 |
|
الشيخ
ياسين |
شهد
شهر مايو تطورا نوعيا في طبيعة المواجهة
بين دولة الكيان الصهيوني والشعب
الفلسطيني، فقد أثبت المقاومون
الفلسطينيون أن لهم قدرة فائقة على
النهوض من الضربة التي تعرضت لها البنية
التحتية للمقاومة خلال حملة "الجدار
الواقي"، وبشكل أصاب المؤسسة الأمنية
الإسرائيلية بالصدمة.
فقد
كانت المؤسسة الأمنية والسياسية في
الدولة العبرية تعتقد أن أشهرا طويلة
ستمضي قبل أن تستطيع المقاومة
الفلسطينية استعادة عافيتها، وترميم
قدرتها على استئناف عمليات المقاومة في
الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل إسرائيل.
وما
زاد الأمور تعقيدا أمام دائرة صنع
القرار في الدولة العبرية أن المقاومة
الفلسطينية لم تنجح في استئناف
عملياتها فحسب، بل إنها انتقلت إلى تطور
نوعي غير مسبوق من حيث طبيعة الأهداف
التي تخطط المقاومة الفلسطينية لضربها.
لكن
في المقابل، فإن أداء المقاومة
الفلسطينية -في هذا الشهر- دفع بقوات
الاحتلال إلى أن تزيد من وتيرة القمع
العسكري وتضييق الخناق اقتصاديا، إلى
جانب محاولة فرض حقائق سياسية على الأرض
لقطع الطريق على الشعب الفلسطيني من
تحقيق إنجازات مستقبلية في حال إذا عاد
الطرف الرسمي الفلسطيني للمفاوضات مع
حكومة تل أبيب.
العمليات
الاستشهادية مستمرة
إن
كان أحد أهم أهداف حملة الجدار الواقي
هو العمل على القضاء على قدرة المقاومة
الفلسطينية على تنفيذ عمليات
استشهادية، فإن الإسرائيليين لم
يستطيعوا تحقيق هذا الهدف. فقد افتتحت
"كتائب الشهيد عز الدين القسام" (الجناح
العسكري لحركة حماس) هذا الشهر بعملية
استشهادية ضخمة أسفرت عن مقتل 16
إسرائيليا في مدينة "ريشون ليتسيون"؛
لكن التطور الأهم كان هو عودة الأجهزة
العسكرية لتنظيمات المقاومة
الفلسطينية ذات التوجهات العلمانية
للقيام بالعمليات الاستشهادية، حيث
نفذت كل من الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين عملية استشهادية، في الوقت الذي
نفذت فيه "كتائب شهداء الأقصى"
الجناح العسكري لحركة فتح عمليتين
استشهاديتين.
في
نفس الوقت تم تسجيل أربع محاولات لتنفيذ
عمليات استشهادية في قلب إسرائيل.
الصدمة كانت في الدولة العبرية مضاعفة،
ليس فقط من قدرة المقاومين الفلسطينيين
على تنفيذ العمليات الاستشهادية، بل من
قدرتهم على تجاوز كل التحصينات
العسكرية الإسرائيلية التي جعلت من
الخط الفاصل بين الضفة الغربية
وإسرائيل كما لو كان سور برلين. هذا في
الوقت الذي كان فيه جيش الاحتلال يفرض
نظام منع التجول على معظم المدن
الفلسطينية في الضفة الغربية، ويقوم
بحملات اعتقال واسعة في صفوف رجال
المقاومة من مختلف التنظيمات
الفلسطينية.
ضرب
أهداف إستراتيجية إسرائيلية
مما
لا شك فيه أن شهر مايو قد شهد على وجه
التحديد تطورا نوعيا بالغ الأهمية أشعل
أضواء حمراء في أروقة المؤسسة الأمنية
العبرية. فقد خرج الساسة وكبار جنرالات
الجيش الصهيوني عن طورهم، عندما انفجرت
إحدى الشاحنات التي تنقل الغاز بالقرب
من أكبر تجمع للغاز في إسرائيل إلى
الشمال من تل أبيب في منطقة معروفة بـ
"بي جليلوت".. معجزة فقط حالت دون
انفجار المجمع، إذ إن الشاحنة على الرغم
من انفجارها في داخل المجمع فإنها
انفجرت في منطقة الإدارة والمكاتب، لذا
استطاعوا السيطرة عليها، ولم تنتقل
آثار الانفجار إلى مخازن الغاز.. الأمر
الذي لا يكاد يختلف عليه أحد في إسرائيل
أنه لو انفجر مجمع الغاز فإن خمسة آلاف
إسرائيلي سيُقتلون على الأقل.
ناهيك
عن الأضرار البيئية الكبيرة التي ستنجم
عن الانفجار والتي ستغطي ربع مساحة
إسرائيل، فضلا عن الآثار النفسية
القاسية على مجمل الإسرائيليين الذين
سيفقدون ثقتهم بالمؤسستين الأمنية
والسياسية في الدولة العبرية.
وفي
إسرائيل نشب جدل حول عدد الأهداف
الإستراتيجية التي بإمكان الفلسطينيين
ضربها والتسبب في خسائر بشرية ضخمة، حيث
أصاب الإسرائيليين ما يشبه الهوس لما
جرى. والذي أثار المؤسسة الأمنية
الإسرائيلية هو القدرة الاستخبارية
للفلسطينيين، إذ إن الذي وضع العبوة في
الشاحنة كان على علم دقيق بخط سيرها،
واستغرقت مراقبتها وقتا طويلا، فضلا عن
قدرة الفلسطينيين على تجاوز وسائل
التفتيش الإلكتروني المنتشرة على بوابة
المجمع.
الرد
بالاعتقالات والاغتيالات
بكل
تأكيد كان رد حكومة شارون على جملة
العمليات التي قامت بها المقاومة
الفلسطينية شديدا من ناحية عسكرية، إلا
أنه فضلا عن ذلك حمل رسالة سياسية واضحة
مفادها أن حكومة شارون عازمة على ألا
يحقق الفلسطينيون أي مكسب سياسي من وراء
عمليات المقاومة، بل على العكس تماما،
فإن عليهم أن يعوا أنه ليس أمامهم إلا أن
يخسروا سياسيا من وراء عمليات المقاومة.
فقد
أعطى شارون لقواته الحرية المطلقة
لإعادة احتلال أي مدينة فلسطينية، وأن
تقوم باعتقال أي شخص ترى أن اعتقاله
يخدم الأمن الإسرائيلي. ولذلك، فإننا
نجد أن قوات الاحتلال قد أعادت احتلال
جميع المدن الفلسطينية في الضفة
الغربية عدة مرات، باستثناء مدينة
أريحا التي لم تكن أصلا ساحة لأي عمليات
مقاومة. والسياسة الأمنية التي اتبعها
جيش الاحتلال كانت تنص على أن يقوم
الجيش بعمليات اعتقال على أساس معلومات
استخبارية تحصل عليها المخابرات
الإسرائيلية الداخلية المعروفة بـ "الشاباك"
أثناء التحقيق مع أسرى فلسطينيين تم
اعتقالهم في بداية حملة "الجدار
الواقي".
وقد
حرصت إسرائيل على اعتقال من تعتبرهم "رأس
الثعبان"؛ أي من تصنفهم كقادة للعمل
المقاوم. وفي هذا السياق، نجحت بالفعل
باعتقال عدد من أبرز كوادر العمل
المقاوم في حركات فتح وحماس وبقية
التنظيمات.
وإلى
جانب هذه العمليات، قامت قوات الاحتلال
بعمليات اغتيال عدد من كوادر
التنظيمات، كان أبرزها قائد "كتائب
شهداء الأقصى" في الضفة الغربية
محمود الطيطي في مخيم بلاطة، فضلا عن
تصفية قائد المخابرات الفلسطينية
العامة في بلدة "بني نعيم" قضاء
الخليل.
عدم
الاعتراف بالسلطة
إلى
جانب ذلك فقد استهدف العمل العسكري
الإسرائيلي في الضفة الغربية العمل على
تآكل مظاهر السيادة الفلسطينية في
الضفة الغربية. فعمليات الاقتحام
المتوالية للمدن الفلسطينية كانت تحمل
رسالة مفادها أنه بالنسبة للجيش
الإسرائيلي فإن السلطة الفلسطينية لم
تعد قائمة، وبإمكان الجيش أن يعمل في أي
مكان من مناطق السلطة بكل حرية؛ وذلك
تكريسا لقرار حكومة شارون فرض السيادة
الأمنية الإسرائيلية على مناطق السلطة
الفلسطينية.
لكن
إلى جانب ذلك، فقد عمل الجيش الإسرائيلي
على محاولة فك الارتباط المصلحي بين
السلطة الفلسطينية والجمهور الفلسطيني
في الضفة الغربية؛ وذلك عبر استئناف عمل
أنشطة الإدارة المدنية الإسرائيلية
التي أخذت شيئا فشيئا تشرف على مزيد من
الصلاحيات المدنية التي كانت تشرف
عليها مؤسسات السلطة.
فمثلا
لأول مرة أوجبت قيادة جيش الاحتلال على
سكان الضفة الغربية أن يتقدموا لمكاتب
الإدارة المدنية الإسرائيلية للحصول
على تصاريح خاصة إذا أرادوا أن ينتقلوا
من مدينة إلى أخرى في الضفة الغربية،
وهذا يعني أن كل مدينة فلسطينية في
الضفة الغربية قد تحولت إلى "كانتون"
مستقل بذاته؛ وهذا ينسجم بشكل تام مع
الخطة التي تقدم بها السياسي
الإسرائيلي اليميني المتطرف "أفيغدور
ليبرمان" لشارون قبل عدة أشهر.
اللافت
للنظر أن الإجراءات الإسرائيلية غير
المسبوقة قد تم تعميمها إلى قطاع غزة.
فلأول مرة فرضت قوات الاحتلال على سكان
منطقة المواصي الساحلية في قطاع غزة
الحصول على تصاريح خاصة للتحرك داخل
مناطق سكانهم أو الخروج منها.
إلى
جانب كل ذلك، فقد أقرت حكومة إسرائيل
أنها بصدد إنشاء أربعين مستوطنة يهودية
جديدة في الضفة الغربية؛ وغني عن القول
أن إقامة هذه المستوطنات تعني قضم
مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية في
الضفة الغربية وقطاع غزة.
الإرهاب
اليهودي يستهدف الفلسطينيين
إلى
جانب القمع العسكري الإسرائيلي الرسمي
فإن الإرهاب اليهودي غير الرسمي عاد
ليضرب من جديد. ففي هذا الشهر أُعلن عن
اكتشاف تنظيم يهودي أقر عناصره بتدبير
عدة محاولات لاستهداف الفلسطينيين في
الضفة الغربية سيما في القدس. حتى
الصحافة الإسرائيلية أشارت إلى أن
الأجهزة الأمنية تتعامل بلين شديد مع
عناصر التنظيم الإرهابي اليهودي، لدرجة
أن أحد أكثر الإرهابيين دموية قال
للصحافيين إنه يتعرض لتعذيب شديد في
التحقيق، وعندما سألوه: كيف يعذبونك؟
قال: إنهم يجبرونني على قراءة ملحق
صحيفة "هآرتس"!!
مما
لا شك فيه أن الوضع القائم دفع بالرأي
العام الفلسطيني والإسرائيلي إلى جدل
في اتجاهين مختلفين. ففي الأراضي
الفلسطينية، نشب جدل قوي حول العمليات
الاستشهادية سيما تلك التي تستهدف
المدنيين. فقد تعالت مزيد من الأصوات
التي ترى أن مثل هذه العمليات تضر
بالمصلحة الوطنية الفلسطينية أكثر مما
تضر بإسرائيل، وقد صدرت هذه الدعوات ليس
فقط من مسؤولين في السلطة، بل أيضا من
مثقفين فلسطينيين. السلطة من ناحيتها
شعرت بحرج شديد من قيام حركة فتح التي
يتزعمها عرفات بالعمليات الاستشهادية،
لذا خرج نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون
الدولي الفلسطيني عضو اللجنة المركزية
لفتح ليقول: إن "كتائب شهداء الأقصى"
التي تقوم بهذه العمليات لا تمثل فتح.
الجمهور
الفلسطيني بمجمله ظل يؤيد هذه
العمليات، لكن شيئا فشيئا زادت الدعوات
لقصر العمليات الاستشهادية ضد جنود
الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية
وقطاع غزة. هذا في الوقت الذي بلغت فيه
الخسائر الفلسطينية من حملة الجدار
الواقي أكثر من أربعمائة مليون دولار
أمريكي. أيضا في الشارع الإسرائيلي زادت
خلال شهر مايو وتيرة الجدل حول جدوى
العمليات العسكرية التي يقوم بها جيش
الاحتلال ومدى مساهمتها في تحقيق الأمن
الإسرائيلي.
فعلى
سبيل المثال زادت خلال شهر مايو مظاهر
رفض الخدمة العسكرية ضمن قوات الاحتلال
في الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد بلغ عدد
جنود وضباط جيش الاحتلال الذين يرفضون
الخدمة العسكرية في الضفة الغربية إلى
500 جندي.
وأخيراً..
أظهر المجتمع الإسرائيلي عدم قدرة على
تحمل الوضع القائم، فقد كشف النقاب عن
أن شركة كندية قد بنت آلاف الشقق
السكنية في كندا لإسرائيليين يخططون
للهجرة إلى كندا من إسرائيل بسبب
الأوضاع الأمنية الخانقة.
اقرأ
أيضًا:
|