بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الدولة الفلسطينية.. هدف مشروع ورؤى مخادعة

07/04/2002م

نبيل شبيب*

الضجة المثارة حول ذكر "الدولة الفلسطينية" في قرار مجلس الأمن الدولي أو على ألسنة بعض الزعماء الغربيين، ولا سيما الرئيس الأمريكي جورج بوش، تشكل نوعًا من الإخراج السياسي الدولي على أعلى المستويات، لقطع مرحلة جديدة في العمل المستمر منذ أكثر من نصف قرن لتصفية قضية فلسطين، بتحويلها من قضية اغتصاب باطل للأرض مقابل حق مشروع لتحريرها، إلى مجرد قضية مساومات ومفاوضات على شكليات فرعية ونسب مئوية. وهذا جنبًا إلى جنب مع فتح المجال تحت عنوان "التطبيع"؛ لترسيخ الوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية بكاملها، وليس في فلسطين فقط، وإضفاء صبغة مصطنعة من "الشرعية الدولية" عليه.

ولذا يبدو من الضروري تحليل تلك "الرؤى" للدولة الفلسطينية في سياق التطور التاريخي لتعامل أطراف الصراع مع القضية، وعلاقة هذه الرؤى بالشرعية الدولية، وذلك على النحو التالي:

بين طرح "الرؤى" والشرعية الدولية

يتحدّث القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي يوم 13-3-2001م عن رؤية مستقبلية لمنطقة توجد فيها دولتان: إسرائيلية، وفلسطينية، جنبًا إلى جنب، تعيشان في حدود آمنة معترف بها. ويستند القرار إلى قرارات سابقة للمجلس نفسه.. ولكن لا يذكر مثلاً حق تقرير المصير، بمفهومه الأصلي، أي كمبدأ ثابت في المواثيق الدولية، وجزء لا يتجزَّأ من الشرعية الدولية.

ولا يقبل حق تقرير المصير "تقليصًا" أو "تجزئة" أو "انتقاصًا"، وبالتالي فإن أي "جهة" تصنع ذلك عبر قرار أو عبر إجراء ما، يفقد قرارها أو إجراؤها مفعوله بمقياس الشرعية الدولية، وهذا ما يسري أيضًا على مجلس الأمن الدولي الذي تتقلب مضامين قراراته مع تقلّب موازين القوى الدولية.

ومن أبرز الوسائل غير القابلة للإلغاء أو "التشويه" في ممارسة حق تقرير المصير بالذات وسيلة "الاستفتاء الشعبي" الشامل، وخلوّه من التشويه، وهو ما يعني في حالة فلسطين إجراءه بصورة شاملة لسائر أبنائها داخل الأرض المحتلة وخارجها، ولا يكون هذا "الاستفتاء" شرعيًّا وفق نصوص القانون الدولي إلا إذا كان:

1 - استفتاء حرًّا.. وهو ما يتطلب مثلاً طرح خيارات حقيقية فيه، وليس خيارين أحلاهما مرّ كما يقال، كاستمرار الاحتلال الباطل بالقوة أو قيام كيان على جزء من الأرض بسيادة مقيدة على مختلف الأصعدة.

2 - واستفتاء نزيهًا.. وهو ما يتطلب توفير ضمانات كافية للحيلولة دون فرض نتائجه مسبقًا، بما يتضمنه ذلك من عملية شرح ما يجري التصويت عليه لسائر من يحق لهم التصويت، ومراقبة عملية التصويت نفسها.

3 - واستفتاء خاليًا من الضغوط.. وهو ما يعني في الحالة الفلسطينية ألا يجري تحت تأثير ما يتركه التقتيل والتشريد والإرهاب المتواصل منذ عدة أجيال، من صنوف الضغوط الرهيبة على الأفراد.

4 - واستفتاء خاليًا من التزييف.. سواء في آلية إجرائه، أو تحديد نتائجه.

إن هذه "الوسيلة" المشروعة لتحقيق هدف مشروع، كما تقرره نصوص المواثيق الدولية كميثاق الأمم المتحدة نفسها، أو ميثاق حقوق المواطنة من عام 1964م، مختلفة دون ريب عن أي وسيلة تنبثق أو يمكن أن تنبثق عن "الرؤية" المستقبلية المطروحة حاليًا، من أجل خنق الانتفاضة.

وهذا ما يسري على هذه "الرؤية"، سواء وضعت في صياغة قرار مجلس الأمن الدولي، أو ترددت على ألسنة المسؤولين، الذين تضاعفت جهودهم الراهنة في ساحة الأحداث بصورة ملحوظة، ربّما لإنقاذ المنطقة من الوقوع في حرب تفرضها القوة العسكرية التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية في أيدي مجرمي حرب من طراز شارون، ولكن الغرض الأهم هو العمل على إنقاذ كيان الاحتلال الباطل نفسه من انهيار داخلي، تزداد مقدمات حدوثه شهرًا بعد شهر من عمر الانتفاضة التي تحولت إلى حركة "مقاومة من أجل التحرير" بمعنى الكلمة.

بين طرح "الرؤى" والواقع المأساوي

المؤيدون لهذه "الرؤية" المستقبلية القاصرة، أو المبادرات العربية، أو غيرها من المساعي التي تظهر على ساحة الأحداث، يبررونها بأنها يمكن أن تضع حدًّا للمأساة الراهنة لشعب فلسطين، بمعنى وقف سيل الدماء. ولكن هل يتوقع ذلك حقيقة إذا علمنا أن هذا يعني في الوقت نفسه العودة إلى شبيه ما كان في سنوات "أوسلو" السبع.. أي قيام فئة من الفلسطينيين –سواء السلطة الحالية أو من يرثها- بدور الملاحقة والاعتقال تجاه من يمارسون المقاومة ضد الاحتلال؟

لا يستغرب هنا ذلك الإصرار على وضع العنوان الأمني فوق كل اتصال يجري، ليس كعنوان فقط، بل من حيث اختيار الأشخاص، ومضامين التفاوض، ونقاط جداول الأعمال، ونصوص الاتفاقات، التي تشمل على سبيل المثال، نزع الأسلحة، وتصفية الكوادر، والقضاء على البنية الهيكلية…

وإذ لا تخفى حقيقة واقعنا العالمي المعاصر، ولا يخفى أيضًا ما ثبت مرة بعد مرة من حتمية ضياع الحقّ المجرد من القوة، فإن الإقدام على تلك الخطوات يعني "قتل" المقاومة مستقبليًّا، بل وحتى "تمزيقها كورقة مفاوضات" عند من لا يريد فهمها إلا على هذا النحو، وهذا ما يُضعف مسبقًا حتى احتمالات تنفيذ مضامين "الرؤية" المستقبلية الممسوخة بشأن دولة فلسطينية.. فهل هذا المقصود برفع "المعاناة" عن الشعب الفلسطيني؟

إن عذر "رفع معاناة الشعب الفلسطيني أو تخفيفها" كان غالبًا هو العذر المعلن مع كل خطوة عربية –وحتى غير عربية- باسم "السلام"، منذ ظهرت القضية في التاريخ الحديث. والسؤال: هل كانت تلك الخطوات تؤدّي إلى رفع المعاناة أم زيادتها وترسيخ أسبابها؟

إنّ ما يُعرض الآن تحت عنوان "رؤية" مستقبلية لدولة فلسطينية سبق أن أُعلن عشرات المرات، ومن جانب سائر الأطراف الدولية، والعربية أيضًا، وكان يرافقه في كل مرة "خنق" تحرّك شعبي متصاعد، عندما تلوح في أفقه معالم مرحلة أخرى من مراحل مسيرة التحرير الطويلة. وكان حتى القدر القليل الموعود في تلك الرؤى المستقبلية.. لا يتحقق أيضًا بعد أن ينقضي الأمر ويتحقق مفعول المخادعة.

هذا ما تكرر أكثر من مرة، منذ ثورة القدس ويافا عامي 1920 و1921م، وصدور الكتاب الأبيض البريطاني الأول عام 1922م، إلى ثورة القسَّام بعد 1935م وصدور الكتاب الأبيض البريطاني الثاني عام 1939م، فبينما كانت بريطانيا تعطي الفلسطينيين والعرب "كلامًا"، يتحوّل إلى مادة للنقاش والحوار والمفاوضات، كانت تعطي المنظمات الإرهابية الصهيونية أسباب السيطرة على الأرض، من القوة البشرية عبر الهجرة، والميزات الجغرافية عبر الإجراءات المتخذة على الأرض، والأسباب العسكرية عبر تجارة السلاح، حتى وصل التعاون إلى أقصى مداه أثناء "الحرب العالمية الثانية"، وتحوّلت العصابات الإرهابية خلاله إلى "فرق عسكرية" شكَّلت نواة جيش دولة الاحتلال من بعد.

وعند اكتمال هذه الاستعدادات لتنفيذ هدف الاغتصاب بالقوة، وإنشاء دولة الاحتلال رسميًّا مكان دولة الاحتلال البريطاني، أحالت بريطانيا القضية إلى الأمم المتحدة عام 1947م؛ لتتابع مهمة طرح "الرؤى" السلمية على امتداد الأعوام الثلاثة التالية، قبل وبعد الحرب الأولى بفلسطين، ثم في العقود التالية جزئيًّا، بعدما تولت الولايات المتحدة العبء الرئيسي في إدارة الصراع.

موقع "الرؤى" الأمريكية من القضية

لا ريب أن الولايات المتحدة الأمريكية آخر من يصح الاعتماد على أطروحاتها أو وعودها، ليس بسبب سياستها العدوانية الحاضرة فحسب، بل لأنه لا ينبغي أن يلدغ "عاقل" من جحر عشرات المرات.. ونأخذ من تاريخ القضية المعاصر تاريخين يحصران ثلاثين عامًا من معالم "لم تتبدّل" في السياسة الأمريكية تجاه قضية فلسطين، ويعبّران عنها:

1 - في عام 1919م عندما أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى فلسطين ما عرف بلجنة كينج، لتقصي الأوضاع في ضوء ما كانت تسعى بريطانيا لصنعه من أجل تنفيذ "وعد بلفور".. فكان الموقف الأمريكي بناء على تقرير اللجنة واضحًا، وهو الاعتراف المباشر بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في أرضه الفلسطينية التي لم تكن نسبة الغاصبين اليهود فيها قد بلغت 10% من السكان بعد. وقد جاء هذا الموقف الأمريكي قبيل تحرّك (عصبة الأمم) لتضع مستقبل فلسطين بيد "الدولة البريطانية" المهيمنة عالميًّا آنذاك.

2 - ثم في عام 1945م عندما بعث الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت إلى الملك السعودي آنذاك عبد العزيز بن سعود، رسالة جاء فيها أن الحكومة الأمريكية لن تبدّل سياستها تجاه قضية فلسطين، إلا بعد مشورة العرب، وأنها لن تقوم بأي أعمال عدائية تجاه الشعب الفلسطيني في بلاده.. وجاء ذلك قبيل تحرّك (الأمم المتحدة) لتضع اللمسات الأخيرة على ما حققته بريطانيا والسياسة الغربية عمومًا خلال العقود السابقة، وأوصل إلى الاحتلال الاستيطاني لفلسطين.

المتأمل في المواقف الأمريكية في تلك الحقبة يجدها تتحدث عن حق تقرير المصير، وعن الدولة الفلسطينية، وعن مراعاة الدول العربية…، ولكن لا يجد أية جهود عملية لمنع استمرار الهجرة اليهودية واغتصاب الأراضي مثلاً، مع كل ما أدّى إليه ذلك من نكبات، مع ملاحظة أن السياسة "الدولية" الأمريكية كانت قد بدأت تتحرّك بعد الحرب العالمية الأولى، وبدأت تظهر أهدافها للهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية، لا سيما في ميدان النفط الخام، وهو ما تشير إليه كتب التاريخ الحديث بانتقال إرث الدولة البريطانية الاستعمارية إلى الولايات المتحدة.

لم تكن تلك الحقبة من تاريخ فلسطين تختلف عن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، سوى أن الدور البريطاني كان هو "المنفذ" مباشرة لعملية العدوان الكبرى على فلسطين في قلب الأرض الإسلامية، بينما كان الدور الأمريكي شبيهًا بالدور الأوروبي الآن؛ إذ اقتصر على طرح المواقف المهدئة، والرؤى المخادعة، وعمل على شغل دول المنطقة بالحوار حولها، مساهمًا في "كبح" احتمالات التحرّك المضاد، بل وفي دفع تلك الدول أحيانًا إلى الإسهام في تنفيذ المشاريع العدوانية الأوروبية.

وفي فترة تلك المواقف الأمريكية الكلامية كانت السياسة البريطانية قد قطعت على أرض الواقع شوطًا كبيرًا في تمكين الصهاينة من السيطرة على 7% من الأرض العربية، مع رفع نسبتهم السكانية إلى أقل من الثلث بقليل.

وحافظت الولايات المتحدة الأمريكية على هذا الموقع من القضية أثناء تحويل قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة، ثم بدأ التحوّل التدريجي مع استكمال استلام "الإرث الاستعماري البريطاني":

1 - في عام 1946م شارك الأمريكيون في لجنة دولية تشكلت للنظر في مستقبل فلسطين بعد إنهاء ما سمي "الانتداب البريطاني"، وكان قد بدأ الحديث عن "تقسيم فلسطين"، فكان الموقف الأمريكي يطالب بدولة "ديمقراطية" يعيش فيها الجانبان معًا، علاوة على مطالبة اللجنة بوقف الهجرات اليهودية إلى "أرض ضيقة" لا يمكن أن تحتمل ذلك العدد الكبير من المهاجرين.

ولكن بعد عام واحد أيدت الولايات المتحدة الأمريكية قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو القرار الذي يقرر قيام دولة فلسطينية وأخرى لليهود، ووضع منطقة القدس تحت إشراف دولي.

2 - في عام 1948م كان "جيوسوب" المندوب الأمريكي لدى مجلس الأمن الدولي يطالب بقيام دولة فلسطينية.. وفي العام نفسه وافقت بلاده على القرار الذي ترفض الحديث عنه الآن، وهو القرار رقم 194 بشأن حق العودة للفلسطينيين المشردين في حرب عام 1948م عن أرضهم.

ولكن تلك المواقف لم تتجاوز في حينها حدود "إلهاء الدول العربية" أو إعطاء مبررات لما قامت به آنذاك، ومنه خنق مبادرات فلسطينية لتأسيس دولة، أو متابعة القتال بعد موافقة الحكومات العربية على "هدنة" أصبحت مرتكزًا رئيسيًّا للنكبة الأولى.

ومع قطع المرحلة الأولى وترسيخ أقدام دولة الاحتلال في جزء من فلسطين لم تَعُد توجد حاجة إلى أطروحات مهدئة ورؤى مخادعة، فإذا بتغيير الخطاب السياسي والمواقف السياسية الأمريكية في اتجاه الأسوأ يصل إلى مداه، وهو ما يربطه بعض المتابعين للسياسات الأمريكية بوصول ترومان إلى منصب الرئاسة، والواقع أن الذي تغيّر لم يكن "آلية صنع القرار" في الولايات المتحدة، إنما تبدّلت قوالب "تبرير" توثيق العلاقات العربية الرسمية بها رغم سياساتها المعادية في قضية مصيرية كقضية فلسطين، فبعد أن كان هذا التبرير يعتمد قبل الحرب العالمية الثانية على "صياغة" المواقف الأمريكية صياغة مغرية دون اقترانها بإجراءات عملية، أصبح يعتمد على تفسير صياغة تلك المواقف صياغة عدوانية متبجحة، بأن هذا مرتبط برئيس جديد استلم السلطة، فينبغي الانتظار حتى يأتي سواه، وهو ما تكرر منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن.

ثم لم يصدر طوال العقود الخمسة الماضية موقف أمريكي في صالح الطرف الفلسطيني أو العربي في الصراع الدائر ولو جزئيًّا أو كلاميًّا، باستثناء موقفين معروفين، أحدهما في عام 1957م بالمطالبة بانسحاب قوات الهجوم الثلاثي على مصر، وهو ما كان ينسجم في الدرجة الأولى مع المعطيات السياسية الدولية وتثبيت دعائم الهيمنة الأمريكية في الغرب وعالميًّا، والموقف الثاني في عام 1991م وهو وقف بعض المساعدات المالية لصالح الكيان الإسرائيلي؛ ليوقف تمويل بناء المستعمرات الجديدة على الأرض المغتصبة في عام 1967م.

ومن السذاجة السياسية بمكان الآن تقويم "الرؤية" الأمريكية عن "دولة فلسطينية" بمعزل عن إعلان واشنطن ما أسمته "الحرب ضد الإرهاب"، وهو ما اتخذ على أرض الواقع صيغة حرب "شاملة" ضد الإسلام والمسلمين، وقد صدر أوّل إعلان "جديد" عن تلك الرؤية للدولة الفلسطينية على لسان بوش الابن في مطلع أكتوبر 2001م، أي مع بدء المرحلة الأولى من حرب الإرهاب، حتى إذا حصلت الولايات المتحدة الأمريكية على كثير مما تريد –عالميًّا- في مطلع حربها في أفغانستان، تركت أحداث فلسطين تتطوّر من حملات عسكرية إسرائيلية ميدانية ضد الشعب الفلسطيني، إلى حرب شاملة تستخدم فيها سائر وسائل البطش، دون أن تجد مجرّد "تنديد" أمريكي جادّ، وذلك مقابل ما هو معروف من مواقف متوالية ضد السلطة الفلسطينية.

وصدر الإعلان الرسمي الثاني عن تلك الرؤية مرافقًا لإعلان الرئيس الأمريكي بوش في كلمته بمناسبة مرور ستة أشهر على تلك التفجيرات، وقوله: إن المرحلة الثانية في حربه "ضد الإرهاب" قد بدأت، وإرسال نائبه تشيني من أجل حشد التأييد لها، ولو من خلال الرفض الكلامي والسكوت العملي تجاه هجوم عسكري ضد العراق، وربما ضد سواه.

الأطراف العربية.. ورؤى "الدولة الفلسطينية"

ليس من الحنكة السياسية انتظار سياسات أجنبية لا عداء فيها من جانب أطراف معادية في الأصل، بغض النظر عن تفاوت الدرجات. وليس من المنطق السياسي التسليم الساذج والخطر، بأن العلاقات الدولية قد وصلت إلى مرحلة الوئام والسلام والتفاهم وما إلى ذلك، ونحن نعايش مرحلة تاريخية نشهد فيها ألوان التسلّح بأخطر الأسلحة، وألوان الصراعات التي لا يطبّق فيها سوى منطق القوّة، مع العمل على احتكار مختلف أسباب "القوة"، والعمل لمنع امتلاك الطرف الآخر أسباب الدفاع أو الردع.

إن مثل هذا التسليم لم يَعُد مجرّد "خطأ سياسي" ساذج، بل هو أقرب إلى شكل من أشكال الانتحار السياسي، الذي لا يقتصر بنتائجه الخطيرة على من يرتكب ذلك الخطأ، بل يشمل البلد الذي يحكمه، والشعوب والقضايا المصيرية. وهذا بالذات ما تشهد عليه النكبات والهزائم المتوالية في مجرى قضية فلسطين بمراحلها التاريخية المختلفة، ولا سيما ما يتعلق بذلك من "الرؤى" المطروحة بشأن قيام دولة فلسطينية. ونتجاوز حقبة الاحتلال البريطاني وما كان خلالها على صعيد تعامل الأطراف العربية مع مسلسل الانتفاضات الفلسطينية من عهد "محمد كاظم الحسيني" إلى عهد "عزّ الدِّين القسَّام" إلى عهد "عبد القادر الحسيني"، لنجد أوّل عملية إجهاض لقيام دولة فلسطينية على جزء من الأرض مقابل قيام دولة الاحتلال على جزء مغتصب، كان في أعقاب النكبة الأولى مباشرة، فبعد اندلاع حرب عام 1948م أعلنت الهيئة العربية العليا لفلسطين -التي شكَّلتها جامعة الدول العربية نفسها- عن "استقلال فلسطين" في 1-10-1948م، وبدلاً من دعم هذا الإعلان، والعمل على تقديم الدعم بمختلف أشكاله لتحرير الجزء الأول المحتل من فلسطين، وضعت الضفة الغربية تحت إدارة المملكة الأردنية الهاشمية، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية؛ ليسري عليهما ما تم عقده من اتفاقات للهدنة العسكرية!.

ولئن شهدت فترة ما بين النكبتين، بين حرب 1948م وحرب 1967م، حقبة "امتصاص" نتائج النكبة الأولى، ثم تحويل قضية فلسطين في "العصر الذهبي" للقومية العربية عن مسارها الإسلامي التاريخي، فإن سائر ما كان من سياسات عربية –بمشاركة فلسطينية- بعد عام 1967م سلك طريقًا يجمع بين عنصرين متلازمين:

- الحديث إلى الشعوب العربية بلسان الدفاع عن القضية المصيرية المشتركة.. وهو ما يمثل أسلوب طرح "الرؤى" السلمية غربيًّا.

- والتصرف على أرض الواقع السياسي بما يرسخ وجود دولة الاحتلال وليس الدولة الفلسطينية.

آنذاك في عام 1967م وفي ذروة امتصاص الغليان الشعبي في المنطقة العربية عبر "لاءات" الخرطوم الثلاثة بشأن الاعتراف والصلح والتفاوض مع دولة الاحتلال.. كان قبول القمة نفسها بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 اعترافًا ضمنيًّا أبعد من مجرد "الاعتراف الواقعي"، وأقرب إلى محاولة إعطاء الاحتلال الباطل "صبغة" وجود مشروع بمفهوم القانون الدولي.

وليس مجهولاً أن تبرير القبول بذلك القرار من جانب الدول التي تعرضت مباشرة لهزيمة عسكرية في الحرب، يمكن تجاوزه، لا سيما وأن مبادئ القانون الدولي لا تعترف بمشروعية توقيع يُعطي تحت تأثير "هزيمة عسكرية"، ويتضمن أي تغيير "جغرافي" أو أي "انتقاص" من حقوق الشعوب الثابتة، بل تعطي مثل تلك الاتفاقات وصف "اتفاقات استسلامية" وتعتبرها باطلة. ولكن ما لا يمكن تجاوزه هو إقدام "القمة" التي تجمع سائر الدول العربية المستقلة آنذاك على مثل تلك الخطوة القريبة من الاعتراف بدولة الاحتلال الباطل، فهو "محض التراجع" دون سبب سياسي منطقي ولا واقعي تحت الإكراه، عن حقوق مشروعة، لا يملك صانعو القرار آنذاك - ولا الآن - التراجع عنها، وكل تراجع عنها يمثل انتهاكًا مباشرًا للمواثيق الدولية التي تحدد كيفية "تمثيل إرادة الشعوب" في قضايا ترتبط مباشرة بحق تقرير المصير، وسواه من المبادئ الثابتة.

أسلوب التغطية بالرؤى المخادعة للشعوب (كلاءات الخرطوم) على ممارسة سياسات التراجع على أرض الواقع (كقبول القرار رقم 242)، يسري على سائر الخطوات المفصلية التالية، من جانب الأطراف الرسمية، العربية عمومًا والفلسطينية أيضًا، ومن أبرزها:

1 - إعلان تسليم منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشئت عام 1964م لغرض سياسي في حينه، إلى قادة العمل الفدائي –وعلى وجه التحديد ياسر عرفات- الذي بدأ عام 1965م على أساس آخر هو "تحقيق هدف التحرير بقوة المقاومة المشروعة". والواقع كان يتمثل في وضع "العمل الفدائي" نفسه في "قفص العمل السياسي" العربي، وهو ما أدى إلى فقدانه صبغة المقاومة تدريجيًّا.. حتى وصل إلى أوسلو، وتضمّن ذلك على الطريق سلسلة من المآسي المصنوعة بأيدٍ فلسطينية وعربية، مثل توجيه الضربات العسكرية لمجموعات المقاومة المسلحة، كما كان فيما سُمِّي "أيلول الأسود" في الأردن، أو في "تل الزعتر" في لبنان.. حتى فقد "العمل الفدائي" قسطًا كبيرًا من طاقة المقاومة، وبقيت بعد ذلك "الزعامات السياسية"؛ لتمضي مع الحكومات العربية الأخرى على طرق مدريد وأوسلو.

2 - تسويق "الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعيًّا وحيدًا لشعب فلسطين" عقب حرب 1973م، والوصول بها إلى مقعد مراقب في الأمم المتحدة، على أنه خطوة على طريق التحرير.. والواقع أن هذا كان يمثل خطوة حاسمة على طريق التراجع، ليس في ميدان الهبوط التاريخي من الموقع الإسلامي للقضية، إلى الموقع العربي، إلى موقع دول تواجه وأخرى تساند، إلى موقع مسؤولية فلسطينية ومساندة عربية.. وإنما كان التراجع من الناحية "الموضوعية" لمنهج التعامل مع القضية بالتخلي عن "هدف التحرير" نفسه، بعد اختزالها وحصرها في النطاق الفلسطيني، وكان من أبرز ما ظهر للعيان على هذا الصعيد إعلان رئيس المنظمة ياسر عرفات، في الثاني والعشرين من أيار/ مايو عام 1975م، أنه "لا توجد نية للقضاء على إسرائيل بالقوة، وأن الهدف البعيد هو إقامة دولة ديمقراطية للشعبين الفلسطيني واليهودي".

3 - حملة المقاطعة العربية الرسمية لنظام الحكم المصري في عهد السادات بعد كامب ديفيد، واعتبار الطريق الذي سار عليه طريقًا "انفراديًّا".. وهو ما يمثل "الرؤية" الرسمية المطروحة –كما يراد لها شعبيًّا- بمظهر رفض السلام مع دولة احتلال باطل.. والواقع أنّ تلك المرحلة بالذات شهدت انتقال السياسة العربية من التلميح بعد عام 1967م إلى التصريح بعد حرب 1973م، بأنها تخلَّت عن هدف التحرير وتبنت هدف "التسوية السلمية"، فلم تكن نقطة الخلاف تدور على أصل عقد دولة عربية كبرى اتفاقية سلام مع دولة احتلال باطل قائم على جزء من الأرض العربية، إنما كان الاختلاف المعلن أن الاتفاقية كانت "انفرادية"، ولم تكن "جماعية".. وبالفعل كان يجري الإعداد على قدم وساق، بمعنى الاتصالات وممارسة الضغوط العربية -العربية، إلى أن اكتمل "مشروع السلام العربي"، وطُرح على قمتي فاس الأولى والثانية؛ ليمثل في عام 1982م خطوة "جماعية" تالية على طريق الاعتراف بدولة الاحتلال الباطل، وليس على طريق تحرير فلسطين وإقامة دولة فلسطينية فيها.

4 - كذلك فإن الإعلان من جانب منظمة التحرير الفلسطينية عام 1988م، عن قيام "دولة فلسطينية" على التراب الفلسطيني، جرى تسويقه على المستوى الشعبي كحدث "تاريخي" على طريق التحرير.. والواقع أنه جرى توظيفه كخطوة حاسمة في طريق تصفية القضية، من خلال إعلان المنظمة نفسها القبول بالقرارين رقم 242 و338 لمجلس الأمن الدولي، وهو ما اعتبر اعترافًا ضمنيًّا بدولة الاحتلال، فلم تجد الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك بشهر واحد مانعًا من إجراء أول جولة مفاوضات مع المنظمة "الإرهابية" في نظرها، وهو ما أوصل واقعيًّا إلى أوسلو عام 1993م، ثم إلى إلغاء البنود ذات الصلة بتحرير فلسطين من ميثاق المنظمة في عام 1996م.

لقد هبطت "الرؤى" العربية والفلسطينية الرسمية لمستقبل فلسطين، من مستوى هدف التحرير إلى مستوى قبول دولة الاحتلال، والاستعداد للسلام والتطبيع حتى دون قيام "دولة فلسطينية" على جزء من الأرض وبسيادة مقيدة كما تطرح "مشاريع السلام" حاليًا، ولم يكن هذا الهبوط "اضطراريًّا" نتيجة فقدان "الصديق السوفيتي" في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، كما يقال أحيانًا، أو نتيجة مغامرة احتلال الكويت وتسليم "أمن المنطقة" للإرادة العسكرية الأمريكية عبر حرب الخليج كما يقال أيضًا، إنما بدأت مسيرة الهبوط قبل تلك الأحداث، وكانت من الناحية الواقعية مرحلة تالية لمراحل سبقتها قبل النكبة الأولى وبعدها.

"الرؤية" الإسرائيلية لدولة فلسطينية

لا تكتمل معالم الصورة دون التنويه بتلك المحاولات المستهجنة لتصوير الجهات الإسرائيلية التي تتحدّث عن "السلام" وبما يشمل قيام "دولة فلسطينية" إلى جانب دولة الاحتلال، وكأنها تمثل قوّة فاعلة في صناعة القرار الآن، أو أنّ من المحتمل أن تصبح هي صاحبة القرار في المستقبل المنظور.

مثل هذا الترويج يتغافل عن أن النسبة العظمى من الحكومات المتعاقبة على السلطة في دولة الاحتلال قامت في الدرجة الأولى على الأحزاب اليسارية الموصوفة بأنها أقرب إلى "السلام"، وتُعتبر رؤيتها لدولة فلسطينية، متطابقة أو متقاربة مع ما يسمَّى "حركة السلام".

إن الحدّ الأقصى الذي مضت إليه أي جهة إسرائيلية تتحدّث عن السلام لم تصل بأطروحاتها إلى ذلك الحدّ الذي بدأت به قضية فلسطين في قرار التقسيم عام 1947م، ولا تكاد تجري عملية لاستطلاع الرأي العام الإسرائيلي، إلا وتسفر عن تأييد الغالبية لمختلف وسائل العنف المستخدمة لإرهاب الفلسطينيين ودفعهم إلى الهجرة أو التسليم.. ووصل تأييد قيام دولة فلسطينية في حالات نادرة إلى 60%، ولكن كان ذلك بصورة واضحة تحت تأثير "معادلة الردع" التي صنعتها عمليات المقاومة، وكما انهارت اتفاقية أوسلو –الأمنية واقعيًّا- فور التعرّض لقضايا أساسية كالقدس، ومصير المستعمرات، ومجرى الحدود، وحق العودة، فإنّ نسبة 60% (النادرة) وراء تأييد قيام دولة فلسطينية، سرعان ما تهبط مجددًا إلى حدّ التلاشي عند ذكر هذه العناصر، ناهيك عن ذكر عنصر "السيادة الكاملة" أو امتلاك السلاح.

ويبقى أن ما وصلت إليه رؤى الحكومات الإسرائيلية المعنية في "حقبة أوسلو" حول دولة فلسطينية، وعلى شكل "كلمات عابرة" وليس "مشاريع اتفاق جاهزة" بقي في حدود الحديث عن نسب مئوية من أرض محتلة عام 1967م، أي نسبة مئوية ما، من أصل 22% من مساحة أرض فلسطين المغتصبة.

وهذا ما تتحرَّك في إطاره "الرؤى" التي تطرحها الحكومة الأمريكية الآن، كعنوان دون مضمون لإدراجها في قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي. ومرة أخرى يطرح السؤال: هل تعدو هذه الخطوة محاولة "إلهاء" عن حقيقة الجهود الكبرى المبذولة للقضاء على حقبة أخرى من تاريخ المقاومة الفلسطينية التي وصلت في الانتفاضة الثانية إلى ذروة جديدة من العطاء، ومن تطوير الوسائل الذاتية، وما يسمّى "إدارة المعركة"؟ 

اقرأ أيضًا:

*كاتب ومفكر عربي بون .


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع