|
لم
تشهد العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ
بدايتها إثر توقيع معاهدة كامب ديفيد
عام 1979 توترا كما تشهده منذ بدء
الاجتياح الإسرائيلي لمناطق الحكم
الذاتي الفلسطيني، فيما تسميه إسرائيل
"عملية السور الواقي" التي بدأت
بعد يوم واحد من القمة العربية.
صحيح
أن القاهرة أبدت تشاؤما كبيرا منذ وصل
شارون إلى السلطة قبل عام، وأعلن الرئيس
المصري مبارك في أكثر من مناسبة أن
السلام مع شارون أمر صعب جدا إن لم يكن
مستحيلا، لكن القاهرة أبقت على القنوات
الدبلوماسية، وعلى مستوى معقول من
العلاقات السياسية والتجارية مع الدولة
العبرية.
وجاءت
عملية الاجتياح الأخيرة لتضع القاهرة
في مأزق كبير لا تجد له مخرجا.. فالقاهرة
ترتبط مع إسرائيل بمعاهدة سلام تفرض
عليها إقامة علاقات طبيعية كاملة مع
إسرائيل، وتفرض وجود سفراء في القاهرة
وتل أبيب، وبالمقابل فإن الرأي العام
المصري بلغ أوج غضبه ضد العدوان
الإسرائيلي، وبلغت التظاهرات الطلابية
والشعبية في الشوارع والميادين العامة
ذروتها، وشاركت فيها كل التيارات وكل
الفئات حتى تلاميذ المدارس الابتدائية
والإعدادية والثانوية، وهي ظاهرة تفردت
بها مصر عن غيرها من الدول، وكان المطلب
الرئيسي لكل تلك التظاهرات -ولا يزال
حتى هذه اللحظة- طرد السفير الإسرائيلي
من القاهرة وإغلاق السفارة تماما،
وعبروا جميعا عن ذلك بهتافهم: (أول مطلب
للجماهير غلق سفارة وطرد سفير) قاصدين
بذلك السفارة الإسرائيلية والسفير
الإسرائيلي.
مأزق
كامب ديفيد
ولأنه
من الضروري أن تتخذ القيادة السياسية
المصرية موقفا ما لامتصاص غضب
الجماهير، والرد على الصلف الإسرائيلي
الذي استهدف إحراج كل القادة العرب، وهو
في الوقت نفسه يضر بالأمن القومي
المصري؛ فقد أعلنت القاهرة قرار وقف
جميع الاتصالات مع إسرائيل عدا القنوات
الدبلوماسية التي تفيد القضية
الفلسطينية نفسها حسبما جاء في القرار
المصري.
وجاء
هذا القرار بعد أن درست القيادة المصرية
عدة خيارات كان من بينها قطع العلاقات
تماما، وطرد السفير الإسرائيلي أو
تخفيض العلاقات.. غير أن القيادة
المصرية ارتأت الإبقاء على العلاقات
الدبلوماسية حتى لا تُتهم بأنها خالفت
معاهدة كامب ديفيد من ناحية، ولأن قطع
العلاقات وطرد السفير يعني إنهاء حالة
السلام مع إسرائيل؛ وهو ما قد يترتب
عليه قيام إسرائيل بشن حرب على مصر وهي
ليست مستعدة لها.
فلو
اتخذت مصر قرارا بقطع العلاقات -كما
يقول الدكتور "مصطفى الفقي" رئيس
لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب
المصري، أحد مهندسي السياسة الخارجية
المصرية- فإن هذا القرار سيفتح جبهة على
مصر في ظل ظروف ملتهبة.
أيضا
فإن قرارا بقطع العلاقات الدبلوماسية
قد يكون سلاحًا غير ذي فائدة، ولا يمنع
الحرب من الناحية العملية، بدليل أن
الهند وباكستان خاضتا عدة حروب، وكان
لكل منهما سفير في عاصمة الدولة الأخرى،
ونفس الشيء حدث مع أمريكا والاتحاد
السوفيتي سابقا إبان أزمة خليج
الخنازير، وطوال فترة الحرب الباردة.
ومن
الواضح أن القاهرة اعتبرت أن قرارها
بقطع كل الاتصالات ما عدا القنوات
الدبلوماسية مع إسرائيل هو أقصى ما يمكن
أن تتخذه في ظل المعطيات القائمة، وفي
ظل التزاماتها التي فرضتها عليها
اتفاقية كامب ديفيد، وفي ظل مراعاة
الدور الأمريكي الذي لا يقل عدوانية
وانحيازا لإسرائيل في الوقت الراهن.
وقد
قاومت القاهرة مرات عدة فكرة اتخاذ قرار
عربي على مستوى القمة أو على مستوى
وزراء الخارجية، وآخرها في اجتماع
وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم
السادس من أبريل بقطع العلاقات، وطرد
سفراء إسرائيل من الدول العربية الثلاث
التي تقيم علاقات دبلوماسية مع
إسرائيل، وهى مصر والأردن وموريتانيا
لأسباب عديدة، بعضها يتعلق بالسيادة
المصرية، وبعضها يتعلق بالتمسك بشعرة
معاوية مع إسرائيل، وفق تصور بأن شارون
لا يمثل كل الإسرائيليين وأن الكثيرين
يعارضون.
لكن
القرار المصري الأخير -بحسب المراقبين-
جاء غائما؛ إذ لم يوضح طبيعة الاتصالات
التي سيتم قطعها، وما إذا كانت ستشمل
قطع الإمدادات البترولية المصرية
لإسرائيل، ووقف الصفقات الاقتصادية،
وقطع خطوط الطيران بين القاهرة وتل
أبيب، ووقف التطبيع الزراعي والسياحي،
أم أن الأمر سيقتصر فقط على مجرد إلغاء
بعض الزيارات التي تنظمها وزارة
الزراعة المصرية لبعض الخريجين
المصريين وبعض شباب الحزب الوطني
الحاكم إلى إسرائيل في إطار نشر ما
يُسمى ثقافة السلام؟
القرار
المصري.. لا يؤثر ولا يخيف!
وعلى
الرغم من أن الإعلام الرسمي حاول تصوير
القرار المصري بمظهر قوي، كما نُقل عن
وزير الخارجية المصري أحمد ماهر قوله:
إن هذا القرار إشارة مهمة لشارون عليه
أن يفهم مغزاها، وإن هذا القرار قد
تتبعه إجراءات أخرى، إلا أنه لم يلقَ
استحسانا من الشارع المصري الذي عبر عن
خيبة أمله في هذا القرار، وخرجت
المظاهرات مرة أخرى سواء في الجامعات
المصرية أو في نقابة المحامين أو
الصحفيين أو أمام جامعة الدول العربية
أو بالقرب من السفارة الإسرائيلية
لتهتف: (القرار المصري قرار ضعيف.. لا
يؤثر لا يخيف)!
وجدّدت
المظاهرات دعوتها مرة أخرى بضرورة طرد
السفير الإسرائيلي وغلق السفارة
الإسرائيلية، وتساءل المتحدثون أمام
المتظاهرين: متى ستقطع مصر العلاقات
تماما؟ وهل ستنتظر حتى يموت كل الشعب
الفلسطيني أو حتى يدخل جيش الاحتلال إلى
شوارع القاهرة نفسها؟ وهم في تساؤلهم
هذا إنما يقتبسون بعض كلمات الرئيس
السوري "بشار الأسد" في مؤتمر
القمة الأخير في بيروت في السابع
والعشرين من مارس الماضي.
ولكن
المشكلة هنا أن الخيارات أمام القاهرة
تبدو محدودة بالنظر لقيود اتفاقية كامب
ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل، فضلا
عن القيود الأمريكية سواء فيما يتعلق
بالدعم الاقتصادي أو العسكري الذي
تعتمد عليه مصر في ظل موقف غاية في
الانحياز لإدارة أمريكية، وربما هذا ما
يدفع شارون لإكمال مهمة تكسير عظام
الفلسطينيين، وهو لا يتوقع رد فعل
عنيفًا من مصر أو غيرها من الدول
العربية.
مبارك..
رسائل تحذيرية
وإزاء
استمرار حالة الغضب الشعبي وعدم رضائه
عن هذا القرار ألقى الرئيس مبارك بيانا
حول تطورات الأحداث في الأرض المحتلة
والموقف المصري منها يوم الخميس الرابع
من أبريل، وكان موجها في معظمه للحكومة
والرأي العام الإسرائيلي، وحمل رسائل
تحذير من مغبة استمرار العدوان
الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني،
وإعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي
ومحاصرة الرئيس عرفات.
وقد
فسر بعض المراقبين بيان الرئيس مبارك
بأنه ربما كان تمهيدا ضروريا لاتخاذ
إجراءات أكثر تشددا إزاء إسرائيل إن هي
لم تسحب قواتها من مناطق الحكم الذاتي،
وتنهي حصارها لعرفات، وتفي بالتزاماتها
التي قطعتها على نفسها في الاتفاقات
التي وقّعتها مع السلطة الفلسطينية،
وفي التفاهمات التي تم التوصل إليها مع
الحكومات السابقة وآخرها تفاهم طابا
الذي قام على أساس اقتراحات الرئيس
الأمريكي السابق بيل كلينتون، في حين
فسر فريق آخر بيان الرئيس مبارك بأنه
محاولة لتهدئة الرأي العام المصري، وفى
نفس الوقت التأكيد على التزام مصر
بالسلام، وذلك عقب المخاوف التي أثارها
قرار قطع الاتصالات مع إسرائيل.
خيار
الحرب والدعم المالي
وإذا
كانت الجماهير المصرية الغاضبة في
القاهرة والمحافظات قد دعت في هتافاتها
إلى فتح باب الجهاد، وفتح الحدود أمام
المتطوعين المصريين لمناصرة الأشقاء في
فلسطين، ودعوة الجيوش العربية للتحرك
لإنقاذ الشعب والسلطة الفلسطينية، فإن
خيار الحرب من وجهة نظر المحللين وخبراء
السياسة والإستراتيجية قرار صعب، وليس
هو القرار المناسب في الوقت الراهن، كما
عبر عن ذلك الدكتور مصطفى الفقي، وكما
يرى الدكتور "وحيد عبد المجيد"
نائب مدير مركز الدارسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام.
فالدعوة
إلى حرب عربية شاملة مع العدو الصهيوني
–كما يقول د.عبد المجيد- دعوة يائسة في
كل الأحوال؛ لأنها لا تقود إلا إلى
إشاعة الإحباط أو تعريض النصر
الفلسطيني للخطر؛ فهي تشيع إحباطا
لتكرارها من دون استجابة لها؛ ليس لأن
الحكام العرب لا يتحملون مسئوليتهم،
ولكن لأسباب ثلاثة موضوعية هي:
أولا:
إن خوض الحرب لا يتم بالضغط على زر، بل
يحتاج إلى استعداد عسكري واقتصادي
وإعداد سياسي ونفسي.
ثانيا:
إن الحرب الظافرة هي التي يأخذ الراغب
فيها زمام المبادرة، ويحدد الوقت
المناسب والظروف المناسبة لها، وليست
تلك التي يندفع إليها كرد فعل انفعالي
مثلما حدث في حربي 1948 و1967، ولا يقبل عاقل
تكرار هذه التجربة، ومهما كان حجم الثقة
في جيوشنا فهذا لا يبرر أن ندفع بها إلى
حرب لا تختار وقتها ولا ظروفها.
ثالثا:
إن أي حرب عربية إسرائيلية في الوقت
الحالي لن تؤدي إلى تغيير ملموس على
الأرض؛ لأنها لن تنتهي إلى منتصر
ومهزوم، وليس صحيحا أن دول الطوق
العربية مرشحة لهزيمة في حال نشوب حرب
ولذلك تسعى إلى تجنبها، ولكن الصحيح
أنها لن تهزم، ولن تنتصر أيضا، ويعني
ذلك أن النتيجة الأكيدة والوحيدة لمثل
هذه الحرب على الصعيد الإقليمي هي ما
يترتب عليها من دمار وخراب.
ولكن
هناك نتيجة أخرى محتملة بل مرجحة تجعل
الحرب خاسرة على الصعيد العربي، وهي
أنها يمكن أن تعرض المقاومة الفلسطينية
لخطر فادح -والكلام للدكتور وحيد عبد
المجيد- الذي يضيف أنه: إذا نشبت حرب
إقليمية فستسحب أنظار العالم وأعلامه
بعيدا عما يحدث في الأراضي الفلسطينية،
وفي مثل هذه الحالة تستطيع إسرائيل
تنفيذ مذابح واسعة النطاق لا تقدر عليها
الآن، وتسحق المقاومة الفلسطينية، وذلك
يعني أن الحرب لا تمثل أي دعم
للفلسطينيين بل ستكون وبالا عليهم.
وإذا
كان القرار المصري بقطع كافة الاتصالات
ما عدا الدبلوماسية مع العدو
الإسرائيلي لم يلبِّ مطالب الشارع
المصري؛ فإن هناك بدائل أخرى -كما يقول د.
وحيد عبد المجيد- على رأسها تخفيض مستوى
العلاقات إلى أدنى حد ممكن من مستوى
سفير إلى مستوى قائم بالأعمال يعاونه
اثنان أو ثلاثة موظفين؛ حيث إن هذا
الخيار لا يُعد خرقا لاتفاق كامب ديفيد،
والخيار الثاني: الدعم المالي
للمقاومة؛ لتلبية متطلبات الصمود
والإنفاق على عائلات وأسر الشهداء؛
ولشراء أسلحة وذخيرة للمقاومة التي
تستطيع حال توفر الأموال أن تشتري هذه
الأسلحة من داخل إسرائيل نفسها.
ومن
الواضح أن القاهرة حرصت بالفعل على أن
تتدرج في خطواتها العقابية ضد إسرائيل
على ضوء تطورات الأوضاع في الأرض
المحتلة، وأنها ربما تعمد إلى تخفيض
مستوى العلاقات حال استمرار العدوان
الإسرائيلي ضد الأراضي الفلسطينية مع
استمرارها -أي القاهرة- في حملتها
لتوفير الدعم المالي للفلسطينيين سواء
عبر القنوات الرسمية أو الجهود
الشعبية، وهو ما دعا إليه الرئيس مبارك
في بيانه الأخير يوم الرابع من أبريل
على الرغم من وجود قيود سابقة كانت تحظر
جمع التبرعات وتقصره على القنوات
الحكومية.
|