 |
تضامن
متواصل مع الشعب الفلسطيني
|
لخص آية الله خامنئي -زعيم الثورة
الإسلامية في إيران- في خطبة الجمعة
التي ألقاها في الخامس من إبريل الجاري
الموقف الإيراني من محنة شعب فلسطين
وقيادته؛ ففيما يتعلق بمباحثات التسوية
مع إسرائيل قال: إن المفاوضات مع
النظام الصهيوني الذي لا يبالي تماما
بالقوانين والقرارات الدولية سبيل
خاطئ، ولا نتيجة ترجى منه؛ فالأوضاع في
"رام الله" والهجوم على مقر قيادة
الحكم الذاتي يشير إلى عدم احترام
إسرائيل للاتفاقات التي توقعها.
وبناء
على ذلك، فإن المباحثات والمفاوضات لن
تأتي بأية نتيجة، والانتفاضة هي ثورة
شعب يغلي أسرع إلى ميدان المواجهة مع
النظام الصهيوني، معتمدا على هويته
ووعيه وشرفه وعزته.
وأكمل:
"إن المنظمات الفلسطينية المناضلة –مثل:
فتح، وحماس، والجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين، والجهاد الإسلامي، وسائر
الجماعات الجهادية- هي السبيل الحقيقي
لإنقاذ فلسطين؛ لأنها أدركت معنى
الفداء والتضحية؛ وأدركت حقيقة أن
العدو عاجز أمام العمليات الاستشهادية.
وإن عرفات -بإبداء استعداده للاستشهاد-
قد أخذ الموقف المناسب. وإن الشعب
الفلسطيني باختياره طريق الاستشهاد
يجعل المسؤولين في قيادة الحكم الذاتي
يصمدون في مواقعهم ولا يسلمون، وهذا ما
نأمله". (صحيفة همشهري، 6/4/2002م).
موقف
أصيل
وهذا
الموقف ليس جديدا على السياسة
الإيرانية؛ فقد لعن الخميني -زعيم
الثورة الراحل من قبل- كل يد امتدت
بالسلام لإسرائيل، وكل من يستمر في هذا
الطريق (صحيفة جمهوري إسلامي، 12/9/ 1978م)؛
وكذلك فعل الزعيم الحالي (إطلاعات، 4/6/1990م).
كما اعتبر كل من خامنئي ورفسنجاني عملية
"تطبيع العلاقات" مع إسرائيل خيانة
عظمى للإسلام والعرب والفلسطينيين (صحيفة
كيهان، 8/10/1994م).
واستمرارا
لهذا النهج، عارضت إيران عملية التسوية
بين العرب وإسرائيل منذ 1991 بوسائل
مختلفة؛ ربما يبدو بعضها غير واقعي مثل
إعلان اللواء محسن رضائي -القائد العام
لجيش حراس الثورة الإسلامية آنذاك- عن
تكوينه "جيش القدس"، مؤكدا أنه
الحل الوحيد، ليس فقط لاسترداد الأراضي
المحتلة عام 1967م، بل وتحرير الأراضي
التي استولت عليها إسرائيل كافة. وجاء
ذلك الإعلان في كلمته أمام مؤتمر طهران
الدولي لدعم ثورة الشعب الفلسطيني الذي
تم عقده في أكتوبر 1991م؛ ونشرته صحيفة (جمهوري
إسلامي) بتاريخ 21/10/1991م، وأكد رفسنجاني
هذا الإعلان بقرار وقوف إيران في الخط
الأول للجبهة ضد إسرائيل.
وفي
هذا الإطار، اختارت إيران الجمعة
الثالثة من شهر رمضان من كل عام ليكون
يوما للقدس، وإن كانت إيران لم تعارض
وحدها الاتفاقات التي عقدها
الفلسطينيون مع إسرائيل؛ فقد كانت
الدولة الوحيدة التي نددت بها، واتهمت
القيادة الفلسطينية بالعمالة والخيانة
وإضاعة الأماني القومية للشعب
الفلسطيني. كما مضت في محاولاتها لإجهاض
هذه الاتفاقات، مؤكدة أن معارضتها
للمصالحة مع إسرائيل سببها أن إسرائيل
دولة إرهابية.
وقد
عبر الرئيس خاتمي عن هذا بقوله: "إن
النظام الصهيوني هو أكبر مظهر للإرهاب
الدولي والعنصرية العالمية، إننا نريد
السلام في فلسطين، السلام الذي يتمتع به
المسيحي والمسلم واليهودي العربي وغير
العربي وكل من يعيش على أرض فلسطين حياة
مستقرة وهادئة، إن النظام الصهيوني لم
يكتف بالاعتداء على حقوق الشعب
الفلسطيني، وإنما اعتدى أيضا على شعب
لبنان وسائر الشعوب العربية
والإسلامية، إن اعتراضنا على النظام
المحتل للقدس هو اعتراض على الإرهاب في
العالم، إننا نعتبر المقاومة حقا
مشروعا للدول المعتدى عليها". (صحيفة
رسالت، 4/9/1997م).
الثورة
الإسلامية تتجاوز الحدود
ومن
هنا، تعتبر إيران مساعدتها لـ"حزب
الله" في لبنان واجبا مذهبيا وثوريا،
وتؤكد أنها ستستمر في دعمه طالما ظلت
أراضيه محتلة أو مهددة. ولقد عبرت الصحف
الإيرانية عن الرؤية الإيرانية لانتصار
المقاومة اللبنانية بخروج القوات
الإسرائيلية من جنوب لبنان. يقول المحلل
السياسي رضا أمر الله: "إن المقاومة
اللبنانية ثمرة جهود المناضلين
الإيرانيين، أمثال الشهيد مصطفى چمران
ومحمد منتظري، وعلي أكبر محتشمي پور،
بالتعاون مع الإمام موسى الصدر الذين
أسسوا مدارس ثورية ومعامل لتفريخ أشبال
الثورة في المناطق النائية في إيران،
وتبني الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين
15 و16 سنة، وإعدادهم لمحاربة النظام
الصهيوني، الذين تمكنوا بعد ثلاثين
عاما من الكفاح من إجبار الصهاينة على
الخروج من أراضيهم". (همشهري، 31/5/2000م)
وهكذا
تجزم إيران بأن حركة الثورة الإسلامية
خارج الحدود الإيرانية لها نتائج فعالة.
ولعل الأساس الذي ينطلق منه الموقف
الإيراني في هذا الاتجاه أساس أمني في
المقام الأول يدعمه فكر مذهبي وثوري؛
باعتبار أن الإستراتيجية الإسرائيلية
تتعارض مع الإستراتيجية الإيرانية؛ كما
أن أنشطتها تتقاطع مع الأنشطة
الإيرانية في مختلف أنحاء العالم، وهو
ما يجعل إسرائيل قطبا متنافرا مع إيران،
ويجعل إيران ترفع قضية فلسطين إلى مستوى
القضية الإسلامية الشعبية الأولى
بالنسبة إليها. (كلمة خامنئي في الذكرى
الأولى لوفاة الخميني، جمهوري إسلامي،
4/6/1990م).
الإدارة
الأمريكية مثل النازية
وإذا
كان خامنئي قد جدد في خطبته الأخيرة
إعلانه بأن القضية الفلسطينية قضية
إسلامية؛ فقد أضاف أنها قضية إنسانية
وبشرية؛ حيث أثبتت موجة الاعتراضات
التي شملت العالم كله على الهجمة
الصهيونية الشرسة على الأراضي
الفلسطينية والمقدسات الإسلامية
والمسيحية في القدس وبيت لحم ذلك الأمر،
مؤكدا أن الولايات المتحدة هي الدولة
الوحيدة التي تساند هذه الوحشية
الإسرائيلية، وهي التي اتخذت أسوأ موقف
ممكن بالدفاع عن الجرائم والعمليات
العسكرية الإسرائيلية.
وفي
إطار ذلك يشير خامنئي إلى مواقف الإدارة
الأمريكية؛ ومنها خروج الولايات
المتحدة من الميثاق العالمي للمحافظة
على البيئة، وخروجها من ميثاق تخفيض
الأسلحة المضادة للصواريخ، ودعوتها
الشعوب الغربية لتحقير المسلمين
والشرقيين، مؤكدا أن الرئيس الأمريكي
كان ولا يزال يتخذ موقفا في مواجهة "السلام
العالمي"، وهو ما تؤكده إدانته
للمقاومة الفلسطينية واعتبارها
إرهابا، وتأييده للعمليات العسكرية
لجيش الاحتلال؛ حيث إنه لولا الضوء
الأخضر الأمريكي للنظام الصهيوني لما
قامت إسرائيل بهذه الجرائم.
ومن
هنا يعتبر خامنئي حكومة الولايات
المتحدة الأمريكية شريكة في الجرائم
التي يمارسها الجيش الإسرائيلي الآن.
كذلك يرى أن منطق أمريكا في إدارة
العالم هو العنف؛ ومن ثم فإنها مثل هتلر
في هذا الصدد، ولكنها ستُهزم كما هُزمت
النازية. وإن هزيمتها في فيتنام دلت على
أن منطق العنف لن يكون له من نتيجة غير
الفشل والهزيمة، ومن هنا فإن هزيمة
النظام الصهيوني حتمية يؤكدها جوهر
الأحداث الجارية في الأراضي الفلسطينية
المحتلة.
السيناريو
الإيراني لحل القضية
أكد
خامنئي من جديد في خطبة الجمعة -التي
أشرنا إليها- اقتراحات إيران لحل
القضية، معتبرا أنها انعكاس لرأي سكان
فلسطين الحقيقيين، وتتضمن: عودة جميع
المشردين الفلسطينيين إلى وطنهم،
واشتراك جميع أفراد الشعب الفلسطيني من
مسلمين مسيحيين ويهود في اختيار
حكومتهم. وهذه المقترحات تنطبق مع أسس
الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتبدو
منطقية تماما وقابلة للتنفيذ.
وحتى
يمكن إيجاد أرضية مناسبة لتنفيذها
يقترح خامنئي أن تقوم الدول العربية
والإسلامية بمقاطعة نفطية لإسرائيل
والدول التي لها علاقات طيبة معها،
بالإضافة إلى استخدام السلع
الإستراتيجية كالقمح والسلع الغذائية
سلاحا في هذا المجال لمدة شهر واحد كرمز
لدعم الشعب الفلسطيني، مؤكدا أن العالم
كله سوف يهتز. فضلا عن ذلك تقوم الدول
العربية والعالم الإسلامي بقطع جميع
العلاقات والاتفاقات السياسية
والاقتصادية مع النظام الصهيوني، مؤكدا
أن هذه الإجراءات سوف تسعد الشعوب،
وتجعلها تقف وراء حكوماتها.
كما
دعا خامنئي الأمم المتحدة والمنظمات
العالمية لحقوق الإنسان بتفعيل دورها
في الدفاع عن شعب فلسطين، وتقديم
المساعدات المالية والغذائية والأدوية
للشعب الفلسطيني. واعتبر هذا واجبا يقع
على عاتق الحكومات والشعوب، مشيرا إلى
أن إيران كانت دائما في مقدمة الشعوب
الداعمة للشعب الفلسطيني، مؤكدا أنه لو
أن كل مسلم تبرع للشعب الفلسطيني بمبلغ
ألف تومان (حوالي دولار وربع)، فإن هذا
المبلغ سيكون بمثابة رأسمال كبير للشعب
المظلوم.
البيان
الإيراني.. لإيران وغيرها
وقد
استجاب الشعب الإيراني لدعوة الزعيم؛
وخرجت مسيرات صاخبة في جميع أنحاء إيران
تنادي بالموت لكل من إسرائيل وأمريكا.
وتجمع المشتركون في مسيرة طهران أمام
السفارة الفلسطينية حيث ألقيت الكلمات
الحماسية، ثم أصدر المجتمعون بيانا
قرأه حجة الإسلام علي أكبر محتشمي پور -أمين
عام المؤتمر الدولي لدعم انتفاضة الشعب
الفلسطيني-، وقد طالب البيان جميع الدول
العربية والإسلامية بتعليق جميع أنواع
العلاقات الاقتصادية والتجارية
والسياسية مع إسرائيل والولايات
المتحدة.
كما
طالب الدول النفطية بمنع النفط عن الدول
الداعمة للنظام الصهيوني، وطالب الشعوب
الإسلامية والعربية بمقاطعة السلع
الأمريكية والإسرائيلية، على أن تقوم
الحكومات الإسلامية بمنع دخول هذه
السلع إلى أراضيها. كذلك طالب الحكومات
العربية والإسلامية بالسماح بإنشاء
مكاتب تطوع للراغبين من مواطنيهم في
الالتحاق بصفوف المناضلين الفلسطينيين.
وقد
كرر البيان هذا الطلب نفسه على الحكومة
الإيرانية لكي تيسر سبل تطوع
الإيرانيين لمساعدة إخوانهم
الفلسطينيين وإرسالهم إلى فلسطين. فضلا
عن هذا، فقد طالب البيان الدول المجاورة
لإسرائيل أن تفتح حدودها للمتطوعين من
الشعوب الإسلامية، وأن تقدم لهم العون
المادي والمعنوي والأسلحة. وفي نهاية
البيان أدان المجتمعون بشدة إعادة
إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية،
والمجازر التي ارتكبها الجيش
الإسرائيلي في حق الفلسطينيين العزل،
وقد اشترك في التوقيع على هذا البيان
ممثلون عن كل الأحزاب والجماعات
السياسية والنقابات المهنية وفئات
الشعب كافة؛ من طلاب وعمال وعلماء دين
وموظفين رسميين. (صحيفة إطلاعات، 6/4/2002م)
ومما
يلاحظ أن البيان الشعبي - الذي تؤيده
هتافات المتظاهرين - ينسجم كَمًّا وكيفا
مع خطبة الزعيم وتصريحات المسؤولين
الإيرانيين، بما يجعل الموقف الإيراني
واضحا تجاه المحنة الفلسطينية. وهو موقف
يطالب الدول العربية والإسلامية باتخاذ
خطوات عملية في مواجهة التعديات
الإسرائيلية، ويقترح هذه الخطوات
مُبديا عدم اقتناعه بما خرج به مؤتمر
القمة العربي من قرارات؛ بل وصفها على
لسان هاشمي رفسنجاني -رئيس مجمع تحديد
مصلحة النظام- بأنها ميزة كبيرة
لإسرائيل لتجاهلها الجزء الأكبر من
التراب الفلسطيني، ولعدم إدراكها أن
الشعب الفلسطيني مصمم على انتزاع حقه،
وأن المعركة أصبحت جادة تماما. (همشهري،
5/4/2002م). كما يبدي الموقف الإيراني يأسه
من الحكومات العربية والإسلامية، وإن
كان يحدوه الأمل في أن يكون تواجد
الشعوب العربية والإسلامية على الساحة
مؤثرا في اتخاذ الحكومات مواقف عملية.
خلاصة
وتقويم
وفي
قراءة سريعة للموقف الإيراني، يمكن أن
نجد مبادرة إيرانية للتعاون مع الدول
العربية والإسلامية لتحقيق معادلة
إقليمية يمكن أن تعيد إسرائيل إلى
حجمها، وتجعلها تعيد النظر في أعمالها.
ولا شك أن هذه المبادرة الإيرانية
بعناصرها الواضحة جديرة بالتأمل
والوقوف عندها؛ فالمقترحات التي
تضمنتها هذه المبادرة اشتملت على ما
يمكن أن يعرض أمن إيران واقتصادها
للخطر؛ وهو نوع من التضحية المشجعة
للتضامن الإسلامي.
اقرأ
أيضًا:
|