English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


المقاومة نجحت.. رسائل الجماهير خطيرة.. الظهير العربي الرسمي غائب

حركة التحرر الوطني الفلسطيني وآفاق المستقبل*

19/04/2002

أ.د. أحمد يوسف أحمد**

أ.د. أحمد يوسف: رغم كل المحن الموقف يتطور للأفضل

بداية أود أن أشير إلى من يقولون: كفانا كلاما، وماذا تجدي الكلمات في ظل هذه الظروف الصعبة، إنهم إن كانوا يقصدون معنى حقيقيا هو أن الكلمة إذا قورنت بكل التضحيات التي تقدم بشكل أسطوري على الأراضي الفلسطينية فإن قيمة الكلمة تتضاءل مقارنة بهذه التضحيات، ولكن إذا كان البعض يتصور أن الكلمة لا قيمة لها على الإطلاق فهو مخطئ.

فما يحدث على أرض فلسطين اليوم من قوة همجية وقسوة وحشية وصمود أسطوري، هذا شيء ليس بالجديد على حركات التحرر الوطني، وتستطيع الكلمة أن تقول بصورة بسيطة: إن النصر دائما كان من نصيب الشعوب؛ لأن حركات التحرر دائما استطاعت أن تطور، وأن تبدع في أساليب الدفاع والتحرر ما يُعوِّض الفارق الهائل والمذهل في كثير من الأحيان من هذه القوة بالمعنى المادي بينها وبين المستعمر.

الكلمة أيضا بالمعنى العام سوف نحتاجها بعد أن يكلل الصمود الفلسطيني بالنصر إن شاء الله، وعندئذ سنبدأ في أخطر المراحل، حيث تغيم الرؤى وتطرح مشاريع التسوية الشوهاء ويقول بعضنا هذا جيد، ويقول البعض الآخر هذا أفضل، أو هذا كافٍ، أو هذا خيانة، هنا نحتاج إلى الكلمة لكي نحلل وندقق ونقوِّم.

شيء آخر أود أن أشير إليه وهو أنه تشيع في بعض الكتابات عبارة "نكبة 2002"، ويتحدث البعض عما يحدث في فلسطين وكأنه نكبة مثل نكبتي 48 و1967م، ولكنني أتحفظ على ذلك؛ لأن ما يحدث الآن ليس بنكبة ففي هذه الظروف قد نخسر هذه المعركة، ولكن ما حدث حتى الآن- في تقديري- فيه ما فيه من الإيجابيات، وهذا الصمود الأسطوري لمخيم جنين ونابلس القديمة وغيرهما من مواقع الصمود الفلسطيني له معنى ومعنى علمي وموضوعي، وبالتالي أن نختزل ما حدث من مقاومة أسطورية في كلمة "نكبة"، أعتقد أن ذلك خطأ علمي؛ ولذلك –وبالمعنى الإستراتيجي- أرى أن الأمور تتقدم.

وهنا أريد أن أفرق بين الكآبة التي تحيط بنا من جراء ما نراه من دماء زكية تسيل، ومن شهداء يتساقطون دفاعا عن وطنهم وعن أمتهم، ومن هموم ثقيلة تجثم على صدورنا بسبب هذه الأحداث، وتصل بأعقل العقلاء فينا إلى حافة الانهيار العصبي في بعض الأحيان، وبين أن يصيبنا اليأس مما يجري؛ لأن ما يجري أراه خطا صاعدا في حركة التحرر الوطني الفلسطيني.

وهنا سنتوقف لنتحدث حول أربع نقاط:

تطور نموذج التحرر الوطني الفلسطيني

تطور نموذج حركة التحرر الوطني الفلسطيني بشكل نمطي يشبه كثيرا تطور حركات التحرر الوطني في التجارب المعاصرة كافة ربما مع خصوصيات تفرضها طبيعة الظاهرة الاستعمارية الصهيونية وخصوصيات تفرضها طبيعة الوضع العربي الراهن، لكن النموذج العام واحد.

حركة التحرر الفلسطيني مرت أولا بردود فعل أولية للاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين اتسمت بالعشوائية، وهذا ما حدث في كل حركات التحرر الوطني، حيث تقاوم الشعوب ظاهرة الاستعمار، ولكنها تكون فاقدة للآليات التنظيمية، وفاقدة لخبرات القتال، وفاقدة للموارد المادية؛ ولذا سرعان ما تجهض هذه المقدمات الأولى.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تبدأ فيها حركات التحرر في التبلور تدريجيا، وأحسب أن البداية الأولى لحركة التحرر الفلسطيني المنظمة كانت في منتصف الستينيات، في ذروة المد القومي العربي، حيث أسست "منظمة التحرير الفلسطينية" ما بين عامي 64 ، 1965م، وأطلقت أول رصاصة منظمة في تاريخ حركة التحرر الفلسطينية في أول يناير 1965م، وحملت معها حركة التحرر الوطني الفلسطيني مزايا الزخم القومي العربي في ذلك الوقت وقيوده إلا إنها استفادت من المد القومي العربي في إنشاء المنظمة ورعايتها وتمويلها.

وعندما وقعت هزيمة 1967م لثلاث دول عربية كبرى، كانت هذه الظروف انطلاقة أكبر لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، حيث إن المحتل أصبح يسيطر على أرض فلسطين كلها، وهنا كانت المقاومة ليست من الخارج فقط، ولكن من الداخل أيضا، وكان أكبر نموذج على التغير النوعي الذي حدث في حركة التحرر الوطني الفلسطيني هو معركة الكرامة في مارس 1968م.

وبعد حرب 1973م - وربما تكون هذه من المفارقات - حدث تراجع إستراتيجي، حيث إنه في أول قمة عربية بعد حرب 1973م، أُشير إلى الحرص على استعادة الحقوق الفلسطينية، ولكن وفقا لما يقرره ممثلو الشعب الفلسطيني. ومع أن هذا النص لم يُشر إلى شيء، فلعله كان يفتح الباب للمرونة القادمة.

دخلنا بعد ذلك في مرحلة النضال الشعبي، وأحسب أنها كانت بداية الاستقلال الحقيقي لحركة التحرر الفلسطيني؛ لأنها بعد أن جابهت ما جابهته من خلاف واصطدام مع النظم العربية وعندما سدت السبل كلها في وجهها وبعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان بعد الغزو الإسرائيلي للبنان وجدنا أن الشعب الفلسطيني بدأ يمارس أول مرحلة من مراحل النضال الشعبي الحقيقي ضد الاحتلال الصهيوني بانتفاضته بين عامي 87، 1988م، والحقيقة أن هذه الانتفاضة - وليس أي شيء آخر - هي التي كانت وراء اتفاقيات أوسلو، فبرغم أن اتفاقيات أوسلو معيبة كل العيب، يكفي أن هذه الاتفاقيات لم تغفل أن تحمل أول شهادة من العدو الإسرائيلي بأنه يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني، ويوجد ممثل حقيقي لهذا الشعب هو "منظمة التحرير الفلسطينية".

وإذا خلصت من هذا العرض يمكن أن نقول بعض الملاحظات العامة على تطور حركة التحرر الوطني الفلسطيني كما يلي:

1- أن هذه الحركة كانت أولا مبكرة في الظهور، حيث إن فلسطين احتُلت عام 1948م، وأول رصاصة منظمة أطلقت بعد 17 عاما فقط من هذا الاحتلال، ولكي ندرك مغزى هذا التوقيت لنا أن نتذكر أن الجزائر احتُلت عام 1830م، وكانت أول رصاصة منظمة عام 1954م، وأن عدن احتُلت أيضا في الوقت نفسه تقريبا وأول رصاصة أُطلقت كانت في عام 1963م، وهذا له معنى؛ صحيح أن الزمن غير الزمن والظرف غير الظرف، ومن ثم من المتوقع أن تكون حركة التحرر الوطني الفلسطيني مبكرة في الظهور.

2- إن هذه الحركة أخذت في الزيادة التدريجية في اعتمادها على ذاتها، حيث نقلت وضع مصير الشعب الفلسطيني من أيدي المد القومي العربي تماما إلى بداية الاعتماد على الذات، ثم إلى زيادة الاعتماد على الذات بانتفاضة الثمانينات، إلى ما أكاد أن أسميه الاعتماد على الذات وحدها الآن، وبالتالي حركة التحرر الفلسطيني تسجل ظاهرة تكاد تكون فريدة في حركات التحرر الوطني وهي أنها الآن تكاد تعتمد على قواها الذاتية فقط.

3- إن حركة التحرر الوطني الفلسطيني تسجل تقدما ما عبر الزمن، حيث حدث تقدم في نوعية النضال وفي طبيعة الهدف، ونتذكر هذا الحدث حيث هزمت إسرائيل ثلاث دول عربية والضفة خاضعة للأردن وغزة تحت الحكم الإداري المصري، والنتيجة هي هزيمة العرب وليس انتصارهم، وإذا بالقضية الفلسطينية تتطور إلى أن تصبح الضفة وغزة هي جذور وجنين الدولة الفلسطينية الوليدة (بعد تحرر حركة التحرر الفلسطيني من القيود العربية الرسمية). فلنتأمل في المعني الإستراتيجي ألا وهو أن إسرائيل تهزم ثلاث دول عربية لكي تقضي على القضية الفلسطينية فإذا بالضفة والقطاع يمثلان جنينا وليدا للدولة الفلسطينية القادمة.

فكأنني أقول إن ثمة خسارة إستراتيجية لإسرائيل بما فعلته في عام 1967م فهي حقا احتلت أرض فلسطين كاملة، ولكنها لم تستطع أن تلغي القضية الفلسطينية.

والخلاصة في هذا الجزء أن هناك تقدما تاريخيا، حيث حدث تطور نوعي في نموذج حركة التحرر الوطني الفلسطيني، من العشوائي إلى المنظم، ومن المدني إلى المسلح، ومن النضال من الخارج إلى النضال من الداخل. وما أريد أن أخلص إليه من هذه النقاط الثلاث أنه على الرغم من كل ما نراه على الأرض الآن والذي بدوره قد يدفعنا إلى الكآبة والقنوط فإن النموذج العام يبقى في تقدم برغم كل الدماء الزكية التي تسيل؛ ولذلك يجب أن نمسك برؤوسنا جيدا ونتذكر هذه الحقائق، حتى لا يصيبنا اليأس، فلا يجب أن يصيبنا ذلك اليأس الآن وفي مثل هذه الظروف.

الجذور القريبة للوضع الراهن  

هذه الجذور تعود لما يمكن أن أسميه "الانقلاب" الإسرائيلي الكامل على أوسلو. تحدثنا عن أوسلو، ونعرف ما فيها من عيوب، ولكن أوسلو كانت لها فكرة: مرحلة انتقالية، ومرحلة نهائية. المرحلة الانتقالية لو نفذت لكان معظم الضفة الغربية وقطاع غزة - دون القدس- تحت السيطرة الفلسطينية، وتبقى القضايا الأخرى مثل الدولة والقدس اللاجئين والمياه للتفاوض في مرحلة الحل النهائي.

وقد أخذت القيادات الإسرائيلية تماطل في المفاوضات كالعادة - وهذا درس للحاضر والمستقبل - إلا أن تغيرا حدث في الفكر الإسرائيلي منذ مجيء نتانياهو إلى الحكم (1996-1999)، حيث أدركت إسرائيل أنه ليس من الصالح أن يدخل الفلسطينيون مفاوضات الحل النهائي وبيدهم ربما ما يزيد عن 90% من أراضي الضفة والقطاع ناقصة القدس؛ لأن هذا سيجعلهم في موقف تفاوضي أفضل وأقوى، وقد يقول الجيل الحالي من القيادات الفلسطينية يكفينا هذا نحن أعدنا هذه الأجزاء وليتفاوض أو يناضل الجيل القادم على المستوطنات وعلى القدس وعلى غيرها من القضايا الأخرى.

ولذلك بدأ نتانياهو يطرح فكرة دمج الانتقالي بالنهائي، ولم يعد هناك حل انتقالي أو مرحلة انتقالية، وإنما نقدم لكم حزمة من الحل حتى إذا رفضتموها رفضنا إعطاءكم ثمار المرحلة الانتقالية، فإن وقعتموها وقعتم لنا على انتهاء الصراع، حتى وإن كان في هذه الحزمة كل المساوئ.

كان هذا هو فكر نتانياهو. ولما سقط نتانياهو أتى باراك بالفكرة نفسها رافضا لأوسلو يريد حلا نهائيا يدمج فيه المرحلة الانتقالية بالمرحلة النهائية، وهذه هي الصفقة المشؤومة التي قدمتها إسرائيل في كامب ديفيد الثانية التي رفضها الرئيس ياسر عرفات لكي يثبت بهذا أن أي تنازلات قبلها في السابق إنما كانت من أجل أن يصل إلى تسوية نهائية معقولة، فلما رأى أن هذه التسوية النهائية غير معقولة رفضها.

وأود أن أشير إلى أن قمة كامب ديفيد عقدت بعد شهور قليلة من الانسحاب الإسرائيلي المهين من الجنوب اللبناني؛ ولذلك كان تعجيل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بطرح صفقة كامب ديفيد على الإسرائيليين - في تقديري - خوفا من تثوير الموقف لدى الشعب الفلسطيني أسوة بما حدث في الجنوب اللبناني، وهذا ما وقع بالفعل ويقع أمام أعيننا الآن.

ولذلك ما نشاهده الآن هو ثمرة الانقلاب الإسرائيلي على أوسلو، وهذا ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار إذا كان ثمة معركة دبلوماسية قادمة. فهنا أقول ببساطة: إنه بدلا من أن نتقدم بمبادرات هنا وهناك ليس لها أي قيد من التنفيذ، فلنطالب إسرائيل بتنفيذ ما وقعت عليه هي من اتفاقيات.

آفاق المستقبل.. بين مشهدين  

دعوني أقل بصراحة فيما يخص المستقبل إنه ليس أمامنا إلا أن نفكر في مشهدين محتملين:

المشهد الأول: هو أن ينجح شارون في مخططه الحالي على المدى القصير، وأحسب أنه حتى هذه اللحظة فاشل؛ لأنه أولا عندما تولى الحكم في مارس 2001م قال أعطوني مائة يوم وسأقضي على الانتفاضة ونحن الآن في السنة الثانية، ويتحدث في مخططه عن "تنظيف" أو "استئصال" ما يسميه هو والولايات المتحدة الأمريكية بالإرهاب، ويشبه المقاومة الفلسطينية الباسلة بالورم السرطاني في الجسد الفلسطيني، وإن كان هذا التشبيه القبيح مقبولا، فإن الجسد الفلسطيني سيفرز دائما العديد من الأورام، بلا نهاية؛ لأن هذه هي إفرازات الحالة الاستعمارية التي وضعت الصهيونية الشعب الفلسطيني فيها فحتى إن نجح فيما يتصور أنها عملية تنظيف فسرعان ما سيفرز الجسد الفلسطيني رموزا جديدة لنضال مشروع وباسل ضد الاحتلال الصهيوني. ومع ذلك لنقل إنه تحت وطأة القوة المادية الباطشة يمكن أن ينجح إلى حين فيما يهدف إليه على المدى القصير، وهنا أود أن أشير أيضا إلى أن شارون لم يقترب بعد من قطاع غزة حيث أكبر كثافة سكانية، وأكبر استعدادات أمام مجرم الحرب شارون، وإذا كانت قوات الاحتلال قد وقفت أمام جنين فيما يزيد عن أسبوع، فلك أن تتصور ما سيتعثر فيه شارون في قطاع غزة.

مع ذلك فلنفترض أنه سينجح في تحقيق ما يريد، في هذه الحالة أجزم بأن المأزق الإسرائيلي سيزداد تعثرا؛ لأنه إن نجح في ذلك فأمامه معضلتان:

1- أن يُوجد ترتيبا سياسيا جديدا في الأراضي الفلسطينية؛ لأن شارون بفعلته هذه دمر السلطة الوطنية الفلسطينية بكل مؤسساتها وهيئاتها، ولا نعرف ما هو المستقبل الذي سيلعبه الرئيس عرفات، وأتصور أنه لا يوجد فلسطيني واحد الآن سيقبل أن يضع يديه في يدي شارون لكي يكون واسطة بينه وبين الشعب الفلسطيني ويعمل وفقا لشروطه، ولنفرض أن هذا الشخص قد وجد فلن يكون لهذا الشخص شرعية تمكنه من الاستقرار في الأراضي الفلسطينية، وهكذا تعود الأمور سيرتها الأولى وتتصاعد المقاومة لتضع الحد النهائي للحالة الاستعمارية في الأراضي الفلسطينية على الأقل في أراضي 1967م، وهذا هو السيناريو الأول الذي سيكون مجرم الحرب شارون مطالبا فيه ببرنامج سياسي سيكون عاجزا عن تحقيقه، وهنا تظهر قيمة الكلمة وقيمة الحركة السياسية، فلا بد أن يكون واضحا أن الهزيمة إذا وقعت ستكون بسبب تقصيرنا عن تقديم الدعم الكافي للشعب الفلسطيني وليس بسبب شارون.

2- أنه سيفاجأ بعد حين باستمرار المقاومة من حين لآخر، وكلنا نلاحظ ما يحدث في أفغانستان ببطء، ولكن بشكل منتظم مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الحالة الأفغانية عن الحالة الفلسطينية.

وهكذا فإن أقصى ما يمكن أن يحققه شارون وفقا لهذا السيناريو هو انتصار وقتي وشكلي.

المشهد الثاني: أنه برغم كل شيء سيتعثر في مخططه أمام قطاع غزة، وإن جرؤ على اقتحامه فستزداد حمية الشارع العربي، ويزداد الخطر الماثل على المصالح الأمريكية، ويصيب القلق المصالح الدولية، ويبدأ الضغط الدولي، وبالتالي يقال لشارون "قف عندك"، وقد يسقط، وهنا سندخل في مرحلة جديدة لا أدعي أنها ستكون مرحلة الانتصار بالنسبة لنا، ولكنها ستكون مرحلة أفضل مما نحن فيه الآن، وبالتالي سنكون في وضع يمكننا من مواصلة النضال بشكل أفضل.

العوامل الحاكمة لاتجاهات المستقبل  

1- المقاومة الفلسطينية:

أثبتت المقاومة الفلسطينية أنها قادرة على أن تحقق كل ما حققته حركات التحرر الوطني قبلها في ظروف أيسر، حيث لم يكن المطلوب في أي وقت من أي حركة تحرر وطني أن تهزم العدو. ربما الحركة الوحيدة التي استطاعت أن تهزم المستعمر بشكل كلاسيكي هي الحالة الفيتنامية، حيث اضطرت القوات الأمريكية أمام مقاومة الفيتناميين إلى الهروب، لكن الجيش الجزائري لم يهزم الجيش الفرنسي، ولا المقاومة في جنوب اليمن هزمت الجيش البريطاني، ولكن هذه الحركات كان كل المطلوب منها أن تؤكد لجيوش الاحتلال أنها غير قادرة على كسر مقاومتها، وأنها قادرة على أن ترفع من تكلفة الاحتلال تدريجيا إلى أن تفوق هذه التكلفة العائد من الاحتلال، وهنا يجبر العدو على إعادة حساباته.

ولنأخذ مثالا آخر وهو أن "حزب الله" لم يهزم الجيش الإسرائيلي بمعنى أنه لم يدفعه أمامه ويجري خلفه، ولكنه أثبت لإسرائيل أمرين مهمين: أنه صامد في وجه الضربات الإسرائيلية، وأنه قادر على إيقاع الخسائر في الجيش الإسرائيلي بوتيرة متصاعدة.

فكل قتلى الجيش الإسرائيلي في حرب الجنوب اللبناني زادوا عن المائة بقليل، وهذا بالنسبة للجيش الإسرائيلي لا يعني الخسارة المادية الفادحة، ولكن معناه أنه أصبح غير قادر على هزيمة هؤلاء، وأن هؤلاء المقاومين قادرون على استمرار إيقاع الضرر بالجيش الإسرائيلي على نحو متزايد، بحيث أصبح عاجزا عن قهرهم.

وأتصور أن المقاومة الفلسطينية قد أثبتت بالفعل قدرتها على الصمود وعلى إيقاع ضرر متزايد في صفوف العدو بأي أسلوب من الأساليب، سواء كان ذلك الأسلوب مدنيا، أو عسكريا، أو في شكل عمليات استشهادية، فالدلالات النهائية أثبتت قدرة المقاومة على الصمود، ومن ثم قدرتها على إحداث تآكل في الحالة الاستعمارية.

 2- الوحدة الوطنية:

لا بد أن يستمر الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإذا تحقق المشهد الأول- معاذ الله- ونجح شارون إلى حين في فرض سيطرته على الأراضي الفلسطينية، فيجب ألا يكون هناك متعاون واحد معه. والوحدة الوطنية لم تكن دائما عملية سهلة في حركات التحرر الوطني، فكثير من هذه الحركات وقع في براثن الخلاف؛ ولذا مهم جدا أن يؤخذ في الاعتبار حجم التضحيات التي قدمت حتى الآن في النضال الفلسطيني؛ ولذلك نشدد على ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية، وهي مهمة شديدة المشقة، حيث إن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ستفرضان على أي طرف يسعى إلى التسوية اعتبار أن حماس والجهاد وكتائب الأقصى والقوة 17 كلهم إرهابيون، ويجب التخلص منهم! ولذلك أرى أن المواجهة السياسية لن تكون أسهل من المواجهة العسكرية.

3- الظهير العربي للمقاومة:

للكلمة هنا دور كبير، وأقول لمن يتصورون أن ما يحدث في فلسطين بعيد عنهم، إن هذا خطأ إستراتيجي. وإذا كان المواطن العربي العادي يتصور أن هناك حريقا في فلسطين لن تصلنا آثاره فهذا قمة العمى الإستراتيجي؛ لأنه عندما تكون هناك بنية للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة مدعومة بالهيمنة الأمريكية، فلكم أن تتصوروا أي مستقبل سيكون لهذه المنطقة. فعندما نتحدث عن ظهير عربي لا نتحدث عنه تعاطفا مع أهل فلسطين أو من منظور إنساني أو من منظور أخلاقي أو كنشطاء السلام في أوروبا، ولكننا نتحدث عن أمننا الوطني قبل أمننا القومي العربي.

الظهير العربي الرسمي:

وهنا أقول إن الظهير العربي على المستوي الرسمي لا يقدم شيئا، بل هو غير موجود من الناحية الفعلية، بل الأخطر من هذا أنه -في ظل العجز عن القيام بإجراءات فعاله ضد إسرائيل- ظهرت ظاهرة أخطر، وهي ظاهرة التراشق بالاتهامات بين الدول العربية، بدلا من أن تفعل شيئا، وربما هذا هو المعنى الحقيقي في تقديري لما قامت به العراق من اتخاذ قرار بقطع البترول لمدة شهر، والقرار في حد ذاته ربما يضر العراق أكثر مما يضر الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ولكن هذا التصرف يحمل المعنى الرمزي وهو أنه لو قام كل واحد منا بما في وسعه سنكون جميعا في وضع أفضل.

