|
لقد
ركَّز معهد القيم بالولايات المتحدة
الأمريكية في بيانه - الذي وقَّع عليه
ستون مثقفًا أمريكيًّا وجاء تحت عنوان
"على أي أساس نقاتل؟"- على تبرير
حرب الإدارة الأمريكية على ما أسمته
إرهابًا أعقاب أحداث الحادي عشر من
سبتمبر عام 2001م، بأنَّها حرب أخلاقية
تستهدف الحفاظ على المبادئ والقيم
الخمسة التي يؤمن بها الموقعون على
البيان، طالبين من المسلمين رجالاً
ونساء أن ينضموا معهم في تأييد هذه
الحرب وتبني القيم الأمريكية.
هذا
ولما كان البيان قد كشف مدى تضليل
الإعلام الغربي -الذي تسيره الصهيونية
العالمية للمثقفين الأمريكان ممن
وقَّعوا على هذا البيان الذي حوى على
كثير من المغالطات والمتناقضات- رأيتُ
من واجبي كمثقفة مسلمة، وصاحبة فكر،
وحاملة أمانة القلم أن أفتح باب الحوار
مع مُوقعي هذا البيان، ومع أي مثقف
أمريكي أو أوروبي يريد أن يتحاور معي
حول مبادئ الإسلام وقيمه وعلاقة الغرب
به؛ لأصحح له الرؤى، وأوضح له معالم
صورة الإسلام التي عكف الاستشراق
الغربي على مدى ثمانية قرون، والصحافة
الصهيونية على مدى قرن من الزمان على
تشويهها وتضييع معالمها.
وأتمنى
أن يكون ردِّي على بيان مثقفي أمريكا
بمثابة بيان مثقفي العرب والمسلمين في
كل مكان، فمن يجد في هذا الرد من مثقفي
الأمة يمثل رأيه فإنني أدعوه أن يضم
توقيعه إلى توقيعي.
المرتكزات
الأساسية للقيم التي نؤمن بها
1
- الإيمان بأنَّ الله -عز وجل- هو الخالق
الرازق المحيي والمميت، وهو الحي الذي
لا يموت، وهو الواحد الأحد "قُلْ هُوَ
اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ
يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن
لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ"، "لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ". فنحن هنا نختلف مع
استناد مؤسسي الولايات المتحدة إلى
دعوى دينية أساسية أنَّ جميع البشر
خلقوا على صورة الله، فالإنسان خلق
بنفحة من روح الله، ولكنه لم يخلق على
صورة الله. كما نؤمن بأنَّ الله هو
القاهر فوق عباده، وليس أية قوى بشرية،
فأية قوة بشرية مهما بلغت من قوة، فلن
تكون فوق قوة الله الأوحد "وَهُوَ
الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه"، "فَعَّالٌ
لِمَا يُرِيد". فنحن نؤمن إيمانًا
كاملاً بأنَّ الحياة والموت، والرزق،
وكل شيء بيد الله وحده، ولا يستطيع أي
كائن مهما بلغ من قوة وبطش أن ينزع
الحياة والرزق منَّا بدون إرادة الله
تعالى؛ ولذا فالإسلام حرَّر الإنسان من
عبودية الخلق إلى عبادة الله سبحانه.
2
- الإنسان كائن مكلف وصاحب رسالة، يقول
تعالى: "وَإِذْ قَال رَبُّكَ
للمَلاَئِكِةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الأْرْضِ خَلِيفَةً قَالُوُا
أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِد فِيها
وَيَسْفِكُ الدَّماءَ وَنَحْنُ
نُسَبِّحُ بَحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ
لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَالاَ
تَعْلَمُونَ" (البقرة: 30). والإنسان لا
يكون ظلومًا جهولاً إلا إذا كان ذا عقل،
فيعرف به أعباء هذه الأمانة، ومع هذا
يتعدى حدودها؛ إذ ظلم نفسه بتحمل أعباء
يعرفها ويتعدى حدودها، وجهول لأنه
يتعدى تلك الحدود لجهله بها. وهنا يتضح
لنا سبب اختيار الله -عز وجل- للإنسان
لمسؤولية الاستخلاف. فالعقل والتفكير
مناط التكليف؛ لذا اشترط التكليف
بالعقل، فإن انعدم العقل سقط التكليف.
