 |
|
الفوضى تحيط بالانتخابات |
مضى من عمر الأزمة
الجزائرية عشر سنوات كاملة، وهى الأزمة
التي كانت كلمة السر فيها هي "الانتخابات".
فقد كانت إشارة البدء مرتبطة بالحادثة
الشهيرة التي عطل فيها النظام الجزائري -
مدفوعاً بضغوط صريحة من مؤسسة الجيش ووسط
مباركة إقليمية ودولية - المسار الانتخابي
الذي شهدته الجزائر في مطلع التسعينيات
الذي كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على
وشك الفوز فيه.
ويرى
الكثيرون أن انتخابات كانون الأول /
ديسمبر 1991 يمكن أن ينظر إليها على أنها
الأشهر في التاريخ المعاصر؛ فهي
الانتخابات التي أسفرت عن مصرع نحو مائة
ألف شخص، وهى الانتخابات التي أدت إلى
تكبد الدولة الجزائرية خسائر تقدر بعشرات
المليارات من الدولارات، كما أنها كانت
السبب الأساسي في تراجع ثقة الجزائريين في
الاستحقاقات الانتخابية بشكل عام وفى
إمكانية التداول السلمي للسلطة في
الجزائر بشكل خاص.
توتر
وتوجس قبيل الانتخابات
وقد
أصبح من تداعيات هذه الخبرة السلبية
التشاؤم بحلول المواسم الانتخابية، خاصة
أن الكثيرين من أبطال المسرح السياسي في
الجزائر لا يرضون مسبقاً عن المساحات التي
قد يحصلون عليها بعد الاقتراع؛ أو لا
يرتضون أصلاً بالاقتراع كوسيلة للمشاركة
في السلطة، الأمر الذي يدفعهم إلى محاولة
إثبات الحضور ولو عن غير طريق الانخراط في
فعاليات العملية الانتخابية.
فعلى
هامش المشاركة الرسمية، تفضل العديد من
الأطراف أن تشارك بطريقتها الخاصة؛ إما عن
طريق مقاطعة الموسم الانتخابي برمته أو
التهديد بعرقلته في بعض الأحيان، وإما عبر
تبني عدد من العمليات الدموية التي على
الرغم من كونها تمثل بنداً شبه معتاد في
الحياة اليومية الجزائرية؛ إلا أنه قد جرت
العادة أن تزداد حدتها في مواسم
الانتخابات، حتى أصبح استخدام العبوات
الناسفة متزامناً مع استخدام صناديق
الاقتراع.
"الإنقاذ"
تشارك
وتأتي
الانتخابات الحالية في وسط مفارقة إضافية
قد تسهم في دعم هذه الصورة المرتبكة، حيث
تشهد هذه الانتخابات السماح لعناصر من
جبهة الإنقاذ المحظورة بالمشاركة؛ لتكون
هذه هي المرة الأولى منذ إلغاء نتائج
انتخابات مطلع 1992، التي يكون في إمكان
أعضاء الحزب المحظور المشاركة في عمليات
الاقتراع والترشح، فى نفس الوقت الذي يخرج
منها – أو بالأحرى يقاطعها- طرف أساسي وذو
حضور صاخب في العادة؛ تمثله الأحزاب
القبائلية، مدعومة بموقف متشدد من
تنسيقية العروش البربرية؛ أقوى الأصوات
المعارضة في منطقة القبائل.
في
وسط هذا المناخ السياسي الملبد يمكن أن
نتابع مواقف أبرز أطراف الحملة
الانتخابية الراهنة التي تتم بمشاركة 22
حزبا من مجموع 28 حزباً فضلاً عن قوائم
الأحرار التي تأتي أيضاً في ظل معادلة
جديدة للسلطة تخلى بموجبها الرئيس
الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن دعم حزب
الرئاسة السابق التجمع الوطني الديمقراطي
الذي ولد في عهد سلفه المستقيل الأمين
زروال، ونقل بوتفليقة دعمه إلى حزبه
الأصلي جبهة التحرير الوطني، التي يتولى
أمينها العام علي بن فليس رئاسة الحكومة.
بوتفليقة:
من الوئام المدني إلى السياسي
في
الوقت الذي سعى فيه الرئيس السابق الأمين
زروال إلى محاولة إخراج الجزائر من أزمتها
عبر مشروع مؤسساتي صرف، يحتل فيه الحوار
المرتبة الثانية؛ ويشتمل على عيب مزدوج
تمثل في عدم الاعتراف بطرف بارز من أطراف
الأزمة (جبهة الإنقاذ)، وتهميش طرف آخر (البربر)؛
فإن النهج الذي اختطه بوتفليقة قد قلب هذه
المعادلة، فبدأ بالاعتراف وأخر العمل
المؤسسي. فقد اعتبر بوتفليقة أن الإبقاء
على سياسة الإقصاء والتهميش تجعل المشكلة
الجزائرية قائمة بدون حل حقيقي.
وعليه
شرع بوتفليقة - بعد الفراغ من مشروعه
الوئام المدني في تبني مشروع للوئام
السياسي - يقوم على مصالحة أطراف الأزمة
عبر مبادرتين سياسيتين، تمثلت الأولى في
الإقدام على تعديل الدستور الجزائري بهدف
الاعتراف باللغة الأمازيغية للبربر لغة
وطنية، فيما تمثلت الثانية في رفض تعديل
القانون الانتخابي بما يسمح بمشاركة
عناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ في
الاستحقاقات الانتخابية.
وكانت
أوساط نافذة في الحكم قد اعترضت على ترشح
ممثلي الإنقاذ في الاستحقاقات المقبلة،
وطالبت بتعديلات جوهرية على مضمون
القانون الحالي للانتخابات. لكن الرئيس
الجزائري لم يقبل هذه المطالب. وقررت
الحكومة الجزائرية الاحتفاظ بالتدابير
القانونية التي وضعتها في العام 1997 لتنظيم
الانتخابات الاشتراعية والمحلية، الأمر
الذي أثار مخاوف قوى سياسية وحزبية من
تكرار سيناريو الدورة الأولي من
الانتخابات التشريعية نهاية 1991.
من
جهة أخرى، أبدت أوساط سياسية مخاوف من أن
يؤدي قرار بوتفليقة إدراج الأمازيغية
كلغة وطنية في الدستور الجزائري من دون
إجراء استفتاء شعبي إلى تصاعد النزعات
الجهوية في البلد. إلا أن بوتفليقة قد
اعتمد على الحق الذي تخوله له المادة 176 من
الدستور الجزائري؛ والتي تشير إلى أنه يحق
للرئيس تعديل الدستور شرط حصوله على دعم
ثلاثة أرباع البرلمان، بغرفتيه، علما أن
غالبية هؤلاء يدعمونه في إطار الحكومة
الائتلافية، إلا أن ذلك لم يحُل دون صدور
بعض التحفظات عن ممثلي بعض الأحزاب
الإسلامية، مثل حركة الإصلاح الوطني
وحركة مجتمع السلم في شأن الأمازيغية.
فضلاً عن معارضة شخصيات عروبية كثيرة
لمنطق ترسيم الأمازيغية من دون استشارة
الشعب.
"شراء"
الإنقاذيين والأمازيغيين
وتذهب
تحليلات إلى أن هاتين المبادرتين تأتيان
في ضوء رغبة الرئيس الجزائري في أن يكون
البرلمان المقبل ممثلاً لكافة قوى الساحة
الجزائرية، بهدف وضع إطار سياسي للمشاكل
التي يتخبط فيها البلد. غير أن المبادرتين
لا تخلوان أيضاً من أبعاد تكتيكية واضحة،
فمشاركة عناصر "معينة" من الجبهة
الإسلامية للإنقاذ في هذا التوقيت قد بدت
لبوتفليقة أمراً معقولاً، خاصة أن عشر
سنوات من الحظر هي فترة كافية لفرض
الاسترخاء السياسي على الجبهة، كما أن
السماح للإنقاذيين بالمشاركة السياسية -على
عكس رغبة العديد من القوى السياسية
والحزبية داخل دوائر السلطة وخارجها، وفى
أعقاب تبني قانون الوئام المدني الذي كان
بوتفليقة مهندسه الأوحد؛ كل هذه الخطوات
تفرض على الإنقاذيين الاعتراف بالجميل
الذي أسداه بوتفليقة من موقعه كرئيس
للدولة، كما تفرض عليهم في الوقت ذاته
الاعتراف له بصفته تلك؛ والتخلي عن تصوره
كخصم ينبغي الإطاحة به، أو العمل في
مواجهته بشتى الطرق.
ومن
ناحية أخرى، فإن الاعتراف باللغة
الأمازيغية يسحب الهواء من أشرعة متشددي
القبائل، ويحول بينهم وبين الترويج
لمطالبهم الانفصالية. وفى الوقت ذاته،
يفسح الطريق أمام التيار المحاور الذي رحب
بمبادرة بوتفليقة، وأبدى استعداده
للمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وهو
ما كاد يتحقق بالفعل لولا الضغوط التي
مارستها تنسيقية العروش عليه وأجبرته على
الانضمام إلى حملة المقاطعة الشاملة.
جبهة
التحرير: الرهان المضمون
وإذا
كان بوتفليقة قد سمح بمشاركة عدد من
العناصر المقبولة للجبهة في الانتخابات،
فإن هذا لم يتم إلا بعد أن تأكدت لديه
مقدرة حزبه "جبهة التحرير الوطني"
على المنافسة بقوة، وبالدرجة التي تتيح له
إعادة ثقل الميزان إلى وضعه الصحيح؛ الذي
هو في جانب مؤسسة الرئاسة بطبيعة الحال.
إذ
يسود اعتقاد بين المراقبين بأن جبهة
التحرير ستتمكن من حصد غالبية مقاعد
البرلمان المقبل، وذلك بسبب نجاحها في
الفترة الأخيرة في إعادة استقطاب
مناضليها السابقين، وسعيها إلى التوازن
في مواقفها بين التيار الإسلامي
والجمهوري، فضلا عن الدعم الذي تحظى به من
أجهزة الدولة.
ومن
الملاحظ أن جبهة التحرير بدأت تستعيد
نفوذها السابق مع تولي قيادات أساسية فيها
مناصب عليا في الدولة؛ إذ تقلد العضو
السابق في لجنتها المركزية عبد العزيز
بوتفليقة الرئاسة في انتخابات نيسان (إبريل)
1999، ويرأس بن فليس أمينها العام الحالي
الحكومة، كما يرأس البرلمان أمينها العام
السابق السيد محمد الشريف.
وبدأت
جبهة التحرير بنشاط كبير مع تولي بن فليس
قيادتها، في تحريك أعضائها واستقطاب
منتسبين جدد قدر عددهم بالآلاف، بحسب ما
ذكر بن فليس في تصريحات صحافية. كذلك تمكنت
الجبهة من إعادة انتشارها في المناطق
الريفية والمدن الداخلية، ومن إحياء نشاط
مراكزها في المدن الكبرى مثل العاصمة، مما
يدعم حظوظها في الاستحقاقات المقبلة.
ويرى
الطاقم الأمني في حكومة جبهة التحرير الذي
لم يرُق له كثيراً قرار الرئيس بالسماح
بمشاركة عناصر من الإنقاذ أن الطريق قد
بات مسدوداً أمام قوى التطرف والجماعات
المتشددة (وهو يشير بالطبع إلى عناصر
الإنقاذ)، ويعزى هذا الانسداد في قدر منه
إلى اقتناعه بأن الشعب الجزائري نفسه هو
الذي سيرفض إعطاء صوته لمن ساهم في وقوع
البلاد في الأزمة الأمنية طيلة العشرية
الماضية، ولكنه لا يعول فقط على هذه الثقة
التي تعكس "إرادة المواطنين"، وإنما
احتفظ لنفسه بحق استبعاد أي شخص يرتاب
النظام في ميوله أو توجهاته السياسية!.
جبهة
الإنقاذ والقبول بالأمر الواقع
بعد
أن حل النظام الجزائري الجبهة ككيان رسمي
له حق المشاركة في السلطة والتمتع بكافة
الحقوق السياسية، أضحت الساحة الجزائرية
مشتملة على نقص خطير وسم كافة الجهود
المبذولة سواء لإعادة الاستقرار أو لبناء
إطار جديد من الشرعية، حيث كانت الجبهة
تمثل الخصم الحقيقي للنظام والطرف الذي
بدا في وقت من الأوقات أنه يمثل نداً له أو
ما يزيد؛ لذا كان إقصاؤها عن الساحة
السياسية بمثابة إعلان عن رغبة النظام
الجزائري في خوض مباراة سياسية من دون
منافسين حقيقيين؛ وهو الخلل الذي سعى إلى
معالجته بمحاولة إضفاء قدر أكبر من
المصداقية على الخصوم الأقل ثقلاً من
الجبهة مثل حزب النهضة وحركة مجتمع السلم،
فأسند إليهم عدداً من الحقائب الوزارية،
وبالشكل الذي يوحي من خلاله للمواطن
الجزائري بوجود نوع من تقاسم السلطة بين
كافة قوى العمل الوطني على اختلاف
توجهاتها.
غير
أن هذه الإجراءات "التسكينية" لم تلغ
حقيقة بقاء الإنقاذ بقادتها ورموزها
التاريخية موجودة على ساحة الأحداث، وهى
الحقيقة التي يبدو أن بوتفليقة لم يجد
بداً من الاعتراف بها، وخصوصاً أنها تأتي
متسقة مع البرنامج السياسي الذي التزمه
منذ بداية وصوله للسلطة الذي حاول من
خلاله أن يبدو بمظهر الرئيس غير المتحزب،
الأمر الذي تمخض عنه قراره بالسماح
بمشاركة عناصر من الإنقاذ في الاستحقاقات
المقبلة.
غير
أن عودة الإنقاذ إلى الساحة السياسة عبر
منحة رئاسية، جعل الصورة تختلف كثيراً عن
العودة التي كان الإنقاذيون يتمنون أن
يدخلوا من خلالها الحياة السياسية دخول
الفاتحين. فأحد متضمنات القبول بهذه
المنحة الاعتراف الضمني بالوضع السياسي
القائم، والتخلي عن المطلب السياسي
الشهير –والمستحيل- بالعودة إلى نتائج
الانتخابات الملغاة التي مر عليها عقد من
الزمان، والتي يؤمن الإنقاذيون أن حقهم
فيها لا يسقط بالتقادم.
مفارقة
القبول بالواقع الممكن أو التمسك بالماضي
المستحيل أسهم في توليد انشقاق جديد في
صفوف الجبهة إزاء مسألة المشاركة، انشقاق
اعتبر بموجبه المجلس التنسيقي أن
المشاركة في الانتخابات التشريعية
المقبلة في الجزائر تُعتبر شهادة زور لا
غير. حيث أوضح المجلس في بيان له أن
للمشاركة في الاقتراع شروطاً وضمانات، لا
يمكن لأحد أن يضمن توافرها في الاستحقاقات
المقبلة؛ في تعريض صريح بنزاهة النظام
الجزائري. في الوقت نفسه اعتبر البيان أن
المشاركة في هذه الانتخابات – بصفة مرشّح
أو مقترع - معناها إضفاء الشرعية على
الانقلاب الذي سلب الجبهة حقهاً في فوز
مؤكد في مطلع التسعينيات.
وبعيداً
عن هذه الانشقاقات الداخلية؛ فقد حرصت بعض
القوى الحزبية على الاستفادة من إمكانات
عودة عناصر الإنقاذ إلى الساحة السياسية؛
وذلك بالسماح لهم بالترشح على قوائمها
الانتخابية. وكان أبرز من وجه الدعوة
للإنقاذيين هو حزب النهضة بزعامة الحبيب
آدمي؛ الذي أكد استعداد حزبه للتعامل مع
قيادات الجبهة ممن يتمتعون بالأهلية
والشعبية والحقوق المدنية. وأوضح آدمي أن
الجبهة ليس لها اعتماد، ولكنها تتمتع
بحضور سياسي وتعاطف شعبي؛ الأمر الذي يمكن
توظيفه سياسياً.
التجمع
الوطني الديمقراطي: العودة إلى الحجم
الحقيقي
احتفظ
التجمع الوطني الديمقراطي بزعامة رئيس
الوزراء السابق أحمد أويحيى؛ بغالبية
مقاعد البرلمان بعد انتخابات 1997 في الوقت
الذي فقد فيه رمزه السياسي الذي دخل
الانتخابات السابقة مدعوماً باسمه وموقعه
في قمة هرم السلطة. فبعد خروج الرئيس زروال
من السلطة واختيار الرئيس بوتفليقة تأييد
حزبه الأصلي (جبهة التحرير الوطني)، أصبحت
الأغلبية التي يتمتع بها الحزب في مهب
الريح.
على
أن الورقة السياسية التي يراهن عليها
الحزب في الاستحقاقات المقبلة، تتمثل في
رفضه السماح لعناصر الجبهة في العودة إلى
الحياة السياسية، وتبني اللهجة المتشددة
إزاء عودة الإنقاذيين إلى المشاركة
السياسية من جديد. غير أن موقع أحمد أويحيى
على رأس وزارة العدل في الحكومة القائمة
قد فرض عليه أن يساير المطلب الرئاسي من
الناحية الشكلية، بإعلانه عن عدم وجود خلل
قانوني في السماح لمن يمتلكون صحيفة سوابق
عدلية بيضاء بالمشاركة في الاستحقاقات
المقبلة، ولكنه رغم ذلك أعلن أن مهمة حزبه
سوف تتمثل في تذكير الناخبين بما فعله
عناصر الجماعات المسلحة؛ والأخطاء التي
قادت الجزائر إلي حمام الدماء.
وتجد
النغمة التي اختار أو يحيى العزف عليها
صدى لها داخل أروقة النظام الجزائرى،
وخصوصاً لدى الأجنحة الأمنية في وزارة
الداخلية وعلى رأسها يزيد الزرهوني الذي
احتفظ لوزارته بحق استبعاد الإنقاذيين
الذين يمثلون خطراً على النظام من القوائم
الانتخابية التي سيندرجون في إطارها، وهو
التهديد الذي نفذه بالفعل في حق قوائم حزب
النهضة؛ حيث قام رجال الداخلية الجزائرية
باستبعاد ملفات 15 من مرشحي الحزب في سياق
تنفيذ التوجيهات الأمنية المتعلقة بتشديد
الرقابة على أعضاء الجبهة الإسلامية
للإنقاذ المحظورة والتائبين من الجماعات
الإسلامية المسلحة، الأمر الذي يوحي
بإمكانية التعاون الأمني المستقبلي بين
الحزبين في إطار الحكومة التي ستتمخض عن
الانتخابات المقبلة.
العروش
البربرية: النضال ضد الحقرة
قررت
لجان التنسيق بين الولايات التابعة
لتنسيقية العروش البربرية مقاطعة
الانتخابات؛ وشاركها في موقفها كل من
الحزبين القبائليين الأساسيين، وهما جبهة
القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد،
والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية
بزعامة سعيد سعدي.
وكان
النظام الجزائري قد حاول استرضاء
القبائليين قبل حلول موسم الانتخابات،
وذلك من خلال ترسيم الأمازيغية لغة وطنية،
غير أن القرار قد نظر إليه من قبل
المتشددين من قادة العروش على أنه "مناورة
مكشوفة" وأنه لن يغير من الوضع المتردي
في منطقة القبائل شيئاً!.
وعلى
الرغم من أن مطلب اللغة كان هو ورقة الضغط
الأولى التي كان متشددو البربر يلوحون بها
عند كل احتجاج سياسي، فإن هؤلاء المتشددين
لم يعدموا أوراقاً أخرى يستخدمونها عند
اللزوم؛ فقد تلى مطلب اللغة مطلب انسحاب
قوات الدرك. ولما تمت الاستجابة لهذا
المطلب تمت العودة إلى المطلب العام
والفضفاض الخاص بالنضال ضد الحقرة "من
أجل استعادة كرامة وحق المواطن القبائلي
في العيش في الأمن بوطنه"!.
ولا
يشير قرار المقاطعة من قبل البربر إلى
مجرد الامتناع عن المشاركة في
الاستحقاقات المقبلة، ولكنه يشير أيضاً
إلى أن منطقة القبائل من الممكن أن تشهد
اضطرابات جديدة بحلول موعد الانتخابات؛
إذ ربما يعتبر قادة البربر أن الإصرار على
إجراء الانتخابات في منطقتهم رغم
مقاطعتهم لها تحدياً لهم في عقر دارهم.
وبشكل
عام، يتوافر مناخ من سوء الظن لدى قادة
العروش البربرية في نوايا النظام
الجزائري؛ فكل التصرفات التي يأتي بها
بوتفليقة ينظر إليها على أنها مناورات ولا
شيء أكثر، حتى قراره بترسيم اللغة
البربرية لغة وطنية، والذي تحمل فيه
مغامرة تعديل الدستور الجزائري من دون
المرور على الاستفتاء الشعبي، وصف بأنه
استعراض مسرحي. ومؤخراً تعرض موكبه
للإهانة والقذف بالحجارة من قبل عشرات من
الطلبة البربر الناقمين على سياسته أثناء
قيامه بافتتاح عدد من المرافق العمومية،
الأمر الذي يعني أن مشددي البربر قد
اختاروا موقع المعارضة الأبدية لكافة
الإجراءات التي يأتي بها النظام الجزائري
– سواء كانت ضدهم أو حتى في صالحهم - وفقاً
لمبدأ "ما لا يؤخذ كله يترك كله"!.
وهكذا
تأتي الانتخابات التشريعية في وسط أجواء
معقدة كما هي العادة دائماً في الحالة
الجزائرية، بما يجعل الطموحات المرجوة
منها في حدها الأدنى، على اعتبار أنها
تأتي للحفاظ على شكل مؤسسي غير محكم، كما
أن ما تتيحه من فرص للإصلاح يغلب عليها
التحجيم، ويخضع للتوازنات المعقدة
المعهودة داخل أجنحة السلطة. ورغم ذلك،
فإن ثمة طموحات لدى الجزائريين أن تنجح
الانتخابات في تحريك الأوضاع نحو الأمام،
إلا أن الكثير منهم يدرك أن أي طموح من
وراء إجراء هذه الانتخابات إنما يرتبط
بكيفية إدارة وتوظيف نتائجها سياسياً
أكثر من كونه مرتبطاً بالانتخابات في حد
ذاتها!!!.
اقرأ
أيضًا:
|