 |
|
النفط
عامل مؤثر في مختلف الميادين |
في
مواجهة عنيفة مع الولايات المتحدة
الأمريكية ومن يؤيد إسرائيل من الدول
الغربية في أعمالها العدوانية ضد الشعب
الفلسطيني، قرَّرت إيران استخدام النفط
في دخول الحوار السياسي والإعلامي
الدائر حول قضية فلسطين؛ وذلك تدعيمًا
لوجودها الفعَّال في المنطقة، ولكسب
التأييد السياسي من الشعوب العربية،
رغم ما يكون في ذلك من إحراج للدول
العربية النفطية، وفي هذا السياق يقول
الزعيم الإيراني آية الله خامنئي: "إنني
أدعو الدول العربية والإسلامية بقطع
النفط عن إسرائيل والدول التي لها
علاقات طيبة مع النظام الصهيوني، ولو
لمدة شهر واحد كدعم للشعب الفلسطيني".
(اطلاعات، 6-4-2002م).
وفي
هذا المقال محاولة لإلقاء الضوء على دور
النفط في صياغة التاريخ الحديث لإيران،
وعلاقته بأبعاد السياسة الإيرانية
المتنوعة. حيث إن وجود النفط بكميات
كبيرة في إيران، والحصول على عائد كبير
منه خلال القرن الماضي وجعله تدريجيًّا
أحد أهم عناصر القوة في تشكيل ذلك
التاريخ وتوجيه سلوك الإيرانيين. فمنذ
أن وقع الإنجليزي "ويليام نوكس دارسي"
عقدًا مع الحكومة القاجارية عام 1906م
لتسويق النفط الإيراني الذي كان يتدفق
بغزارة في منطقة "مسجد سليمان"،
وإنشاء "شركة النفط الإيرانية
البريطانية"، وإقناع الحكومة
البريطانية بشراء جزء من أسهم هذه
الشركة، بدأ النفط يتخذ موقعًا مؤثرًا
على السياسة الإيرانية، حيث إن الحكومة
الإيرانية - مع حصولها على أموال حق
امتياز استخراج وتسويق النفط- أصبحت تضع
سياساتها على أساس منع حدوث ما يؤثر على
حصولها على هذه الأموال، كما أن الشركات
المحتكرة لصناعة النفط الإيراني - ومن
ورائها الحكومات التابعة لها- كانت
تتدخل في الشؤون الداخلية والخارجية
لإيران بما يضمن لها توفير أقصى حد ممكن
من الاستقرار والأمان، بما في ذلك
مساعدة الحكومة الإيرانية على قمع أي
نقد أو اعتراض شعبي لهذا القطاع.
النفط
وآليات التبعية
ومع
تنامي الوعي الشعبي بدأت ضغوط النخبة
والمستنيرين من أفراد الشعب والمؤسسات
الاجتماعية والجماعات السياسية على
الحكومة من أجل الإصلاح الاقتصادي، وما
يتضمنه من إصلاح سياسي، يقول أبو الحسن
بني صدر -رئيس جمهورية إيران الأسبق- في
كتابه "إيران" غربة السياسة
والثروة: "إن النفط منذ ابتداء إنتاجه
واستغلاله قد بقي غريبًا عن الاقتصاد
الإيراني، وفي نفس الوقت كان أحد
العوامل الرئيسية في تفكك هذا
الاقتصاد؛ لأنه سبَّب عملية تحول لنمط
الحياة من خلال حاجات يتعلق إشباعها
بسلع منتجة في الخارج، كما صار عامل
تتبيع لعناصر لا يمكن تتبيعها بالنظام
المسيطر".
ومن
الطبيعي أن تتحالف السلطة الحاكمة مع
الشركات المحتكرة لصناعة النفط على
تأخير الإصلاح السياسي لما له من نتائج
سلبية على استثماراتها، ويرجح بني صدر
أن السيطرة تتجسد في علاقة أربع
ديناميات هي: دينامية الإلحاق بالنظام
المسيطر، دينامية تفكك النظام التابع،
دينامية اللاتساوي التي تجسد علاقات
المسيطر والتابع، دينامية العنف، وهي
النتيجة، مؤكدًا أن النظام المسيطر
يلاحق -حتى آخر ريال- المبالغ المدفوعة
مقابل المواد الأولية والنفط الخام،
وفي الوقت نفسه يستخدم تلك المبالغ
ليعيد بناء الاقتصاد المسيطر عليه
تبعًا لمصلحته، أي أنه يفرض نظامه
للحاجات مقابل استيراده للمواد الأولية
والنفط، كما أن ديناميات الإلحاق
والتفكيك ينتج عنها دينامية
اللامساواة، وإن تطور هذه اللامساواة
هي البؤرة التي يولد فيها العنف ويتسع،
وهكذا فإن التتبيع الاقتصادي والسياسي
والثقافي يزيل وطنية الطبقات الحاكمة
بالنسبة للطبقات المحكومة، كما أنه
يعجّل باستيراد السلع الاستهلاكية
والقيم الثقافية، ويشجِّع تصدير المواد
الأولية والنفط والكفاءات جاعلاً البلد
الخاضع له في حالة التفكك والعجز.
ويستقصي
بني صدر عوامل تتبيع الاقتصاد الإيراني
متطرقًا إلى النفقات العسكرية
باعتبارها القوى المحركة لتبعية الجيش
والاقتصاد، فالأسلحة المتقدمة لا يمكن
صناعتها في إيران، كذلك فإن صيانتها
وقطع غيارها ترتبط بالاقتصاديات
الصناعية المسيطرة، ومن هنا فإن النفط
لا يسدِّد ثمن التسليح، فحسب بل يساهم
في ربط الجيش بمصدر السلاح.
النفط
والاستبداد السياسي
وفي
إطار ذلك ومع ازدياد الدخل الناتج عن
صادرات النفط تتعمد الحكومة التساهل في
عملية فرض الضرائب والإهمال في جمعها،
ولا شك أن الضرائب من العناصر التي توجد
ارتباطًا ماديًّا بين الحكومة والشعب،
كما أنها عنصر شد وجذب بينهما، وأن
إضعاف هذه العلاقة يقلِّل من الاحتكاك
بين الحكومة والشعب، فضلاً عن انفصال
جيل الشباب عن واقع المجتمع وحرمانه من
كل نشاط مهني وفكري، ومن ثَم يكون دخل
الحكومة من صادرات النفط سلاحًا في يدها
للتحكم في الرأي العام، وتصبح سياسة
العصا والجزرة هي السياسة الوحيدة التي
يمكن للسلطة الحاكمة الاستفادة منها من
أجل إغلاق المجال أمام أي تطور ديمقراطي
وإبطاء أي إصلاح سياسي، يقول "هوشنگ
نهاوندي" رئيس لجنة التحقيقات
الملكية: "إن ارتفاع أسعار النفط بعد
عام 1974م -مع فساد الأجهزة التنفيذية- جعل
كل شيء يمكن شراؤه بالمال".
وقد
استطاعت الحكومة الإيرانية من خلال ذلك
أن تستقطب عددًا من المثقفين وبعض
الجماعات السياسية للترويج لمنجزاتها
أو التقليل من حجم النقد لسياساتها، كما
كانت عملية إيجاد مظاهر الرفاهية في
المجتمع الإيراني من خلال الاستثمارات
الحكومية في القطاعات الاقتصادية
المختلفة التي يدعمها النمو السريع في
الدخل القومي لإيران خاصة في العشرين
سنة السابقة على قيام الثورة الإسلامية
تمثل غطاء لجوانب الضعف في النظام
الحاكم ووسيلة لإسكات الجماهير، وهو ما
ساعد السلطة على نشر ثقافة التساهل من
خلال زيادة المنتجات الثقافية في هذا
الاتجاه، وإيجاد بيئة ثقافية مناسبة
لانتشار التيارات التي تعبّر عن الترف
الفكري والأدبي والثقافي دون التعرض
لمشاكل المجتمع وقضاياه الأصولية، وقد
ساعدت هذه الثقافة على ظهور الجماعات
الاحتكارية الموالية للسلطة في جميع
المجالات الثقافية والسياسية
والاقتصادية التي سعت للمحافظة على
مصالحها وزيادتها بالعمل على استمرار
الظروف السائدة في المجتمع، وهو ما أدى
إلى ظهور تحالف السلطة المشكَّل من
البلاط، والحكومة، والحزب الحاكم،
والبرلمان بمجلسيه النواب والشيوخ،
ومعهم كبار التجار، وأصحاب الصناعات،
ورجال البنوك، والسماسرة.
وفي
المقابل ظهرت الجماعات المعارضة لنظام
الحكم سواء داخل إيران أو في المنفى،
ولعلّ الأحداث التي وقعت بين سنتي 1950 و1953م
تمثل وقفة شعبية كبيرة ضد تأثير النفط
على الإصلاح السياسي، ففي هذه السنوات
ذاق الإيرانيون طعم الحكومة الوطنية
بعد أول دورة مستقرة للنظام النيابي،
وكان الدكتور محمد مصدق هو زعيم الحركة
التي كان أحد أهم أهدافها مواءمة
الاتفاقات النفطية مع المصالح الوطنية،
وقد أدت مساعي الدكتور مصدق ورفاقه في
مواجهة الشركات النفطية والحكومات التي
تساندها وصمود الحكومة الوطنية أمام
تهديدات أصحاب المصالح النفطية إلى
إقرار قانون في مجلس النواب في 20-3-1951م
يقضي بتأميم كل ما يتعلق بعملية اكتشاف
النفط واستخراجه والاستفادة منه بأي
وجه من الوجوه.
