهجها التعليمية والتربوية وغيرها.

أما على صعيد المواصلات التقليدية - لا سيما الطرق البرية والبحرية - فالهدف الأبعد مدًى هو ما تلتقي عليه القوى الدولية دون تحفّظ، وهو ما يمكن وصفه باحتكار أسلحة الدمار الشامل، تحت عنوان حظر نشرها في دول أخرى، الأمر الذي يقترن منذ زمن بعيد بحظر وصول مستوى التسلح في تلك البلدان "الأخرى" إلى مستوًى يكفي لردع تعرّضها لهدوم خارجي.. ممّن يملكون أسلحة الدمار الشامل وسواها فعلا.

ولكن حتى في قطاع المواصلات التقليدية، يمكن أن تبلغ نوعية الإجراءات المقررة حدّا أبعد مدًى ممّا يمكن تبريره بأي صيغة من صيغ "الوقاية من الإرهاب"، كما يشهد على ذلك مثلا امتناع السلطات البريطانية عن منح تأشيرة دخول لصالح مصابين أثناء مظاهرات شعبية في مصر لتأييد الانتفاضة الفلسطينية، وهو ما اقترن بقرار القمة الأوربية الأخيرة أن تتخذ مزيدا من الإجراءات لتحصين "القلعة الأوربية" من الهجرة البشرية غير المرغوب فيها؛ جنبا إلى جنب مع إجراءات من شأنها تنشيط ما يُعرف بهجرة الأدمغة من الجنوب إلى الشمال.

وسبق أن ظهرت المعالم الأولية لتصعيد هذه الإجراءات وبيّنت "اتجاه الريح" في الحملات المتتالية ضدّ المصارف المالية الإسلامية، والجمعيات الخيرية الإسلامية، وحتى حملات التبرع في الدول الغربية لصالح ذوي الضحايا في فلسطين.

عضوية روسيّة.. مجرّد مقعد!

عنوان "الحرب ضدّ الإرهاب" هو الذي مهّد للخطوة الأخيرة على طريق "التلاحم" الأمريكي - الروسي الجديد، وهو ما انعكس في مراحل متتالية منذ سقوط الشيوعية، كان أبرزها الإعلان الأمريكي المتكرر أن توسيع حلف شمال الأطلسي سيتم نحو الشرق شاءت موسكو أم أبت، ثمّ الرفض المطلق للاعتراضات الروسية بشأن مشروع الدرع الصاروخي، ثمّ الخروج من معاهدة عام 1972م "الأهمّ" في مشوار الحدّ من التسلّح وتوظيف مبدأ "الردع المتبادل" للحيلولة دون نشوب حرب نووية.. وبقيت هذه السياسة الأمريكية هي السائدة رغم أن الرئيس الروسي بوريس يلتسين ثم خلفه فلاديمير بوتين كانا - ولا يزالان - يعتبران مواليين لواشنطن، في الأوساط الروسية وحتى بعض الأوساط الأوربية.

وبغض النظر عن القروض والاستثمارات المالية التي ربطت قطاعات كبيرة من الاقتصاد الروسي بالاقتصاد الغربي واقعيا، يبقى من الناحية الفعلية أنّ الاتحاد الروسي يمثل أكبر دولة في العالم من حيث الرقعة الجغرافية، ولكنه ما زال أقرب إلى الدول النامية اقتصاديا وإداريا، ولا يتوقع أن يتبدّل هذا الوضع تبدّلا جذريا خلال السنوات الأربع المقبلة. فانضمامه إلى مجموعة الدول الصناعية رسميا عام 2006م هو "خطوة سياسية" وليست اقتصادية، وهو ما يمثل تناقضا بيّنا مع ما قررته القمة من شروط "سياسية" على الدول الأفريقية لتحصل على "دعم مالي محدود".

ولا ينفي ما سبق أن الدول الغربية تنظر في علاقاتها الاقتصادية مع موسكو إلى الجانب الاقتصادي كسوق استهلاكية واستثمارية كبيرة. ولكن الجانب السياسي أيضا هو ما يكمن وراء تخصيص "منحة مالية" بحجم عشرين مليار دولار خلال السنوات العشرة الماضية لضمان إتلاف ما يراد إتلافه من الأسلحة النووية ونفاياتها، والحيلولة دون وصول شيء من ذلك إلى دول أخرى.

ويمثل تقاسم المبلغ بين الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول المجموعة، مدى التوافق بين القوى الدولية مجتمعة على هذا الصعيد، فجميعها حريصة على ما يمكن وصفه باحتكار أسلحة الدمار الشامل لدى الدول التي تمتلكها حاليا.

والواقع أنه منذ سقوط الشيوعية، ورغم سائر التوجهات السياسية نحو الغرب في عهد يلتسين ثم بوتين، لم تحصل موسكو إلى وقت قريب على أكثر من "تنازلات رمزية" في ميدان التعامل معها كقوة دولية على "قدم المساواة" كما كان زعماؤها يطالبون باستمرار. وبدا أن بوتين رأى في تفجيرات نيويورك وواشنطن الفرصة للتحرّك في اتجاه واشنطن في ميدان لا يجد - بسبب الشيشان ومنطقة القوقاز ووسط آسيا عموما - معارضة داخلية كسواه من الميادين، فتسارعت وتيرة خطوات التقارب من جانب واشنطن أيضا، بفتح باب تشاور أكبر مع حلف شمال الأطلسي دون مستوى العضوية بطبيعة الحال، وهذا مقابل تبدّل ملحوظ في اللهجة السياسة الروسية على صعيدي التوسع الأطلسي شرقا وشبكة الدرع الصاروخي، فضلا عن القبول بمعاهدة ثالثة للحدّ من التسلّح النووي بعيد المدى، رغم خلوها من أي ضمانات حقيقية على النقيض ممّا سبقها.

من هنا، تتبين القيمة السياسية، ثم الأمنية العسكرية، من دون القيمة الاقتصادية والمالية، من وراء القرار بانضمام الاتحاد الروسي إلى المجموعة عام 2006م.

الشراكة الأفريقية.. مجرد وعود

ربما كانت "الشراكة مع أفريقية" هي الجانب الاقتصادي الأظهر للعيان في قمة الدول الصناعية، ولكن إذا كان تفاؤل رئيس الوزراء الكندي كريتسيان بشأن وضع الاقتصاد العالمي مقصودا على أمل ألا يضيف "عبئا معنويا" على الأعباء الحقيقية القائمة، فمن العسير تفسير تفاؤله - رغم جهوده الشخصية قبل المؤتمر - بشأن ما وصلت إليه القمة تحت عنوان الشراكة مع القارة الأفريقية، الذي اتخذ صيغة استعراضية باستقبال أربعة من الرؤساء الأفارقة يتحدثون باسم 15 من أصل 52 دولة، ويعطون للغربيين الوعود بمكافحة الفساد.

على أنّ المحور الرئيسي في وثيقة الشراكة البالغ حجمها 19 صفحة، هو الاستعداد لمضاعفة حجم المساعدات الإنمائية الرسمية المخصصة للدول الأفريقية حتى تصل إلى 50 في المائة من المساعدات الإنمائية الرسمية إجمالا.

ولا يعني ذلك فقط، تحويل هذه المساعدات من بلد فقير إلى بلد أقل فقرا، إنما تحويلها أيضا من بلد "لا ينفذ الوعود" وفق المنظور الغربي، إلى بلد ينفذ الوعود.. وأقل ما يقال في ذلك هو أن المساعدات الإنمائية التي كانت مرتبطة شكليا بحقيقة الحاجة الاقتصادية إليها، أصبحت وسيلة من وسائل ممارسة الضغوط السياسية في واقع سياسي دولي قائم، يمكن أن يجعل من قضية "التعاون في مكافحة منظمات متهمة بالإرهاب" مثلا، أو من "تحرير المرأة" وفق الرؤية الغربية كمثل آخر، شرطا من شروط الدعم الإنمائي بغض النظر عن اقتران ذلك حقيقة بترسيخ أنظمة تحترم حقوق الإنسان.

ولكن حتى مع استبعاد "الجانب السياسي" الكامن وراء الوعود الجديدة، يمكن الإشارة أيضا إلى أن المبادرة الأولى التي انطلقت عام 1999م عن قمة كولونيا للمجموعة الصناعية، قررت آنذاك توجيه الدعم الموعود لصالح 21 دولة أفريقية من بين 42 دولة فقيرة. وتم منذ ذلك الحين إعفاء هذه الدول وفق الشروط الموضوعة من 30 مليار دولار من أعباء الديون عليها، ولكن الحصيلة النهائية كانت أن الديون بمجموعها على تلك الدول كان حجمها يعادل 230 مليار دولار، وهي في عام 2002م مع انعقاد القمة الأخيرة في كندا تعادل 240 مليار دولار.. ولا علاقة لجميع ذلك بالديون التي تحمل عبئها دول فقيرة ونامية أخرى، بحجم بات يناهز 2800 مليار دولار في هذه الأثناء.

وتؤكّد مصادر الأمم المتحدة أن إجراءات الحماية الجمركية والتجارية في الدول الغربية تسبب للدول الأفريقية خسارة سنوية يزيد حجمها على عشرين مليار دولار، أي بما يقارب حجم القروض الإنمائية الغربية إجمالا في الوقت الحاضر لصالح سائر الدول النامية معا. ومن ذلك نصيب الدول الأفريقية في حدود 6 مليارات، بينما تقدّر الأمم المتحدة أيضا أن نصيب القطاع الزراعي الأفريقي من الخسارة في سوق التجارة الخارجية مع الدول الغربية، وبسبب إجراءات الحماية السارية المفعول رغم كل ما يقال عن تحرير التجارة، يزيد على 12 مليارا، أي ضعف ما تحصل عليه من مساعدات إنمائية. وفي الاتحاد الأوربي وحده يبلغ نصيب المزارع الأوربي من الدعم المالي الرسمي له لتبقى أسعار المنتجات الزراعية الأوربية في مستويات متدنية، أكثر من 12 ألف يورو أو دولار في السنة، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف الدخل الفردي جنوب الصحراء الأفريقية لمدة عام كامل.

لا ريب في أن الفساد والاستبداد والنزاعات والحروب تمثل أسبابا لا يستهان بشأنها من وراء التخلف والفقر والمرض والجهل في القارة الأفريقية، ولكنّ جميع ذلك لا ينبغي أن يلفت الأنظار عن أسباب خارجية تحمل الدول الغربية المسؤولية المباشرة عنها. فالقارة الأفريقية الأغنى بمواردها المعدنية من الذهب والماس والنحاس والفوسفات والحديد وغير ذلك، بالإضافة إلى النفط الخام وإلى الموارد المائية أنهارا وأمطارا، والطاقات البشرية الشابة… كانت على مدى قرون ضحية الاستعمار العسكري والاقتصادي، وهو ما استمرت نتائجه المباشرة إلى ما بعد موجة الاستقلال السياسي في الستينيات والسبعينيات الميلادية الماضية.

وإذا كانت الدول الأوربية قد تعرّضت لحملة كبرى لدفع عشرات المليارات من التعويضات لصالح من وصفوا بعمال السخرة في العهد النازي، فمن المؤكّد أن إسقاط القروض جميعها، وليس تقديم الدعم على شكل قروض جديدة، ليس كثيرا، في إطار مطالبة الدول الغربية بدفع التعويضات عن بعض حملات الاسترقاق الكبرى التي نقلت أعدادا لا حصر لها من الأفارقة، أصبحوا يشكلون "ثلث" سكان الأمريكتين في هذه الأثناء، ولا يزال القسم الأعظم منهم يعاني من التمييز العنصري هناك، كالتمييز العنصري الذي تعاني منه الدول الأفريقية في ظل الاستبداد الدولي الراهن.   

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 6/7

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع