 |
|
حركات السلام الأمريكية ودورها في المظاهرة |
هناك
دلالات عديدة لمظاهرة العشرين من أبريل
2002م التي وصفها المحللون بأنها أكبر
مظاهرة تأييد للشعب الفلسطيني في تاريخ
الولايات المتحدة، وسوف نحاول في هذه
المقالة تلخيص بعض هذه الدلالات، خاصة
فيما يتعلق بدور المسلمين الأمريكيين
في مساندة القضية الفلسطينية داخل
الولايات المتحدة.
أولاً:
الدلالات التي رأيناها ظاهرة في مظاهرة
العشرين من أبريل هي كون القضية
الفلسطينية المحرك الأول لجموع
المسلمين والعرب في أمريكا.
فما رأيناه يوم السبت 20-4-2002م، يوضِّح أن
فلسطين وحدها هي القادرة على تجميع
المسلمين والعرب في أمريكا وعلى
تحريكهم عاطفيًّا وماديًّا، وعلى تحويل
قوتهم العددية إلى فعل مادي محسوس.
ولا
يعني هذا أن فلسطين هي القضية الوحيدة
الموجودة على أجندة مسلمي أمريكا
السياسية. فقد احتج المتظاهرون يوم
العشرين من أبريل على السياسة
الأمريكية تجاه العراق وكشمير، وتجاه
حقوق وحريات المسلمين والعرب في
أمريكا، وتجاه قضايا المسلمين والعرب
في الدوائر الإعلامية والسياسية.
تحريك
الجماهير المسلمة في أمريكا
ولكن
المثير هو أن القيادات المسلمة
والعربية الأمريكية أنفقت وقتًا ليس
قصيرًا في الشهور الماضية ـ تفكِّر في
كيفية تحريك الجماهير المسلمة والعربية
في حدث ضخم سلمي إعلامي وجماهيري وسياسي
ضخم يشغل العاصمة الأمريكية واشنطن.
واستطاعت
القضية الفلسطينية تجميع ليس فقط
المسلمين والعرب الأمريكيين، وإنما
أيضًا الأمريكيين البيض والسود أنفسهم
بعشرات الآلاف، وكل هذا حدث
تلقائيًّا وعفويًّا، الأمر الذي أدهش
منظمي مظاهرة العشرين من أبريل.
ثاني
الدلالات هو دور الأمريكيين أنفسهم في
مظاهرة السبت 20-4:
وهو دور كبير ليس فقط لمشاركة آلاف
الأمريكيين في المظاهرة؛ ولكن أيضًا
لأن منظمي المظاهرة هم بالأساس مجموعات
ومنظمات أمريكية تتشكل من تحالف يضم
أكثر من 300 منظمة أمريكية غير مسلمة وغير
عربية. وقد رأيت بعض الأمريكيين الذين
شاركوا في هذه المظاهرة يجوبون شوارع
واشنطن ليلاً -وبعد انتهاء المظاهرة
ورحيل الجموع المسلمة والعربية- حاملين
الأعلام الفلسطينية.
حركات
السلام الأمريكية
فعدد
كبير من المنظمات الأمريكية غير
المسلمة وغير العربية -التي شاركت في
مؤتمر الأمس- تعتبر جزءاً مما يسمى
بحركات السلام الأمريكية، وهي نفسها
تُعَدّ جزءاً مما يسمى بحركات الحقوق
المدنية، والحركات المناهضة للحرب،
والحركات المناهضة لسيطرة الدول الغنية
على الدول الفقيرة، والحركات المناهضة
لانتشار أسلحة التدمير الشامل. بمعنى
آخر، هي حركات مناهضة لكل المكونات
السلبية لنظام الرأسمالية الغربية،
خاصة فيما يتعلق بهيمنة الغرب على
الشعوب الفقيرة.
فأبناء
هذه الحركات يشعرون بالظلم الواقع على
أبناء الشعوب الفقيرة، ويبذلون أقصى
جهودهم لتوعية الشعب الأمريكي بمعاناة
هذه الشعوب وبمعاناة الأقليات التي
تتعرض للتمييز.
ولو
أتيحت لك الفرصة لمصادقة بعض المشاركين
في هذه الجماعات لوجدتهم من أكثر الناس
انفتاحًا على الآخر، ورغبة في تفهمك،
وشعورًا بهمك، وخوفًا على التمييز ضدك
وجرح مشاعرك بسبب اختلاف اللغة أو
الثقافة أو الدين.
بلغة
أخرى، أبناء هذه الحركات هم دبلوماسيون
على أعلى مستوى؛ ولكنهم دبلوماسيون
فقراء يرفضون عمدًا القوة الاقتصادية
والسياسية -كنوع من الاحتجاج- على ما
قادت إليه هذه القوى في صورتها
الرأسمالية السلبية من ظلم وقسوة في حق
الفقراء والمستضعفين.
ومن
خصائص أبناء هذه الجماعات، الحزن
والقلق النفسي الدفين الذي يحملونه
معهم أينما ساروا. فهم عبارة عن جماعات
رفض لواقع المجتمعات الغربية الأخلاقي
الفاسد، فهم يشعرون بالأسى ليس فقط
لأبناء الجماعات المستضعفة والمظلومة،
ولكن أيضًا لأسرهم الممزقة، ولأحلامهم
وأجسادهم المنتهكة المظلومة التي لا
تجد مرسى ولا نهاية لعذابها.
حلم
تحقق بعد 20 عامًا
ولمعاناة
أبناء هذه الجماعات، لا يقبل على
عضويتها أعداد كبيرة من الأمريكيين.
فالأمريكيون بطبيعتهم يخشون الألم
ويبحثون عن اللذة، ولكن هذه الجماعات
رغم قلة عضويتها تتميز باحترام وتقدير
فئات واسعة داخل المجتمع الأمريكي. فهي
تكاد تكون ضمير الأمة الأمريكية الحي
والذي يتألم ويعاني العذاب -وفقًا لبعض
فلسفات الفكر الغربي- ليكفر عن سيئات
بقية أبناء المجتمع، ويحقق لهم الخلاص
الأبدي الذي يبتغونه، ولا يطيقون مشقة
السعي إليه.
وجود
مثل هذه الجماعات في الولايات المتحدة
والمجتمعات الغربية يعطي لنا مؤشرًا
على وجود فرصة كبيرة للتقريب بين
الحضارتين الغربية والإسلامية.
وقد أثبتت مظاهرة العشرين من أبريل أن
هذا التقريب هو حقيقة واقعة؛ وأتذكر قول
أحد قادة هذه الجماعات –خلال المؤتمر
الصحفي الذي عقد يوم الخميس الموافق
التاسع عشر من أبريل للإعلان عن
المظاهرة- حين ذكر أن هذا التحالف من
المنظمات المنظمة لمظاهرة العشرين من
أبريل فكَّر منذ عشرين سنة –وتحديدًا
حين توغلت القوات الإسرائيلية في لبنان-
في أن ينظم مظاهرة مشابهة لمظاهرة اليوم
للاحتجاج على التصرفات الإسرائيلية،
ولكنه وفقًا لقوله في ذلك الوقت، خشيت
هذه الجماعات من تهميش دور المنظمات
الموالية لإسرائيل داخلها في الوقت
الذي لم تجد فيه منظمات مسلمة وعربية
مساندة لها.
بمعنى
آخر، إن وصول المسلمين والعرب لهذه
الجماعات تأخر حوالي عشرين عامًا. كما
أنه يعني أن المنظمات الموالية
لإسرائيل عزلت نفسها عن إحساس وحركة
الجماهير الأمريكية والمواطن الأمريكي
العادي؛ حتى أصبحت تُرى يومًا بعد يوم
كجزء من تركيبة القوة السياسية
والإعلامية والاقتصادية في أمريكا،
وبعيدة كل البُعْد عن تركيبة البنية
الشعبية والسياسية والإعلامية
والاقتصادية التي لولاها لما سارت عجلة
الإنتاج والقوة في الولايات المتحدة.