3
- عبادة الله سبحانه وتعالى هي المهمة
العليا لهذا الإنسان، وقد بيَّن هذا
قوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ
والإِنْسَ إلاَّ ليَعْبُدُون". فالإنسان
خُلِق لعبادة الله وحده، ولتحقيق
أمانة الاستخلاف وعمارة الأرض.
4
- أنَّه مسيَّر ومخيَّر ومميز؛ أي لديه
القدرة على التمييز بين الخير والشر،
فالنفس البشرية كما تعرف الله بالفطرة،
فهي تعرف الخير والشر بالفطرة.. مصداقًا
لقوله تعالى: "وَنفْسٍ وَمَا
سَوَّاهَا * فألْهَمَهَا فُجُورَهَا
وَتَقْوَاها" (الشمس : 8،9)، ويقول
تعالى: "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن".
وهنا يأتي الاختيار، فما دام الإنسان
قادرًا على التمييز بين الخير والشر،
فهو حر الاختيار؛ إذ بيَّن الله جلَّ
شأنه له الخير والشر، وطريق كل منهما،
وله أن يختار أيهما يسلك، ثُمَّ يتحمَّل
مسؤولية اختياره فيُثاب ويُجازى خيرًا
على الخير، ويُعاقب في الدنيا والآخرة
إن سلك طريق الجريمة والشر.
5
- أنَّ الإنسان مسؤول عن اختياره؛
ليُثاب إن أحسن، ويُعاقب ويُجازى إن
أخطأ، والرجل والمرأة متساويان في
الجزاء والثواب، كما هما متساويان في
الإنسانية وفي تحمل أمانة الاستخلاف،
وفي القصاص والحدود والعقوبات، يوضِّح
هذا قوله تعالى: "مَنْ عَمِلَ
صَالِحًا مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا
يَعْمَلُون".
6
- الإنسان في الإسلام مادة وروح معًا،
فهو قبضة من طين ونفخة من روح الله، يقول
تعالى: "إِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ
بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (ص: 71
- 72). وقد وازن الإسلام بين الروح والجسد،
فلم يبخس للجسد حقًّا ليوفي حقوق الروح
فيحرم المباح، ولم يبخس للروح حقًّا
ليوفي حقوق الجسد فيبيح المحرمات،
ويتضح هذا التوازن في قوله تعالى: "وَابْتَغِ
فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ
الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا" (القصص: 77)، هذا
التوازن عجزت عن تحقيقه سائر الأديان
والفلسفات.
كما
أنه حثَّ الإنسان على استخدام المنهج
العلمي باستخدام أدوات البحث العلمي في
قوله تعالى: "وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً".
فالمنهج العلمي أول ما جاء به الإسلام
وطبَّقه الحسن بن الهيثم -رحمه الله- في
بحوثه وكشوفه العلمية قبل فرانسيس
بيكون الذي نُسب إليه المنهج العلمي.
إنَّ
إنجازات المسلمين في كل العلوم لا
تُعَدُّ ولا تحصى.. وهذا يبين لكم أن
الإسلام هو الذي دفع بالمسلمين إلى كل
هذه الاكتشافات العلمية؛ لأن هؤلاء
العلماء أول شيء يتعلمونه هو العلوم
الدينية من حفظ القرآن الكريم، ودراسة
تفسيره، إلى حفظ الأحاديث النبوية،
ودراسة الأحكام الفقهية الشرعية، ثُمَّ
ينطلقون في دراساتهم للعلوم التي
يرغبون في دراستها، ومعهم الذخيرة
النفيسة من العلم التي ترشدهم وتلهمهم
وتؤهلهم لطرق كل العلوم، والنبوغ فيها.
فالعالم لم يعرف الحضارة العلمية إلاَّ
عن طريق الإسلام الذي دفع بالمسلمين إلى
ذلك؛ فالعلوم
الدينية تخرج العلماء والمفكرين
والمخترعين لمن يدرسها حق دراستها، ولا
تُفرِّخ الإرهاب، كما تزعم الحملة على
الإرهاب التي وصفها بيانكم بأنَّها حرب
أخلاقية!!
7
- أنَّ الحياة الدنيا دار امتحان
وابتلاء، يمر بها الإنسان ليصل إلى
الآخرة، وأنَّ الحياة الآخرة هي الحياة
الدائمة لا موت فيها، ولقد وصف الحياة
الدنيا: بأنّها حياة لهو ومملوءة
بالزينة والزخرف والشهوات، قال سبحانه:
"اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ
فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ
نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ
مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا
وَفِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ
مَتَاعُ الْغُرُورِ" (الحديد: 20).
8
- الإيمان أنَّ الكون ميدان للنشاط
الإنساني؛ إذ يستخدم فيه الإنسان
طاقاته وإمكاناته ويسخره لمنفعته،
وأنَّ إرادة الله وراء ما يحدث في هذا
الكون، وأن الكون مسير ومدبر دائمًا
بقدرة الله -عز وجل-، يقول تعالى: "ومِنْ
آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّمَاءُ
والأرْضُ بِأمْرِهِ".
القيم
الأمريكية التي تدافعون عنها
في
البداية، أنتم -أيها الأمريكان- تنظرون
إلى الاستهلاكية كطريقة حياة، وتصورون
الحرية على أنَّها تعني عدم وجود قيود،
وللأسف فإن وسائل هائلة للتسلية
والإعلام تعظِّم هذه القيم، وتنشرها
بدون توقف في جميع أنحاء العالم، سواء
لقيت هذه القيم الترحيب أم لا.
بل
الأكثر من هذا، أن يقوم الممولون
الأجانب للجمعيات الخيرية النسائية ذات
التوجه العلماني بدفع القيادات
النسائية في هذه الجمعيات للمطالَبة
بالخروج عن ثوابت الإسلام في العلاقات
الأسرية: كإلغاء قوامة الرجل، وإلغاء
العدة والاكتفاء بالكشف الطبي، وإلغاء
حد الزنى، وعدم تطليق الزوج لزوجته عند
اكتشافها غير بكر، وغير ذلك من الأمور
التي تشيع الفاحشة في المجتمعات، وتدعو
إلى الانفلات الجنسي.
وإن
كان من مبادئكم الخمسة التي تدافعون
عنها -حرية الاعتقاد والحرية الدينية-
من الحقوق غير القابلة للانتقاص من جميع
البشر، فمن باب أولى أن يعطى لهذا
الإنسان الحرية في العمل الذي يمتهنه
ويحترفه.. ولكن ما رأيكم في أنَّ منظمة
العمل الدولية رفضت إقرار نظام العمل في
مصر، الذي رفضت فيه النساء العمل في
المحاجر والمناجم وفي الأعمال الليلية،
مبينات أسباب رفضهن هذه الأعمال
بأنَّها تعرضهن للتحرش الجنسي، وأنَّ
أسرهن في أمس الحاجة إليهن في تلك
الأوقات.
أما
الإسلام، فقد نظَّم العلاقات الأسرية،
وجعل الزوجية تقوم على أركان ثلاثة هي:
السكن، والمودة، والرحمة. وجعل للزوجة
مثل ما للزوج من حقوق؛ وما عليهما من
واجبات تجاه الآخر. وألزم الرجل بالنفقة
على زوجته ولو كانت غنية، ومقابل ذلك
جعل له القوامة، وهي تكليف عليه
مسؤوليات وتبعات والتزامات، ومن
مسؤوليات القوامة تحقيق الأمن والأمان،
وتقديم النصح والإرشاد، فهي
لا تعني الاسترقاق والاستعباد، كما
فهمها البعض.
نحن
نرى أن هناك انتقاصًا من العالم الغربي
لمعتقدي الديانة الإسلامية، فدماؤنا
تُهدر ولا يحق لنا أن نقول "لا "
لمغتصبينا، بل لا يحق لنا أن ندافع عن
أراضينا التي اغتُصبت.
هل
تروْن أنَّ المبدأ الأول الذي أعلنتموه
في بيانكم، وجميع القيم التي أعلنتموها
تطبق على جميع الناس دون تمييز؟ أم أنَّ
المسلمين بصورة خاصة مستثنون؟ فهم
محرومون منها، بدليل أنَّ العقوبات
الدولية مطبقة فقط على الدول العربية
والإسلامية، مثل: العراق، وليبيا،
والسودان؟ وهل مؤسسو الولايات المتحدة
التزموا بمبدأ احترام حقوق جميع البشر
في الحرية والمساواة عندما اختطفوا
الرجال والنساء من الإخوة الأفارقة،
واستخدموهم كعبيد أرقاء وأذلوهم
الإذلال كله حتى قامت في الجنوب ثورة
الزنوج؟
ولقد
جاء من ضمن مبادئكم الخمسة قولكم: "إنَّ
القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله،
وهو أعظم غدر لشمولية معنى الإيمان لدى
البشر"، ونقول لكم: هناك فرق كبير بين
قتل النفس بغير حق، وقتال عدو يقاتلك
وهو مغتصب لأرضك أو يريد اغتصابها منك،
وعليك أن تدافع عن نفسك، فقتل النفس
بغير حق محرم في كل الأديان، وقد حرَّم
الله قتل النفس بغير حق، يقول تعالى: "وَلا
تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ
اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ" (الأنعام:
151).
وما
يقوم به الفلسطينيون اليوم من مقاومة
للاعتداء الصهيوني هو جهاد في سبيل
الله، وليس إرهابًا كما تصفه الإدارة
الأمريكية والدولة الصهيونية.
إنَّ
القتال في الإسلام يقوم على أسس أخلاقية
عادلة.. فلا يأخذ العدو على غرة؛ ونهى عن
قتل النساء، والأطفال، والشيوخ،
والمدنيين. فلقد أوصى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- جيشه في غزوة مؤتة، وهو
يتأهب للرحيل: (لا تقتلنَّ امرأة، ولا
صغيرًا ضرعًا -أي ضعيفًا-، ولا كبيرًا
فانيًا، ولا تحرقنَّ نخلاً، ولا
تقلعنَّ شجرًا، ولا تهدموا بيتًا).
ويرتفع
الإسلام بالمسلم إلى ذروة الإنسانية،
حين يأمره بأن يعمل على توفير الأمن
للمشرك الخائف، وحمايته، وإيصاله إلى
بلده ومأمنه. هذه أحكام الإسلام في
القتال، وهي أحكام -كما ترون- أخلاقية
عادلة، ولا توجد أية شريعة تضاهيها
خلقًا وعدالة، ومع هذا نجد هناك محاولات
من الغرب إسقاط الجهاد وإلغاؤه ووصفه
بالإرهاب، وإلغاء حق المقاومة المشروع؛
ليعم قانون الغاب.
في
حين يسكت العالم بأسره عن جرائم اليهود
في فلسطين، أتعلمون ما هي أخلاقيات
الحرب لدى اليهود وفق التوراة التي
حرَّفوها وفق أهوائهم؟ إنَّ فكرة
الحروب عند اليهود فكرة أساسية تعبِّر
عن علاقتهم بغيرهم من الأمم، وهم
يعتقدون أنَّهم أرقى الشعوب: (أنتم
أولاد الرب إلهكم؛ لأنَّكم شعبٌ مقدس
للرب إلهك، وقد اختارك الرب لكي تكون له
شعبًا خاصًّا فوق جميع الشعوب على جميع
الأرض) "سفر التثنية :14"
فالحرب
على الجهاد في الإسلام تستهدف قتل روح
الجهاد لدى المسلمين؛ ليحقق اليهود
الصهاينة مخططهم في تكوين دولة إسرائيل
الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات،
ومن لبنان إلى الجزيرة العربية،
تمهيدًا لتحقيق سيطرتها على العالم.
أحداث
سبتمبر.. وإعلان الحرب على كل ما هو
إسلامي
لقد
سلَّمتم بأن هذه الأحداث قد دبَّرها
ونفذها تنظيم القاعدة، رغم أنه إلى
الآن لم توجد أدلة أكيدة تدينهم.. وأشرطة
الفيديو -التي عُرِضت لقائد التنظيم
وبعض أعضائه- أشرطة مزوَّرة، كما جاء في
البيان الذي أعلنه الخبير الفني فؤاد
علاَّم في القاهرة الذي أخضع تلك
الأشرطة للتحليل المخبري الفني.
هذا
-وكما يبدو- فقد استخدمت وسائل التقنية
الحديثة، كاستخدام بصمات الصوت في عمل
هذه الأشرطة. وقد ألصقت تهمة هذه
الأحداث بهذا التنظيم في الساعات
الأولى من حدوث الحادث من قبل القيام
بأية تحقيقات.
إنَّ
الإدارة الأمريكية أعطت لهذا التنظيم
حجمًا أكبر من حجمه بكثير. ونتيجة لهذا
الحادث، فقد تعرض الملايين من المسلمين
الذين يعيشون في أمريكا وأوروبا إبَّان
الأحداث إلى غضب العامة ومضايقتهم، بل
بعضهم تعرَّض للقتل.
إنَّ
أحداث الحادي عشر من سبتمبر متورطة فيها
المخابرات الأمريكية مع الموساد،
وألصقوها بتنظيم القاعدة لينفذوا
المخطط الذي وضع قبل أحداث سبتمبر،
وبالتحديد عام 1993م، أي منذ إعلان
بريماكوف وزير خارجية روسيا؛ إذ كشف
أحد المحللين السياسيين العرب أبعاد
المخطط الأمريكي للسيطرة على أفغانستان،
فقال: لقد أعلن "بريماكوف وزير خارجية
روسيا أنَّه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي
لا بد من إنشاء تحالف إستراتيجي بين
روسيا والصين والهند للقضاء على تغلغل
الولايات المتحدة في آسيا -وكلها دول
نووية- فرأت الإدارة الأمريكية أنَّه لا
بد من السيطرة على أفغانستان قلب هذا
المثلث هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى
فإنَّ الثروة النفطية التي ظهرت في بحر
قزوين وآسيا الوسطى وأفغانستان".
ما
يؤكد ذلك
أيضًا الآتي:
1
- عدم مساءلة وزير الدفاع الأمريكي
ورئيس المخابرات الأمريكية، ورئيس
الولايات المتحدة نفسه؛ إذ كيف يُضرب
مبنى وزارة الدفاع، وبعد ثلث ساعة من
ضرب البرجين، ولم تتخذ وزارة الدفاع أية
إجراءات دفاعية تجاه الطائرة المتجهة
إلى مبناها؟
2
- ما كشفه أحد المواقع الفرنسية في
الإنترنت عن تورط 120 إسرائيليًّا في
عملية تجسس على الولايات المتحدة
الأمريكية متخفين في هيئة رسَّامين
تشكيليين.
3
- عدم حضور أكثر من أربعة آلاف يهودي
يعملون في المركزين التجاريين يوم
الحادث.
4
- ما أعلنه أحد المسؤولين الأمريكان في
محاضرة حضرها ألف أمريكي أثبت فيها أن
الحادث مدبَّر، وأنَّ العرب والمسلمين
لا دخل لهم فيما حدث.
5
- ما أعلنته المخابرات الإيرانية من أن
بيانات شركات الطيران بأسماء ركاب
للطائرات المختطفة لم يكن بها أسماء
لركاب سعوديين. كما تبين من تقارير
خبراء الطيران، وأن الطيران في منطقة
ناطحات السحاب بصورة خاصة تحتاج إلى
مهارة خاصة في الطيران، لكثرة
التعريجات والمنحيات التي ينبغي على
الطائرة تلافيها.
6
- وجود في الطائرات المختطفة طيَّارين
أمريكيين ممن شاركوا في الحرب
الفيتنامية، حيث لم تُوجه إلى هؤلاء
تهمة التفجيرات؟
7
- اختفاء الصناديق السوداء للطائرات
المختطفة، أو القول بتلفها -بعدما أعلن
عن العثور عن بعض ما في تلك الصناديق- في
حين لم تتلف جوازات سفر السعوديين الذين
اتهموا بالتفجيرات، وكذلك لم تتلف
الأوراق المكتوب فيها بعض الأدعية.
8
- صدور -مؤخرًا- كتاب في فرنسا جاء فيه
أنَّ البرجين قد فُجِّرا "بالرموت
كنترول"، وأنَّ المتفجرات كانت
موجودة في أسفل البرجين؛ لأنَّه لو
تفجَّرت من أعلى لما تفجَّر الجزء
السفلي.
9
- وأمَّا الذين يتساءلون كيف تدمر
الولايات المتحدة الأمريكية أكبر
مركزين تجاريين لديها، وتقتل الآلاف،
وتضرب مبنى وزارة دفاعها؟ نقول هنا:
إنها ضحت بالقليل من أجل الكثير، فهي
تريد بترول الخليج وبحر قزوين، ومناطق
نفوذ في آسيا الوسطى، وإيجاد حكومات
عميلة لها ولإسرائيل في فلسطين
والعراق، وغيرهما من الدول العربية
المخطط ضربها، وفي سبيل القضاء على
الإسلام.
ندعوكم
إلى مراجعة ما جاء في بيانكم عن وصف حرب
الولايات المتحدة الأمريكية على
الإرهاب أنها حرب عادلة. فأين العدل في
هذه الحرب، وقد أعلنت على الشعب
الفلسطيني الأعزل وعلى ترويع الملايين
من المدنيين الأفغان؟ وهل مقاومة
الاحتلال، والجهاد في سبيل التحرر
يُعَدُّ إرهابًا؟
أما
الإسلام، فقد حفظ لأهل الذمة حقوق
المواطنة والجنسية، والذميون أولئك
الذين كانوا من سكان البلاد التي فتحها
المسلمون، وفضَّلوا البقاء فيها فدخلوا
في ذمة المسلمين، وقد حفظ الإسلام لهم
حريتهم في ممارسة عباداتهم وعقائدهم،
ولهم أن يتمتعوا بكل الحقوق في العلم،
والعمل، والتجارة، والكسب، والتنقل
مثلهم مثل المسلمين تمامًا.
أين
العدل في معاملة الأسرى.. فالمتهم
الأمريكي يحاكم محاكمة عادلة في
الولايات المتحدة الأمريكية بذات
التهمة المتهم فيها الأسرى المسلمون في
"جوانتنامو" الذين يعاملون معاملة
أدنى من معاملة الحيوانات؟
موقفنا
من سياسة الإدارة الأمريكية تجاه
إسرائيل
في
اليوم الذي أعلنت فيه قمة بيروت اعتماد
المبادرة السعودية للسلام، ردَّت
إسرائيل باجتياح أراضي السلطة
الفلسطينية ومحاصرة الشعب الفلسطيني
ورئيسه، وقتل الأبرياء من النساء،
والأطفال، والشيوخ، وهدم البيوت على
سكانها. ويعتبر الشعب الفلسطيني بأكمله
من المدنيين.. فهو شعب أعزل لا يملك
سلاحًا. ولكنكم للأسف الشديد، في
الوقت الذي تبيحون لدولتكم حربها ضد ما
أسمته إرهابًا، تُحرِّمون على الشعب
الفلسطيني حق الدفاع عن نفسه، وتصفون
جهاده ومقاومته بالإرهاب؟ إنَّ
اليهود في إسرائيل جاءوا من شتى بقاع
العالم، وهم يعلمون بأنَّ لا أرض لهم
ولا دار؛ ولذا فلا يوجد مدنيون يهود في
فلسطين، كلهم عسكريون -نساءً ورجالاً-
في ملابس مدنية.
إن
إسرائيل هي التي باتت القوة العظمى في
العالم.. فلم تعمل للولايات المتحدة،
ولا للمنظمات الدولية، ولا للاتحاد
الأوروبي أي حساب!!
ويرجع
هذه في رأيي إلى الأسباب التالية:
1
- سيطرة التراث اليهودي على العقلية
المسيحية.
2
- سيطرة اللوبي الصهيوني على اقتصاد
وإعلام الدول الغربية.
3
- الاعتقاد أنَّ إسرائيل تحمي مصالح
الغرب الأمريكي والأوروبي في منطقة
الشرق الأوسط، وهذا اعتقاد خاطئ.. فإسرائيل
هي التي تستخدم الولايات المتحدة،
والدول الأوروبية لخدمة مصالحها هي.
إنَّ
مبادئ الحرية، والعدل، والمساواة التي
تنادون بها لن تكون على أرض الواقع ما لم
تتحرروا من سيطرة الصهيونية، والتراث
الفكري اليهودي.
دعوة
البيان إلى فصل الدين عن الدولة
قلتم
في بيانكم أنَّكم دولة علمانية، وأشرتم
إلى مقولة "إبراهام لنكولن" الرئيس
العاشر للولايات المتحدة الأمريكية في
خطاب التنصيب الثاني عام 1865م "لله
شؤونه الخاصة"؛ ولعلكم تهدفون من هذه
الإشارة إلى إبعاد الدين الإسلامي عن
الحكم.
وكلنا
يدرك أن النظام العلماني جاء في الغرب
المسيحي كردة فعل لتسلط الكنيسة
ورجالها؛ وهذه مسألة خاصة بالديانة
المسيحية لا تنطبق على الإسلام، زيادة
إلى أن الديانة المسيحية ديانة عبادية،
تقتصر تشريعاتها على تنظيم علاقة
الإنسان بربه، وليست بشمولية الإسلام.
والغرب
يوجِّه انتقادًا إلى الحكومات
الإسلامية بأنها حكومات غير ديمقراطية،
ألا تعرفون بأن الإسلام هو أول من نادى
بالديمقراطية وطبَّقها في الحكم؟ سأوضِّحُ
لكم هذا من خلال توضيح الأسس التي يقوم
عليها الحكم في الإسلام:
1
- الحرية: ولقد حرَّر الإسلام الإنسانية
من كل ألوان العبودية للخلق عندما أعلن
أن الله تعالى هو المعبود الوحيد ولا
معبود سواه.
2
- الشورى: وهي من الدعائم الأساسية التي
يرتكز عليها نظام الحكم في الإسلام، وقد
أوجب الشورى على أولي الأمر.
3
- البيعة: وهي من الأسس الأولية في نظام
الحكم في الإسلام. كما أعطى للمرأة حق
البيعة وخصَّها بالبيعة تأكيدًا على
إعطائها هذا الحق الأساسي.
4
- العدل: هو هدف وغاية الحكم الإسلامي،
يقول تعالى: "وَإِنْ حَكَمْتَ
فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِالقِسْطِ إِنَّ
اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِين" (المائدة
: 42). ومن أعظم فضائل الإسلام أنه أوجب
العدل مع الأعداء.
5
- المساواة: نحن إذا نظرنا إلى ما شرَّعه
الإسلام من مبدأ المساواة، رأينا أنَّه
لم يصل أي تشريع سماوي أو وضعي في مبلغ
الحرص على مبدأ المساواة إلى ما وصل
إليه الإسلام. فقد قرر الإسلام مساواة
الناس أمام القانون، ومساواتهم في
الحقوق العامة المدنية والسياسية
والاجتماعية، فلا فضل لعربي على عجمي،
ولا أبيض على أسود، ولا لغني على فقير،
ولا لوجيه على صعلوك.
6
- الحرص على العمران وعدم الفساد: لقد
نهى الله المسلمين -إذا تولوا الحكم- عن
الفساد في الأرض. هذا والمتتبع لغزوات
الرسول -صلى الله عيه وسلم-، ثُمَّ
للفتوحات الإسلامية لم يجد فيها
تدميرًا أو تخريبًا للبلاد المفتوحة،
كما رأينا من قبل في جيوش الأمم الأخرى
كاجتياح الجماعات الجرمانية في أوروبا،
والقوط في الأندلس، والتتار في المشرق
الإسلامي.
7
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا
من الأسس والركائز الأساسية في الحكم،
يقول تعالى: "وَلْتَكُن مِّنْكُمْ
أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق
للرجل والمرأة معًا.
ولا
ننسى اعتراف الحاخام اليهودي "ديفيد
وايس" الناطق الرسمي لحركة "ناطوري
كارتا" أن الدول الإسلامية أحسنت
استضافة اليهود. وتصريح البابا "شنودة"
أنه يفضل العيش في كنف الحكومة المسلمة
في مصر على أن يكون تحت رعاية دولة
مسيحية في مصر.
فما
الذي يضير من تطبيق الحكم الإسلامي الذي
يحفظ حقوق كافة البشر؟ هذا النظام الذي
وضعه الخالق، وهو أعلم بما يصلح لهم،
فهو أدرى بشؤون خلقه، وبما يصلح لهم.
الخاتمة
وكما
ترون فنحن أمة تدعو إلى الخير، والبر،
والإحسان، والتسامح، وديننا دين سماوي
حضاري يدعو إلى الحرية، والعدل،
والمساواة، وينبذ التمييز العنصري،
ويحترم الحرية الدينية للآخرين، ونحن
أمة تحترم الأديان السماوية وأنبياءها
وكتبها، ولم ينل مسلم من أي نبي من
الأنبياء فإيماننا لا يكمل إلاَّ
بالإيمان بالله سبحانه وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره،
في حين نجد كثيرًا من المستشرقين يهود
ومسيحيين قد نالوا من نبي الإسلام محمد -صلى
الله عليه وسلم- ووصفوه بما لا يليق،
وقالوا عنه إنه كاهن وساحر، ومجنون،
وقاطع طريق، وغير ذلك من الصفات، بينما
نحن ننزِّه أنبياء الله ورسله بمن فيهم
النبي موسى -عليه السلام-، والنبي عيسى -عليه
السلام- مما وصفهم به اليهود في التوراة
المحرفة بما لا يليق بهم.
ونحن
هنا نتساءل:
لماذا
نُحارب؟ لماذا نُقتَل؟ لماذا أصبح
قانون الغاب هو السائد في العالم في
القرن الحادي والعشرين، وكأنَّنا في
بدء الخليقة؟ لماذا أصبح القوي يأكل
الضعيف ويذله ويمتهنه، ويفرض هيمنته
عليه بالقوة العسكرية أو بالتهديد بها؟
لماذا أصبح المجتمع الدولي ينصر الظالم
على المظلوم؟ ينصر الغاصب المحتل على
المسلوب أرضه وكرامته؟ لماذا أصبح
الضعيف محرومًا من حق الدفاع عن نفسه،
عن بلده عن أرضه ووطنه؟ وإن فعل بات
مجرمًا إرهابيًّا يُقتل، أو يُحاكم
ويُسجن، أو يُبعد ويُطرد من بلده؟ لماذا
كل هذه الحرب على الإسلام، وهو دين
سماوي منزل من ربِّ الكون وخالقه، وهو
دين شامل وكامل يهدف خير البشرية، وأنزل
للناس كافة رحمة للعالمين، وفيه حل لكل
ما تعانيه البشرية من تيه وشتات وخوف
وقلق وطمع وجشع، وقتل وسفك دماء،
واغتصاب للأعراض، وانتهاك للحرمات،
وتدمير للعمران، وتشريد للنساء والشيوخ
والأطفال، ومن سيطرة المادة على كل
ألوان الحياة، والمبدأ الميكافلي "الغاية
تبرر الوسيلة"؟
لماذا
أصبح الإنسان المسلم منا الملتزم
بالإسلام خلقاً وعملاً يُعَدُّ
إرهابيًّا؟ ولكي ينفي عن نفسه تهمة
الإرهاب يعلن أنه ليبرالي، أو علماني أو
شيوعي...إلخ، المهم ألاَّ يكون
إسلاميًّا؟
لماذا
باتت كل الأبواب في عالمنا الإسلامي
تُفتح للعلمانيين وتُغلق أمام
الإسلاميين؟
وأخيراً..
لِمَ
لا يدعنا الآخر نعيش في أمن وأمان
واطمئنان نعبد الله -عز وجل- الواحد
الأحد، ونحكم في بلادنا بما أنزل الله
تعالى، ونعمِّر هذا الكون، ونبني
ونشيد؛ لنؤدي رسالتنا في هذه الحياة؟
ليتكم
تجيبون عن هذه التساؤلات.
*
أديبة
وكاتبة ومفكرة وناقدة سعودية .
|