لكن
تحالف أصحاب المصلحة في صناعة النفط
تمكنوا من هزيمة مصدق ورفاقه بانقلاب ضد
حكومته الوطنية في 19-8-1953م قاده الجنرال
"فضل الله زاهدي" بدعم من حلفاء
النفط، ثم عقدت المباحثات مع الحكومة
الجديدة، فأسفرت عن توقيع اتفاق مع
مجموعة شركات احتكارية تضم خمس شركات
أمريكية، وشركة بريطانية، وشركة شل،
وشركة فرنسية.
القانون
الجديد يكرس الوضع
وقد
صدر القانون الجديد للنفط عام 1957م يقر
الوضع الجديد لأعمال صناعة النفط لمدة
عشرين سنة. وكان النفط وتأثيره على
السياسات الاقتصادية أحد أهم موضوعات
نقد المعارضة الوطنية لنظام حكم الشاه
عشية قيام الثورة الإسلامية. يقول بني
صدر: "إن التقدم الذي يتكلم عنه
النظام الملكي الحاكم ليس سوى خدعة دون
مضمون حقيقي؛ لأنه يتلخص في عملية
استهلاك واردات مدفوع ثمنها من
الصادرات النفطية، وهو تبذير لثروات
البلاد، خاصة وأن الواردات ليست
حيادية؛ لأنها تؤثر على الاقتصاد
بطريقة تؤدي إلى تدميره". ولقد كانت
فكرة بني صدر عن إعادة دمج النفط
بالاقتصاد الإيراني أحد أهم الأسباب
التي جعلت "آية الله الخميني" -زعيم
الثورة الإسلامية- يقربه إليه ويجعله
المستشار الاقتصادي لأول حكومة بعد
نجاح الثورة في إيران، ثم يدعمه ليصبح
أول رئيس للجمهورية الإسلامية، من أجل
أن يحل خلال قيادته للحكومة مشكلة تأثير
النفط على الإصلاح السياسي.
ثمار
التأميم
وإيران
إذ تحتفل هذه الأيام باليوم الوطني
للنفط في ذكري تأميمه لتدرك أنه أحد
الأسباب الهامة لقيام الثورة
الإسلامية، كما تؤكد على أن حركة تأميم
النفط تمثل أحد المفاخر الكبيرة للشعب
الإيراني خلال تاريخ كفاحه الوطني، وإن
تملك حكومة وطنية لكل العمليات
الأساسية في صناعة النفط من اكتشاف وحفر
وإنتاج ونقل ومد الأنابيب والتكرير،
مدين لهذه الحركة العظيمة بكل تجاربها
الحلوة والمريرة، حيث أدت هذه التجارب
إلى اعتماد فلسفة سياسية متميزة تخرج
النفط من كونه سلعة هامة وحيوية، إلى
كونه أساسًا اقتصاديًّا مؤثرًا أثبت
فاعليته في استمرار الثورة واستقرار
نظام الجمهورية الإسلامية، ودعم النظام
السياسي خلال الحرب العراقية -
الإيرانية، ومرحلة إعادة البناء
والتعمير، ووسيلة لخروج إيران من
عزلتها السياسية التي فرضتها عليها
الولايات المتحدة الأمريكية بسياسة
الاحتواء المزدوج، ووسيلة لدخولها
النادي النووي.
لقد
كان أهم الشعارات الاقتصادية لحكومة
الثورة الإسلامية هي وقف اعتماد
الاقتصاد الإيراني على النفط كمنتج
وحيد للتصدير، إلا أنها لم تستطع تطبيق
هذا الشعار بشكل واضح نتيجة ظروف الحرب
العراقية - الإيرانية، والحصار
الاقتصادي، وصعوبات إعادة البناء،
وأزمة السيولة النقدية، لكنها استفادت
من دخل النفط كقوة محركة لكثير من
الوحدات الإنتاجية، ووحدات البنية
التحتية، والتوسع في صناعة
البتروكيماويات، كما تم إنشاء جامعة
للبترول ساهمت في أن تكون عمليات الحفر
والتنقيب كافة بالقوى البشرية
الإيرانية، واكتساب خبرات وطنية في
مجال إعادة بناء حقول النفط ومجال
صناعات البترول، وإنشاء معملين جديدين
للتكرير في "بندر عباس" بطاقة 240
ألف برميل/ يوم، وفي "أراك" بطاقة 170
ألف برميل/ يوم، فضلاً عن زيادة إنتاج
الغاز واستهلاكه في المشروعات والخدمة
العامة، وتصديره إلى كل من تركيا
وأرمينيا والهند وأذربيجان وباكستان،
إلى جانب روسيا الاتحادية.
النفط
والمجتمع المدني
مع
نجاح الإصلاحيين في الوصول إلى إدارة
البلاد وتولي الرئيس محمد خاتمي زمام
الأمور بمساعدة برلمان يسيطر عليه
غالبية من الإصلاحيين، طرح مشروع
المجتمع المدني كأولوية في برنامج
الإصلاح السياسي، ومع إجماع الجماعات
السياسية على عناصر المشروع برزت
الدعوة للإصلاح الاقتصادي وتحديد موقع
النفط في خدمة هذا المشروع؛ ليس كعنصر
داعم للتنمية الاقتصادية فحسب، بل كحصن
مانع للتبعية الأجنبية، وفي هذا الإطار
يؤكد الدكتور "محسن نور بخش" –الرئيس
العام للبنك المركزي الإيراني وأكثر
المتبصرين من المسؤولين التنفيذيين
بالاقتصاد الإيراني- أنه كلما اتجه سعر
النفط لأعلى فإن كل شيء يصبح مشرقًا،
وعندما يتجه إلى أسفل تنقبض النفوس،
وتعبس الوجوه، ويقع النشاط الاقتصادي
تحت الضغط، وهو ما ينعكس أثره على
الجماهير. (همشهري، 25-3-2001م).
وفي
إطار العمل على إشراك الجماهير في
عائدات النفط، وكنوع من الإصلاح
السياسي، أعطت الحكومة أولوية مطلقة
للقطاع الخاص في مجال الاستشارات
النفطية والمقاولات الخدمية الكبيرة
لصناعة النفط، كما عملت على حل مشكلات
صغار المقاولين في هذا الحقل، فضلاً عن
استثمارات القطاع الخاص في مجال
البتروكيماويات، ثم طرحت الحكومة أسهم
شركات البتروكيماويات في سوق الأوراق
المالية؛ لجذب مزيد من استثمارات
القطاع الخاص، كما أنها أعطت لهيئة
التأمين والمعاشات ملكية الشركة
الوطنية لحفر آبار النفط والشركة
الوطنية لناقلات النفط في مقابل
مديونيات الحكومة لهذه الهيئة، وقد
دافع "بيژن نامدار زنگنه" –وزير
النفط- عن سياسة الحكومة فيما يتعلق
بخصخصة شركات النفط بقوله: "إنه طبقًا
للخطة الخمسية الثالثة، فلن يكون هناك
مجال للاحتكار إلا في المواضع التي
حددها الدستور، وواجبنا أن نمنع احتكار
الحكومة على ضوء الخطة الخمسية الثالثة
من ناحية، والمنطق الاقتصادي لحكومة
الثورة من ناحية أخرى". (همشهري، 13-1-2001م).
وإن
كانت إيران لم تستطع -حتى الآن- أن تحقق
طموحاتها في استخدام النفط وعائداته
كوسيلة لتحقيق الإصلاح السياسي إزاء
ضغوط الأوضاع الاقتصادية المعاكسة،
فإنها قد خطت خطوات كبيرة في هذا المجال.
وإن كان من المبكر الحكم على التجربة
الإيرانية في هذا المجال فإن من الضروري
أن يقف المتخصصون العرب عليها لدراستها
والاستفادة منها.
النفط
وإصلاح السياسة الخارجية
لقد
خطت إيران خطوة أوسع في مجال استخدام
النفط لإصلاح سياستها الخارجية ودعم
هذه السياسة، حيث كانت تحرص دائمًا على
الضغط سلبًا وإيجابًا بسلاح النفط
للخروج من عزلتها السياسية مع كسر
الحصار الاقتصادي، ولتحقيق مكاسب
سياسية مثل اتفاقها النفطي مع روسيا
الاتحادية الذي جعل لها حليفًا
سياسيًّا قويًّا يصمد أمام الضغوط
الأمريكية لصالح إيران، كذلك استخدمت
إيران النفط لتنفيذ إستراتيجية سياسية
خاصة بها في المنطقة العربية مثل
اتفاقاتها النفطية مع كل من سوريا
ولبنان، وفضلاً عن ذلك استخدمت النفط
لتوثيق سياستها الخارجية تجاه الدول
المختلفة، مثل اتفاقها النفطي مع تركيا
ومع الهند أيضًا، بل عملت على تحقيق
المصالحة مع بعض الدول التي توترت
علاقاتها معها من خلال النفط، مثل
اتفاقها النفطي مع باكستان ومع أرمينيا.
اقرأ
أيضًا:
*
خبير في الشؤون الإيرانية - الرياض.
|