هذا
يعني أن المسلمين والعرب في أمريكا
لديهم فرصة كبيرة للوصول إلى الشعب
الأمريكي ذاته. وأعتقد أيضًا أن هذه
الفرصة كانت سانحة منذ سنوات -وربما
عقود طويلة- ولكننا لم نستثمرها. وقد
كرر قادة المنظمات المسلمة والعربية
الأمريكية المقولة السابقة وأكدوها في
كل مناسبة. فليس من الصعب على أي نشط
مسلم أو عربي -مقيم في أية مدينة من
المدن الأمريكية بما في ذلك العاصمة
الأمريكية واشنطن- أن يدرك أن جميع
أبواب المؤسسات الإعلامية والسياسية
والدينية والجماهيرية الكبرى مفتوحة
أمامه، بما في ذلك الكونجرس الأمريكي
ذاته.
والمشكلة
بالأساس تكمن -من وجهة نظري- في عقلية
المسلمين والعرب أنفسهم الذين ينظرون
إلى كل النظم والتجارب السياسية بنفس
العقلية، التي كوَّنوها بسبب نشأتهم في
بعض البلدان التي لا تشجع المشاركة
السياسية؛ إذ يميل العرب والمسلمون -دون
قصد- إلى رؤية جميع الأنظمة السياسية
على أنها أنظمة مغلقة، مستحيل الوصول
إليها، ومحاطة بسياج أمني وسياسي قوي
يستحيل التوغل فيه بأي طريقة إلا بإرادة
القائمين عليه.
وبسبب
هذه المعتقدات قرر غالبية المسلمين
والعرب عدم خوض تجربة التأثير على
المواطن الأمريكي قبل بدايتها أساسًا.
ويفضلون اتباع مذهبهم السياسي المفضل
الذي نشئوا وتدربوا عليه خارج أمريكا؛ وهو
مبدأ النقد من أجل النقد الذي لا يقود
إلى فعل؛ وإنما إلى السخرية من كل شيء،
وحتى من النفس ذاتها.
المسلمون
"الإلكترونيون" يكتسحون
وأحب
هنا أن أشير إلى الدور النشط الذي يقوم
به بعض النشطاء المسلمين على شبكات
الإنترنت، والذين نجحوا إلى حد كبير في
استخدام الإنترنت كوسيلة اتصال
بنظرائهم في المجتمع. ويومًا بعد يوم،
يثبت نجاح هؤلاء النشطاء في الوصول إلى
قطاعات واسعة داخل المجتمع الأمريكي.
النقطة
الأخرى -التي أحب الإشارة إليها هنا- هو
دور القيادات المسلمة الأمريكية في
قيادة هذه الحركة وتوجيهها في اتجاهها
الصحيح.
فقد وجَّه أحد القادة المسلمين
الأمريكيين انتباهي إلى حقيقة أن بعض
حركات السلام الأمريكية -مثل الحركات
التي شاركت في مظاهرة العشرين من أبريل-
انتهجت منهجًا انعزاليًّا رافضًا العمل
على التغيير السياسي بالضغط على قمة
النظام السياسي الأمريكي، مكتفين
بالعمل معًا والتأثير على القاعدة
الجماهيرية الأمريكية.
وقد
وجَّه هذا القائد نظري إلى ذكاء
المنظمات المسلمة الأمريكية ووعيها
السياسي، فهي ترفض تصنيفها كجماعات
جماهيرية فقط أو سياسية نخبوية فقط؛ فهي
تريد العمل على المستويين معها. ودلالات
هذا المنهج هامة وعظيمة؛ لأنها
تعني أن هذه القيادات تحاول التحلي
بأكبر قدر من الحكمة السياسية الذي
يسعدها للوصول إلى قمة الهرم السياسي
الأمريكي دون الانعزال عن قاعدته.
ومن
دلالات هذه المنهج أيضًا، أن قيادات
المسلمين الأمريكيين راغبة في العمل مع
النظام السياسي الأمريكي، وأنها تؤمن
بوجود فرص لها للعمل مع هذا النظام؛ وأن
هذا النظام لديه من العدالة والحرية ما
يسمح لها بالمشاركة فيها والتسلق إلى
أعلى قمته.
كفانا
منظمات شعبية
إضافة
إلى ذلك في تصوري، أن قيادات المنظمات
المسلمة الأمريكية السياسية تتمتع بقدر
كبير من الحنكة السياسية التي تميزها عن
غيرها من المنظمات التعبوية الشعبية
المسلمة الأمريكية؛ والتي تنتمي إليها
غالبية المنظمات المسلمة الأمريكية،
التي نشأت بالأساس لرعاية شؤون
المسلمين الأمريكيين التعليمية
والتربوية والاجتماعية.
وقد
تولت المنظمات التعبوية الشعبية مهمة
قيادة المسلمين الأمريكيين حتى على
الساحة السياسية لفترة طويلة. وأعتقد
أنه حان الوقت لأن تفسح تلك المنظمات
الطريق أمام المنظمات السياسية لقيادة
حركة مسلمي أمريكا السياسية؛ لأن
المنظمات التعبوية التقليدية لا تمارس
العمل السياسي ولا تفهمه على حقيقته.
فهي لا تنفق مواردها بصفة يومية للعمل
مع الكونجرس والدوائر السياسية، مثلما
تفعل المنظمات السياسية الأخرى، وهي لا
تزود فرق عملها بخبراء في الإعلام
والعمل السياسي بصفة مستمرة كما تفعل
المنظمات السياسية.
وتنحصر
المنظمات السياسية المسلمة الأمريكية
بالأساس في أربعة منظمات كبرى؛ وهي مجلس
العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير)،
ومجلس الشؤون العامة الإسلامية (MPAC)،
والاتحاد الإسلامي الأمريكي (AMA)،
والمجلس الإسلامي الأمريكي (AMC).
توعية
المسلمين خارج أمريكا
المسألة
الثانية -التي أعتقد أنه يتحتم على
القيادات المسلمة الأمريكية العمل فيها
في المستقبل القريب- هي توعية
المسلمين والعرب في خارج أمريكا
بأساليب الحوار مع الغرب والولايات
المتحدة. فالواضح أن هناك سوء فهم
كبير لأساليب التأثير على الموطن
الأمريكي؛ يتضح لي كل يوم من خلال
متابعتي اليومية لما يُنشر عن أمريكا من
أخبار وتحليلات في الصحافة العربية.
والواضح
من هذه الأخبار والتحليلات، أن
الجماهير المسلمة والعربية لا تحصل على
أية تدريب حقيقي في مجال فهم عقلية
المواطن الغربي والتأثير عليه.
ومن أوضح أمثلة سوء الفهم هذا، بعض
المقالات العاطفية الجياشة التي تنشرها
العديد من وسائل الإعلام العربية،
والتي إذا قرأتها لا تجد إلا سبابًا في
النهاية، وسخرية من الذات، ويأسًا في
العمل.
وأعتقد
أنه يتحتم على القيادات المسلمة
الأمريكية -الناجحة في مجال العمل
السياسي- أن توجه جزءاً ولو قليلا من
طاقتها في توعية القارئ المسلم والعربي
بديناميكيات التفاعل الإيجابي بينهم
وبين نظرائهم الأمريكيين. وللأسف، ما
زالت جهود المنظمات المسلمة الأمريكية
السياسية محدودة -وربما منعزلة في هذا
المجال- لضعف مواردها، وحداثة عهدها،
وانشغالها بتوعية مسلمي وعرب أمريكا،
وزيادة معرفتها بأساليب العمل السياسي.
وأخيراً..
تعتبر مظاهرة السبت الماضي نجاحًا
كبيرًا؛ إذ اعتبرها البعض نهاية لصمت
المواطن الأمريكي على الظلم الذي يتعرض
له الشعب الفلسطيني.
اقرأ
أيضًا:
|