وبالتالي، برغم ما تقوم به الحكومات من تحركات واتصالات وقرارات وإجراءات، فإن المحصلة النهائية حتى الآن غير فاعلة، وهنا أكرر أن هذا موقف غير مسبوق لحركة تحرر وطني، حيث إن حركات التحرر الوطني كانت تعمل دائما في بيئة مساندة، أي أن دول المحيط تقدم السلاح والمال والعتاد، وأوجه دعوة لكل من يعنيه الأمر أن نفكر بجدية في كيفية إرسال دعم حقيقي وفعَّال للانتفاضة الفلسطينية، وقد تكون هذه الأعمال خاصة بالاستخبارات أو خاصة بأجهزة أمنية، ولكن لا بد من التصرف السريع لإنقاذ الموقف وإن لم نفعل هذا فنحن نترك النضال الفلسطيني وحده، وهو حتى الآن أثبت قدرته، لكن قطعا لو أن له ظهيرا خارجيا سيكون أقدر على تحقيق مهمته وإنجازاته بوتيرة أسرع وبشكل أفضل.

والظهير العربي يمكن أن يقوم بتنبيه الولايات المتحدة الأمريكية بالخطر على مصالحها في المنطقة، وهل يمنع إحدى الدول العربية أن تشكل وفدا جماعيا للاتحاد الأوروبي وتدفع باتجاه اتفاقية الشراكة وتدفع وتلوح إلى أنهم قد يقومون بتغييرات ما على سلوكهم إن لم تأخذ أوروبا موقفا فاعلا؟

الظهير العربي الشعبي:

من أهم نتائج الانتفاضة عودة الحياة إلى الشارع العربي بعد سنوات طويلة منذ هزيمة 1967م، وقد شهدنا هذا التفاعل مع بداية الانتفاضة، ولكنه تراجع مرة أخرى، وهنا أود أن أنوه إلى أنه لو حدث وتوقف القتال بعد فترة من الزمن فقد يعود الشارع العربي إلى السكون، ولكن هناك أمورا إيجابية فيما يحدث الآن في الشارع العربي:

1- أن ما يحدث يعتبر رسالة تضامن مع الشعب الفلسطيني. وأحسب أنني لو كنت مقاتلا في جنين أو نابلس أو غزة فإن هذه الرسالة تعني لي الشيء الكثير؛ تعني أن العجز عن مساعدتي لا يتعلق بشيء خاص بضمير الأمة، ولكن يتعلق بأشياء أخرى.

2- أنها رسالة تنبيه للنظم الحاكمة أن أداءها دون المتوقع، وكلما ازدادت قوة الرسالة ازداد تأثيرها.

3- هي رسالة ثالثة للقوى الدولية بأن لا تراهن طويلا على استقرار هذه المنطقة. ولتعلموا جيدا أن قوى مثل أمريكا تحسب ألف حساب لهذه المسائل، وإذا كانت هناك تحركات تكتيكية لأمريكا الآن فإن سببها الأصيل هو حركة الشارع العربي والهجوم على السفارة الأمريكية بالبحرين وخروج الملايين في الشوارع للتظاهر من أجل فلسطين.

4- الرسالة الرابعة تعيد لنا الثقة في أن هناك أمة عربية ونظاما عربيا، ولو أنني أحكم بالأداء الرسمي لقلت إنه لا يوجد نظام عربي الآن من الناحية الفعلية، ولكن الحركة الشعبية التي تجلت الآن - وثقتي فيها كبيرة - أكدت أن ثمة شيئا ما يجمع بين كل هذه الشعوب من المحيط إلى الخليج، وبالتالي فهذه مسألة في منتهى الأهمية.

فلنتفق على كلمة سواء بين النظم الحاكمة وجماهيرها، وأنه ليست هناك في هذا الموقف معركة بين هذه النظم وجماهيرها، ولكن المعركة الحقيقية بيننا جميعا وبين الاحتلال الصهيوني، وبالتالي نحن بحاجة إلى تنسيق بيننا جميعا لكي يكون أداؤنا أفضل.

5- شيء هام أشير إليه أن إسرائيل بغبائها الاستعماري -وهو غباء لصيق بكل القوى الاستعمارية- أورثت أجيالا ستعيش معنا عقودا قادمة المفاهيم الأساسية للصراع العربي - الإسرائيلي فقد وُلدت أجيال عديدة في ظل مناخ سياسي مائع، وكان من الممكن أن يقال لها إنه ليست بيننا وبين إسرائيل أدنى خصومة، ولكن ما حدث أن إسرائيل أورثت أجيالا بكاملها كراهية ستستمر معها عقودا طويلة.

4- العامل الدولي:

هذا العامل يؤثر بشكل بارز في تحديد مستقبل القضية، وهنا أجيب على تساؤلات كثيرة منها لماذا تقدمت إسرائيل وتخلفنا نحن؟ وهنا أقول: إن إسرائيل جزء من الكيان الاستعماري الغربي، وإن جزءا كبيرا من قوتها يعود إلى الدعم الأمريكي، وأشير أيضا إلى أنني لا أنكر وجود عوامل تخلف فينا، ولكن يجب أن نتذكر أن إسرائيل تتلقى مساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية لو قسمت على عدد سكانها فسيكون نصيب كل فرد إسرائيلي 1000 دولار، وهذه المعونة تعادل ما يكسبه الفرد المصري في عام كامل، وهنا لا يمكن أن أقول إن إسرائيل تقدمت بمفردها وإن العرب تخلفوا.

أما فيما يخص الموقف الأمريكي فهو موقف ميئوس منه من حيث المبدأ، ولكن يمكن تحريكه إلى وضع أفضل مع قمة الحذر والحيطة. فالتصادم بين السياسة الأمريكية والأهداف العربية والفلسطينية واضح - خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر- وأنا هنا لا أتحدث عن تاريخ طويل، ولكن أتحدث عن واحد من أزهى المواقف التي تنسب للسياسة الأمريكية في منطقتنا، وهنا أود أن أشير إلى أن ما يقوم به الآن شارون من مجازر لا يختلف تماما عما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية على أرض فلسطين، وأمريكا صرحت بأن القاعدة وطالبان إرهابيون، وأن حماس والجهاد وكتائب الأقصى والقوة 17 كذلك إرهابيون؛ ولذلك فأمريكا لا تتحرك الآن خوفا على شعب فلسطين، ولا من أجل الضمير الإنساني والعالمي، ولكن أمريكا ستتحرك ببطء بما يخدم أهدافها.

لقد تعودنا على الانحياز الأمريكي لإسرائيل، ولكن الرئيس الأمريكي الحالي أضاف إلى سياسة الانحياز صفة الجهل بحقائق الأمور، فهو عندما يتحدث عن أن "الحل في ميتشل"، وهو لا يعلم أن "ميتشل" هذا مجرد تقرير إجرائي بهدف التهدئة، وليس في "ميتشل" أي حديث عن حل للصراع أو التسوية، ونقاط "تينيت" مثله، ولا يوجد حتى الآن أي عرض حقيقي للتسوية.

والأخطر من هذا أن وسائل إعلامنا للأسف الشديد تروج للحديث الأمريكي عن الانسحاب، ولكنها لا تتحدث عن الشق الآخر، وهو أن الرئيس الأمريكي يقول إن على القادة العرب أن يساعدوني في القضاء على الإرهاب، وطبعا الإرهاب هنا يعني كل الفصائل الفلسطينية المقاومة للاحتلال الصهيوني، وذلك يعني شيئا في غاية الخطورة، وهو أنه بعد أن تهدأ الأمور سنفاجأ بأننا نتفاوض حول أن نذبح أنفسنا، وليس حول أي شيء آخر.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع