 |
|
إنهم يألمون كما تألمون |
فتحت
الحرب الشارونية المجال أمام المثقفين
الإسرائيليين للإدلاء بدلوهم بخصوص ما
يحدث حاليا على الصعيد الفلسطيني
الإسرائيلي. فكان الإحباط والخوف
يسيطران على معظم الكتابات عن
المستقبل؛ وبالمقابل وُجِد تيار آخر
ينتظر موت عرفات بفارغ الصبر، ويرى في
اقتلاع جذور "الإرهاب" الفلسطيني
هو الحل الوحيد والحاسم لإنهاء الأزمة
الحالية.
فمن
يطلع على الصحف الإسرائيلية الصادرة
منذ حملة الجدار الواقي يلمس بوضوح مدى
الإحباط الذي وصل إليه المفكرون
الإسرائيليون الذين يمثلون نبض الشارع
الإسرائيلي.
و"يوسي
سريد" زعيم المعارضة الإسرائيلية
يعبِّر عن ذلك قائلاً: "لا يمكن
الانتصار في هذه الحرب؛ ولهذا يجب وقفها".
ويضيف أن "القبيلتين المتوحشتين
تنتهجان سياسة العين بالعين والسن
بالسن"؛ ومن ثَم لا يبدو هناك أدنى حل
في الأفق.
ويتحدث
الإسرائيليون أيضًا عن ضياع حريتهم.
ويرون أن تدميرهم لحرية الفلسطينيين لم
يُبقِ لهم من حريتهم شيئًا. ويستبعدون
مجيء أي خلاص، سواء على أيدي الجيش
الإسرائيلي أو على أيدي عرفات.
الخوف
من حزب الله
ويتخوف
المثقفون الإسرائيليون أكثر من حزب
الله، الذي يُصِرّ -حسب كلامهم- على
إغراق إسرائيل في فخ جنوب لبنان ثانية؛
ليفتح عليها جبهة موازية مع الانتفاضة؛
ولهذا يطالبون الحكومة الإسرائيلية أن
تشنّ هجماتها ضد الحكومة اللبنانية
والمصالح السورية في لبنان بدلاً من حزب
الله حتى لا تنجرّ إلى جبهة ثانية من
الحرب.
أما
أهم ما تحذِّر منه النخبة المثقفة
الإسرائيلية مع استمرار تدهور الأوضاع
فهو بروز الشباب "المتطرفين" الذين
لا يعرفون سوى حمل السلاح، وكره
الإسرائيليين. وترى النخبة أنه لا بد من
قيام المعارضة (اليسار)؛ لتقود بديلاً
بوقف التدهور نحو الحرب الشارونية
الشاملة.
لا
أمل في تقليص "الإرهاب"
"مع
كل الاحترام لما تم جمعه من وسائل
قتالية في رام الله، واعتقال قادة
الإرهاب مهما كان وزنهم فإنه ليس
المقصود هنا إلا نقطة في ماء البحر. فهذا
البحر يمتلئ في اللحظة ذاتها، بأنهار من
اليأس والجرأة".. هذه الكلمات التي
كتبها "عوفر شيلح" في صحيفة "يديعوت
أحرونوت" تعكس مفهومًا مهمًّا لدى
الإسرائيليين اليوم: وهو أن انتصارهم في
هذه الحرب الحالية لا يعني أبدًا أنهم
نجحوا في تقليص ما يسمونه "الإرهاب".
فبينما
يحتاج الانتصار مواصلة النهج الحالي
وتصعيده، يحتاج "تقليص الإرهاب"
التفاوض تحت تهديد السلاح، والتركيز
على منفِّذي العمليات الإرهابية بدلاً
من التركيز على من يجلس غدًا عند الطرف
الآخر لطاولة المفاوضات. ويكرر "إيتان
هابر" نفس المفهوم قائلاً: "الجميع
يعرف أنه بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة
من تدمير وسحق قواعد الإرهاب، سيعود
الإرهاب الفلسطيني إلى المقاهي ومحطات
الباصات".
بالإضافة
إلى ذلك، فإن "الإرهاب" الفلسطيني
الحالي -كما يقولون- بات "رياضة شعبية
وطموحًا لآلاف الشابات والشبان
الفلسطينيين"؛ وذلك عكس "الإرهاب"
الفلسطيني في عام 1982م، الذي اقتصر فقط
على المهنيين. فتبعًا للرأي
الإسرائيلي، توجد طرق كثيرة لقتل
المقاتلين الفلسطينيين، ولكن بالتأكيد
لا توجد طريقة عسكرية لمحاربة "الانتحاريين".
وشارون هو نفس الشخص الذي كان يحارب
عرفات في لبنان 1982م. فهو ما زال يطالب
بإذلال عرفات بدون وجود أي منفعة منطقية
سوى إشباع غريزة الانتقام.
موت
عرفات هو الحل
إلا
أنه هناك مع ذلك عدد من المحللين
الإسرائيليين يرون في تصفية عرفات الحل
الأمثل لمشكلة إسرائيل. ويؤمنون بأن
تصفيته ستعود بالأمن على شوارع القدس
وحيفا وتل أبيب. ويرون أنه إذا كان من حق
الولايات المتحدة الأمريكية أن تذهب
بعيدًا حتى أفغانستان من أجل تصفية
الإرهاب الأفغاني فإنه يحق بالمثل
لإسرائيل أن تذهب بعيدًا حتى مدينة
قلقيلية في الضفة الغربية من أجل تصفية
"الإرهاب" الفلسطيني.
ويحذرون
من إبقاء عرفات على قيد الحياة. وإنه إن
لم يتم التخلص منه -كما يعتقدون- فإن
الإرهاب سيتواصل، وستمتد الحرب إلى
الحدود الشمالية للدولة العبرية مع
لبنان وسوريا، وستدير الولايات المتحدة
الأمريكية ظهرها لشارون، بالإضافة إلى
لجوء كل من مصر والأردن إلى قطع
علاقاتهما مع إسرائيل. ويختتمون نداءهم
قائلين بأن العامل الزمني هو العدو
الأساسي لإسرائيل.. فكل يوم يمضي على
الاحتلال يزيد من الضغط الدولي على
الحكومة الإسرائيلية.
نداء
إلى "الانتحاريين"!
ومن
أطرف المقالات التي عبَّرت عن اليسار
الإسرائيلي كانت مقالة "أهارون ميغد"
التي طالبت "الانتحاريين"
القادمين بأن ينتقوا في عملياتهم؛ فلا
يقتلون الذين ينادون بالسلام، أمثال
هؤلاء الإسرائيليين المسنين الذين
يجلسون على المقاهي!
وينتقد
بيريل فاين "الانتحاريين"؛ فيصفهم
بأنهم أُناس ذوو أذهان شريرة وليس لهم
سابقة، وأنهم قاموا بنسف طريق الحوار –
ذلك الطريق الطويل الذي كان سيحقق النصر-
واختاروا بدلاً منه الطريق الأقصر، وهو
طريق التفجير والقتل. فهؤلاء
الانتحاريون – كما يقول- يقتلون
أنفسهم، ويقتلون الإسرائيليين، بل
يقتلون القضية الفلسطينية نفسها.
واستمرار
ذلك الوضع سيؤدي في النهاية إلى انتحار
الأنظمة العربية نفسها؛ إذ إن جزءاً من
ذلك الغضب سيتوجه دون محالة ضد الحكومات
العربية.
مقارنة
بين اليابانيين والفلسطينيين
وعبَّر
بعض الكتاب الإسرائيليين عن صدمتهم في
عرفات الذي نفّذ عملياته "الانتحارية"
في أرجاء إسرائيل، وبطريقة لم تكن تخطر
على البال. وشبهوا الصدمة التي أحدثها
عرفات للشعب الإسرائيلي بالصدمة التي
أحدثها اليابانيون للشعب الأمريكي
عندما قاموا بقصف ميناء "بيرل هاربر"؛
وكذلك بالصدمة التي أحدثها أدولف هتلر
للقائد السوفيتي ستالين عندما قام
بمهاجمة بلاده.
فالإسرائيليون
كانوا يتوقعون كل شيء من بعد أوسلو..
كانوا يتوقعون هجمات بالكاتيوشا،
وكانوا يتوقعون اختطاف طائرات
إسرائيلية، وكانوا يتوقعون تسللاً من
خلال الحدود، إلا أنهم لم يتوقعوا أبدًا
أن يقوم هؤلاء الشباب بذلك الاحتلال
الجارف لأراضي إسرائيل وتفجير أنفسهم
في الإسرائيليين... هؤلاء الشباب الذين
وصفهم "آموتس أزائيل" في صحيفة "الجيروزاليم
بوست" بأنه ليس لديهم أي احترام لقيمة
الحياة، سواء حياتهم أو حياة ضحاياهم.
ولكن
في النهاية، يؤكد أزائيل أن أمثال عرفات
ستكون نهايتهم كما كانت نهاية هتلر؛
لأنهم ببساطة لم يقدروا قوة العدو.
فهتلر لم يقدر قوة أمريكا والاتحاد
السوفيتي؛ وكذلك عرفات لم يقدر قوة
إسرائيل. ومن ثَم ينصح أزائيل القادة
الإسرائيليين بالمسارعة في تلقين
الفلسطينيين درسًا لن ينسوه أبداً حتى
ولو قامت مصر والأردن بقطع علاقاتها
الدبلوماسية مع إسرائيل. ويبرر ذلك بأن
إسرائيل لديها الحق الأخلاقي، والرخصة
التاريخية، والأسباب المادية لضرب
الفلسطينيين.. وليس لديها خيار آخر.
الإصرار
على اقتلاع جذور الإرهاب
وبالرغم
من عقبات المقاومة التي تقف أمام
الحكومة الإسرائيلية، فإن الأخيرة
تُصِرّ وبعنف على اجتثاث "الإرهاب
الفلسطيني"، وكما يقول المستشار
الرئيسي لإريل شارون: "إن هدفنا هو
ترك الأراضي الفلسطينية بأسرع ما يمكن،
فنحن لا نريد إعادة احتلالها.. بل نريد
انتهاج كل السبل اللازمة لاقتلاع
البنية التحتية للإرهاب".
ويكمل
قائلاً: إن الجيش الإسرائيلي كان دائمًا
ينسحب بدون تصفية عنصر الإرهاب. فكان لا
يمر يومان على الانسحاب إلا وتعود
الهجمات الإرهابية مرة أخرى؛ ولهذا
قامت القوات الإسرائيلية في عملياتها
الأخيرة باعتقال 1200 "إرهابي"
معظمهم من حيفا والقدس ونتانيا.
ويدافع
مؤيدو هذا الرأي عن استئناف تلك
العمليات "الإقصائية" حتى آخر
إرهابي؛ ويبررون رأيهم بأن السلطة
الفلسطينية فشلت فشلاً ذريعًا في أداء
تلك المهمة؛ فاضطرت القوات الإسرائيلية
أن تحمل على عاتقها تلك المسؤولية.
الواضح
بالتالي أن المثقفين الإسرائيليين
مثلهم مثل السياسيين، ينقسمون إلى
حزبين: حزب يرى في الحرب الشارونية
خطرًا يهدد الأمن الإسرائيلي، وحزب يرى
في هذه الحرب فرصة -لا تعوض- لاجتثاث
الجماعات الفلسطينية المسلحة.
اقرأ
أيضًا:
|