 |
|
خطة بوش انحياز كامل لصالح إسرائيل |
بعد
ساعات قليلة من خطاب الرئيس الأمريكي
بوش الذي حدد فيه ملامح سياسة إدارته
تجاه المشكلة الفلسطينية وعلى رأسها
ضرورة عزل الرئيس عرفات كشرط للقبول
بدولة فلسطينية، نشرت صحيفة نيويورك
تايمز الأمريكية (25 يونيو الجاري) حوارا
مع وزير الخارجية كولن باول كشف فيه
النقاب عن أن الحديث عن تنصيب قيادة
فلسطينية جديدة بدأ منذ عشرة أسابيع حين
التقى بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في
مقره برام الله!
وقال
باول بأنه أبلغ عرفات حينئذ أنه "يجب
تغيير الطريق الذي يمضى فيه بطريقة
جوهرية وإستراتيجية، وأننا سنرى ما
يحدث"، وأضاف - مبررا طلب بوش الواضح
تنحية عرفات - "صراحة لم نر ما يكفي
منه".
مع
أن غالبية المحللين العرب وحتى الأجانب
كانوا يتوقعون انحيازا في خطة بوش،
واشتراط الإصلاحات – بمعنى عزل عرفات –
فلم يتوقع أكثر المتفائلين منهم أن يبلغ
الانحياز ببوش لجانب شارون مثلما جاء في
خطابه الذي تجاهل فيه حتى ذكر اسم
الرئيس الفلسطيني عرفات!
بل
إن وزير الاتصالات الإسرائيلي ريوفين
ريفلين قال الثلاثاء 25 يونيو، تعليقا
على مطالبة بوش للشعب الفلسطيني بتغيير
قيادته حتى ينال (المكافأة): إن الخطاب
الذي ألقاه الرئيس الأمريكي جورج بوش
حول الشرق الأوسط "كان يمكن أن يكتبه
مسؤول في الليكود" حزب شارون. فيما
وصفت صحيفة "يديعوت أحرونوت"
المستقلة في مقالتها الافتتاحية 25
يونيو الرئيس بوش بأنه "عضو جديد في
الليكود"!! من شدة تحيزه - في خطابه -
لشارون وخططه الخاصة بعزل عرفات كشرط
لأي تقدم نحو الدولة الفلسطينية (المؤقتة)!
بل
إن شارون نفسه لم يستطع أن يكتم سعادته
ورحب بخطاب بوش، ولكن مكتبه قال – في
بيان وصفه معلق الإذاعة العسكرية بأنه
"حذر"- إن شارون لا يريد "إبداء
ارتياحه لعدم إحراج الولايات المتحدة
لدى البلدان العربية"!
ولهذا
كان من الطبيعي أن يوصف خطاب الرئيس
الأمريكي في الأوساط العربية
والإسلامية بأن (بوش تمخض فولد خطة
شارون)، على طريقة المثل العربي القائل
"تمخض الجبل فولد فأرًا"!!
فخطة
بوش هي في المقام الأول والأخير لصالح
إسرائيل ولا تختلف عن خطة شارون في شيء،
بل إن بوش عندما تحدث عما يمكن أن نسميه
تنازلات إسرائيلية قال بأنها لصالح
الإسرائيليين أنفسهم! حيث شدد على أن (هناك
مصلحة كبيرة أيضا لإسرائيل في نجاح قيام
دولة فلسطينية ذات طابع ديمقراطي،
فدوام الاحتلال يهدد هوية إسرائيل
وديمقراطيتها، وقيام دولة فلسطينية
مستقرة مسالمة ضروري لتحقيق الأمن الذي
تتوق إليه إسرائيل؛ لذا أدعو إسرائيل
إلى اتخاذ خطوات ملموسة لتأييد قيام
دولة فلسطينية لها مقومات البقاء وذات
مصداقية) على حد قوله.
وشروط
بوش لقيام دولة فلسطينية.. تعجيزية
وتعتبر تدخلا في شئون دولة، ولو تم
تنفيذها في فلسطين التي انتخبت
قيادتها، فلماذا لا يتم تنفيذها بالقوة
أيضا في العراق من باب أولى حيث القيادة
غير منتخبة أصلا كما يقول الأمريكان؟!
وهي
نفس شروط شارون بشأن تغيير عرفات
وحكومته، وتغيير البرلمان الفلسطيني
وتغيير قيادة الأجهزة الأمنية وتفعيل
تعاونها مع إسرائيل لمنع العمليات
الفدائية، إضافة إلى تغيير النظام
القضائي الفلسطيني.
ومن
الواضح أن عقدة "إرهاب" 11 سبتمبر لا
تزال تسيطر – وربما تستمر لسنوات – على
أفكار الرئيس بوش وتصبغ كل أطروحاته لحل
أي مشكلة في العالم، وهو ما ظهر بوضوح في
خطابه في صورة عبارته الشهيرة "من ليس
معنا فهو ضدنا ومع الإرهاب"!، وحديثه
عن أنه (لن تقوم الدولة الفلسطينية أبدا
بالإرهاب) وأن (الولايات المتحدة لن
تؤيد قيام دولة فلسطينية ما لم يشن
زعماؤها حربا متواصلة على الإرهابيين
ويدمروا بنيتهم التحتية).
كذلك
يسيطر على الفكر الأمريكي النموذج
الناجح الذي حققوه – في تصورهم –
للقضاء على الإرهاب في أفغانستان عبر
خلق قيادة بديلة هي كرزاي؛ ولذلك يسعون
لإيجاد كرزاي آخر – كما يقول مسئولون
فلسطينيون- في فلسطين، ثم كرزاي ثالث في
العراق وهكذا!
تجاهل
المبادرات العربية
أيضا
لوحظ على خطة بوش أنه تجاهل تماما
مبادرة السلام العربية ولم يذكرها
إطلاقا، كما لم يأتِ على ذكر السعودية
صاحبة المبادرة في بيانه، فيما استمر في
ممارسة الضغوط على مصر والأردن لحد ربط
ما يفترض أن يقوم به الفلسطينيون من
إصلاحات بمصر والأردن!
حيث
قال بأنه إذا حقق الشعب الفلسطيني هذه
الأهداف (أي تغيير قياداته وتوفير
الحماية للصهاينة) "فسوف يتمكن من
التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل ومصر
والأردن بشأن الأمن وغيره من الترتيبات
من أجل الاستقلال"!؟ وكأن الغرض هنا
هو الإيحاء بأن العمليات الجهادية تضر
مصر والأردن أيضا وتشعل الجبهة الأمنية!
بل
إن بوش طالب الدول العربية بوقف مساندة
إعلام بلادها للانتفاضة والعمليات
الاستشهادية بقوله: "وكل زعيم ملتزم
فعليا بالسلام سينهي التحريض على العنف
في الإعلام الرسمي ويدين علنا
التفجيرات القاتلة".
ولم
يقتصر الأمر على السعي لحشر مصر والأردن
في المعادلة، وإنما سعى بوش لتحقيق هدف
شاروني آخر هام هو أن يكون السلام (صفقة
كاملة) مع كل العرب وليس فقط
الفلسطينيين (لاحظ أن هذا كان هدف شارون
الأساسي في زيارته السادسة الأخيرة
لبوش)، ولهذا قال: "يجدر بالزعماء
الراغبين في أن تشملهم عملية السلام أن
يظهروا بأفعالهم تأييدهم التام للسلام،
ومع تحركنا نحو حل سلمي فمن المتوقع من
الدول العربية بناء علاقات أوثق
دبلوماسيا وتجاريا مع إسرائيل بما يؤدي
إلى تطبيع تام للعلاقات بين إسرائيل
والعالم العربي بأسره"!
ومن
الطبيعي في هذا السياق أن يتطرق الحديث
إلى سوريا ولبنان باعتبارهما يمثلان -ضمن
محور الشر- الخطر الثاني على الدولة
اليهودية عبر حليفهما حزب الله، وأن
يوجه بوش تحذيرا للبلدين هو أشبه ما
يكون بإعطاء الضوء الأخضر لشارون في
توجيه ضربات لهما.
وهذا
التهديد تحديدا نقله شارون في زيارته
الأخيرة لأمريكا لبوش حيث ذهب إليه يحمل
حقيبة مملوءة بما قيل بأنه وثائق تثبت
تورط سوريا ولبنان وإيران في دعم حزب
الله، ونقل صواريخ طويلة المدى إلى
المنطقة لضرب إسرائيل.
ولهذا
قال بوش في خطابه: "قلت في الماضي إن
الدول إما أن تكون معنا أو علينا في
الحرب على الإرهاب، ولكي تحسب الدول على
جانب السلام فإن عليها أن تتحرك.. كل
دولة ملتزمة فعليا بالسلام ستوقف تدفق
الأموال والمعدات وعمليات التجنيد في
الجماعات الإرهابية الساعية لتدمير
إسرائيل بما في ذلك حماس والجهاد
الإسلامي وحزب الله".
وأضاف:
"يجب على كل دولة ملتزمة فعلا بالسلام
أن تمنع شحن الإمدادات الإيرانية لهذه
الجماعات وأن تعارض الأنظمة التي تشجع
الإرهاب مثل العراق. ويجب على سوريا أن
تأخذ جانب الحق في الحرب على الإرهاب
بالقيام بإغلاق معسكرات الإرهابيين
وطرد المنظمات الإرهابية".
معسكر
الحرب ينتصر
وعلى
الرغم مما تردد قبل خطاب بوش عن قرب
استقالة كولن باول بسبب تغول وسيطرة
لوبي الحرب في إدارة بوش الذي يمثله
نائبه تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد
ومستشارته رايس، وإعراب باول عن
ارتياحه عقب خطاب بوش "لأخذ الرئيس
بآراء إدارته"، فإن الخطاب يحمل
بوضوح بصمات لوبي الحرب الأمريكي ما
يعني توقع الانتقال السريع إلى الجزء
الثاني من خطة مكافحة الإرهاب
الأمريكية بضرب العراق وإسقاط حكومته
بالقوة.
فالحديث
عن معسكري الخير والشر، والاستشهاد
بالإنجيل من حيث اختيار الحياة أو
الموت، فضلا عن الإصرار على إنهاء حكم
عرفات كشرط لأي تحرك أمريكي أو إسرائيلي..
كلها عناصر تصب في خانة معسكر الحرب
الأمريكي الذي يعتبر عرفات مجرد مساند
للإرهابيين وحماس والجهاد هما بن لادن
في فلسطين، وإسرائيل حليف رئيسي في
مكافحة الإرهاب والأمر الأخير مطلب سبق
أن شدد عليه شارون وأكده قادة معسكر
الحرب في تصريحات عديدة سابقة خصوصا في
لقاء شارون ورامسفيلد بالبنتاجون.
الجزرة
بعد الرضوخ
وقد
أثير جدل شديد بين المراقبين بشأن
المزايا التي قدمها بوش في خطته
للفلسطينيين من حيث تحديد موعد -لأول
مرة- للوصول إلى الدولة الفلسطينية
النهائية لا يتعدى ثلاث سنوات يكون هو
وحتى شارون خارج السلطة(!).
ومن
حيث الانسحاب الإسرائيلي من مدن الضفة
وغزة، وتقديم مساعدات اقتصادية من
أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة.
ومن
حيث الحديث عن القدس وتجميد المستوطنات
وقرارات 242 الحاكمة لحل القضية
الفلسطينية.
بل
إن هذه المزايا الظاهرية كانت سببا في
تسرع القيادة الفلسطينية في الترحيب
بالخطة، رغم انتقاد رموزها لغياب جدول
زمني واضح للحل.
ولكن
القراءة المتعمقة لخطاب بوش توضح أن بوش
ربط المكافأة – كما سماها هو – بتنفيذ
مطالبه الخاصة بعزل عرفات ووقف
العمليات الاستشهادية؛ حيث قال بأنهم
"إذا ساروا بجد في طريق الإصلاح فإن
المكافأة قد تأتي سريعا، وإذا اعتنق
الفلسطينيون الديمقراطية وتصدوا
للفساد ورفضوا الإرهاب بثبات فإن
بوسعهم الاعتماد على الدعم الأمريكي
لقيام دولة فلسطينية مؤقتة".
ومعنى
هذا أن الجزرة التي يحلم بها
الفلسطينيون لن تعطى لهم قبل أن يرضخوا
للمطالب الأمريكية ويغيروا حكومة عرفات
ويوقفوا العمليات.
كذلك
فإن الحديث عن فترة ثلاث سنوات أمر ليس
جديدا وسبق أن تم تحديد مواعيد سابقة
وفي عهد رؤساء وزراء إسرائيليين يوصفون
بـ "المعتدلين" كإسحاق رابين
وباراك، ولكن لم يلتزم أحد بهذه الخطط
ولا الزمن المحدد لإنجازها.
خطط..
خطط!
والغريب
أن الكثير من المحللين والمراقبين ممن
يتابعون هذه الخطة الأمريكية ويحللون
مزاياها وعيوبها تعاملوا معها وكأنها
خطة لرسم خريطة العالم لن تتغير وأنها
قدر محتوم، ونسوا أن هناك عشرات الخطط
السابقة التي لم تنفذ مثل خطة كلينتون
وخطة متشيل وخطة تنيت، غير قرارات الأمم
المتحدة العديدة التي هي أيضا خطط للحل،
بل إن اتفاقيات أوسلو نفسها لم تنفذ
وجمدت أو تم تجاوزها.
وحتى
الخطط الأمريكية السابقة بالإطاحة
بزعماء دول التي تصور المراقبون حينئذ
أنها أمر لا مفر منه، لم تتحقق وذهب
الرؤساء الأمريكان الذين وضعوا هذه
الخطط وبقي من أرادوا إسقاطه من الحكام
في موقعه، وآخرهم الرئيس العراقي صدام
حسين الذي بقي في السلطة وذهب رئيسان
أرادا الإطاحة به هما جورج بوش الأب
وكلينتون، دون الحديث عن الرئيس الكوبي
كاسترو وجاره الرئيس الفينزويلي شافيز
الذي عاد رغم الانقلاب العسكري
الأمريكي الواضح عليه قبل انقضاء 24 ساعة
خارج السلطة!
بعبارة
أخرى لا يجب النظر إلى خطة بوش على أنها
أمر مسلم به، ودونها الدمار والهلاك
للعرب والفلسطينيين، فليس سرا أن
العمليات الاستشهادية تمثل عبئا ثقيلا
على الإسرائيليين وسلاحا لا يمكن
الوقوف أمامه، وهو ما اعترف به وزير
الدفاع بن أليعازر بنفسه الأسبوع
الماضي.
وخطة
بوش في نهاية الأمر لا تسعى لإسداء
المعروف للفلسطينيين بقدر ما تسعى
لإنقاذ إسرائيل مما يجري لها على أيدي
الاستشهاديين وإجهاض هذا السلاح الخطير.
بل إن الغضب على عرفات نابع أساسا من
فشله عن وقف هذا السلاح الذي كبد
الإسرائيليين ما لم يخسروه في حروب
نظامية سابقة مع العرب وضرب اقتصادهم،
ويوشك أن يهدد أسس الدولة العبرية بهجرة
الإسرائيليين للخارج طلبا للأمن.
فهل
انتظر العرب أشهرا وأياما حتى تمخض بوش
فلم يلد سوى خطة شارون الأصلية للتعامل
مع الفلسطينيين والسوريين والعرب؟
تابع
في الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
|