English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


قمة العبوات الناسفة والفرصة الضائعة

31/03/2002م

نبيل شبيب*

هكذا ردت إسرائيل على مبادرات السلام العربية

هل نجحت قمة بيروت أم أخفقت؟ هل كانت –كما قال وزير الخارجية السعودي- قمة تاريخية، وحققت نجاحًا لم تحققه قمة قبلها، أم أنها –كما قال عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة "القدس العربي"- لفظت أنفاسها قبل أن تبدأ أعمالها؟ الواقع أن كلمتي "نجاح" و"إخفاق" تنطويان على كثير من "النسبية" وكثير من "التضليل" أيضًا عند استخدامهما في تقويم حدث سياسي من قبيل القمة العربية في بيروت، وفي ظلِّ الظروف التي خيّمت عليها. قد يرى الراغب في تحويل "المبادرة السعودية" إلى "مبادرة سلام عربية" أن القمة حققت نجاحًا كبيرًا، أما المتمسك بفلسطين أرضًا إسلامية من النهر إلى البحر لا يحق لأحد التنازل عن جزء منها؛ فيرى أن هذه المبادرة وأمثالها مجرّد خطوات تراجع على طريق التعامل العربي مع القضية.

وقضية فلسطين باعتبارها البند الرئيسي في قمة بيروت هي محور الحديث في الفقرات التالية، دون إغفال وجود جوانب أخرى لتقويم القمة، مثل "المصالحة المبدئية" بين العراق وكل من الكويت والسعودية، أو المحاولات المحدودة لتنشيط التكامل الاقتصادي العربي، أو مسيرة جامعة الدول العربية نفسها وعرقلة بعض المساعي المبذولة لتحويلها إلى "منظمة حقيقية فعالة".

تابع في هذا المقال:

العجز.. عجز من؟ ومن المسؤول؟

إن تعامل القمة العربية مع قضية فلسطين بأحداثها الآنية الخطيرة، ومجراها التاريخي الحديث، يمكن تلخيصه في رسالة رئيسية تعبر عن "العجز" الذي يغري المعتدي بمزيد من العدوان -وهذا ما يشهد عليه الاجتياح العسكري الإسرائيلي الذي بدأ في مدينة "رام الله" فور انتهاء القمة- كما يتهم الشعوب العربية رسميًّا بالمزايدة إذا ما طالبت بالتصدي للعدوان الإسرائيلي والأمريكي.

ومن أسوأ ما رافق القمة العربية في بيروت من مواقف تصنع العجز صنعًا وتجعله ذريعة لممارسة مزيد من السياسات التي تضاعف أسبابه وخطورته:

1 - أن يُنسب العجز إلى "الشعوب التي لم تتحرك"، و"المتطوعين الذين لم يظهروا"، كما ورد على لسان وزير الخارجية السعودي.

2- تحويل "التيئيس" إلى "منهج" متبع في التصريحات الخاصة بقضية فلسطين، كتلك التي تتحدث عن التبعية لأمريكا علنًا، والتوسل إليها علنًا، كما هو الحال مع وزير الخارجية القطري.

3- الاستهزاء بالحرب وبمن يطالب بها، كما ورد أكثر من مرة على لسان الرئيس المصري. والواقع هو أن المطالب تنصبّ على ضرورة الإعداد للحرب، وإيجاد بديل عن التسليم، وليس على شنِّ حرب فورية ودون إعداد.

4- ويوجد مزيد من الأمثلة، ولكن يكفي -اختصارًا- التنويه بأن القمة نفسها ومن خلال حصيلتها تساهم بنشر "الإحساس بالعجز" أو "ادعاء العجز"، ومن ذلك تبني "مبادرة سلام" جديدة، تمضي الحكومات العربية فيما تقدمه فيها شوطًا أبعد مما سبق، وتطالب بأقل مما مضى، وهذا دون مهلة زمنية للحصول على جواب جادّ، ودون تهديد، أو مجرد تنويه ببديل مستقبلي ما. وبالمقابل، نجد أن "السياسات الجادة" لإزالة العجز -ولو على المدى البعيد- مثل تطوير العلاقات الاقتصادية العربية موضع إهمال خطير، بدليل عدم رؤية أي نتائج عملية على امتداد العقود الماضية، وكما يشير الآن الخلاف بين الأمانة العامة للجامعة وبعض دولها حول مستقبل اجتماعات المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

ولكن على افتراض "عجز الشعوب" فعلاً يجب السؤال:

1- من يحمل المسؤولية عن سياسات تربوية وإعلامية تنشر "روح العجز والتيئيس"، فضلاً عن الإغواء والتضليل، أو ينشر روح التبعية المطلقة للحاكم مهما صنع؟

2- من يحمل المسؤولية عن صرف طاقات البلاد وخيراتها على طريق لم توصل إلى توفير إمكانات كافية لنفي "العجز"؟

3- من المسؤول عن ممارسة سياسات الارتباط بالقوى الدولية، بحيث لا يأتي "تأييد" من جانبها إلا للجزء الذي يمثل "التراجع" عن الحقوق، وليس الحقوق نفسها؟

4- من المسؤول عن عملية "غسيل الدماغ" الجماعية، التي شوّهت مضامين كلمات مثل "السلام العادل"، و"الحقوق المشروعة"، و"الأرض المغتصبة"، و"الشرعية الدولية"؟

ليس مجهولاً لأحد أن الشعوب يمكن أن تتحرك إذا "خفف" المسؤولون القبضة الحديدية عنها ولو قليلاً، ناهيك عن تخفيف نسبة التضليل عبر وسائل الإعلام، ولا يقتصر التحرك آنذاك على تبرعات أو "مظاهرات" بالملايين كما شهدت صنعاء عشية القمة، وسواها من قبل، فضلاً عن الفئات التي تتحرك وراء أسوار الجامعات، وفي المساجد، رغم ما تصنعه "القبضة الحديدية" والمحاكمات العسكرية، وتهديد مصدر الرزق، وحرمان أسرة من معيلها بملاحقته وسجنه، ناهيك أخيرًا عن توظيف "رجال الجيش والشرطة" على الحدود؛ لمنع أسلحة تصل إلى المقاومة الفلسطينية، أو شباب يريدون الانضمام إليها.

إن ما شهدته وتشهده البلدان العربية من مغربها إلى مشرقها، يؤكّد أن قوى شعبية عديدة رصدت وترصد ما تنشره الحكومات من "تيئيس"، فأصبحت تلك القوى الشعبية تتحرك بنفسها في بعض ميادين المقاطعة ومنع "التطبيع"، أو تحاول التحرّك للقيام بمهامّ كان يفترض في الأصل أن تقوم بها الحكومات التي تنصب العراقيل في وجه تلك القوى الشعبية، ثم يقال بعجز الشعوب وقعودها عن التحرك!

ربط صناعة القرار بالأشخاص

كثيرًا ما طُرحت مسألة ربط السياسات الرسمية بالأشخاص والزعامات؛ فكان الجواب محاولة التمويه على خطورة ذلك، بزعم أنه كلام عاطفي أو حماسي، وقد يصل الأمر إلى مستوى توجيه اتهام مضادّ، مثل "التجرؤ" على الدولة وأمنها، ومحاكمة من يفعل ذلك.

إن قمة بيروت أظهرت بجلاء مدى خطورة هذه الظاهرة في صناعة "القرار السياسي العربي"، حتى في القضايا المصيرية، بعد أن أصبحت السياسات العربية في مختلف الميادين -وليس في قضية فلسطين المحورية فقط- مرتبطة بالأشخاص. فقد تعددّت في فترة الإعداد لقمة بيروت وأثناء انعقادها الصور التي تعبِّر عن الانحراف الخطير المتمثل في ربط السياسة بالأشخاص، ومن المؤكّد أن الآثار السلبية لذلك ستستمر عبر النتائج المترتبة على القمة، وربما لفترة طويلة. ومن نماذج ذلك:

1- سيان هل صنعت "الإنجازات الحقيقية" من ياسر عرفات رمزًا في مسيرة قضية فلسطين، أم صنعته ظروف وسلوكيات سياسية معينة، فإن القضية المصيرية نفسها تجد رموزها في المسجد الأقصى، والمسجد الإبراهيمي، وأسوار عكا، وأشجار الزيتون؛ تجدها في الأرض، والشعب، والتاريخ.

أما من يحلو له تأكيد أن عرفات "رمز النضال الفلسطيني"، فمن المفروض أن يعلم أن هذا ما يُصنع مع الأموات بإحياء ذكراهم، وليس في نطاق التعامل مع الأحياء من المسؤولين، بصرف النظر عن مسألة الدفاع أو عدم الدفاع عن ياسر عرفات، كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو رئيس للسلطة الفلسطينية، أو كعضو في لقاء القمة العربية باعتباره رئيس دولة يراد إنشاؤها.

إن كل حصار يصيب أي شخص في أي أرض إسلامية، يجعل الدفاع عنه فرضًا واجبًا بمختلف المقاييس المعتبرة. ولكن ربط قضية فلسطين بشخص أيّ زعيم، هو الذي أعطى في الماضي -ويعطي صانع القرار الإسرائيلي والأمريكي حاليًا- الفرصة لضرب القضية عبر ضرب الأشخاص والضغط عليهم، وهذا بالذات ما مارسته حكومة شارون بدعم أمريكي قبل القمة وأثناء القمة، ثم وصلت به إلى مرحلة همجية جديدة عقب القمة.

2 - باستثناء الغائبين عن القمة بعذر صحي معروف، كان من غاب عنها وجعل من "تغييب عرفات" ذريعة، إنما يقول للطرف الإسرائيلي والأمريكي: حققتم مرادكم، فيمكن أن تكرروا اللعبة السياسية الدموية مرة أخرى. لا سيما عندما يكون الغائب عن قمة بيروت في موقع مسؤولية مباشرة بحكم الجوار، أو بحكم "المعاهدات القائمة" التي لم يَعُد المسؤولون يلوّحون بها إلا في مواجهة من يطالبون بالمقاطعة، بدلاً من استخدامها كوسيلة ضغط ما على الطرف الإسرائيلي والأمريكي.

ولا اعتبار هنا للحجة القائلة بأن الوفد بمستوى رئاسة الحكومة أو مستوى وزير، يمثل الدولة على كل حال، فهذا ما يتناقض مع حقيقة أن القرار يُصنع في الدول المعنية من الأعلى إلى الأسفل في هرم هياكل السلطة، كما يتناقض مع طبيعة ما يعنيه "مؤتمر قمة".

3- ويمكن الاستمرار في ذكر الأمثلة عبر متابعة كثير من مشاهد اليوم الأول من المؤتمر الحافل بالعبوات الناسفة؛ فالزعيم الليبي يربط مبادرته بشخصه إلى درجة "التقديس" من جانب المتحدثين باسمه، والرئيس السوري يتكلم بأسلوبه المتميز بغضّ النظر عن تقويم مضمون كلمته، وحتى المبادرة السعودية ارتبطت باسم ولي العهد السعودي، ولو صدرت عن سواه فلربما لم نجد أقلامًا سعودية تتحدّث عنها على أنها قمة الحنكة السياسية، بعدما كانت تلك الأقلام نفسها تتبارى في الحديث عن ضرورة تبني خيار المقاومة ونبذ طريق "التطبيع".

4- على أن من الأخطاء الكبرى من بين ما تراكم في القمة في هذا الصدد، هو أن المؤتمرين لعبوا هم أنفسهم أدوارًا رئيسية وإن كانت متفاوتة في وضع مسألة مشاركة عرفات أو عدم مشاركته في موقع الرد على "التحدي" الإسرائيلي، كما تشير التصريحات الرسمية، حتى أصبحت الصورة المنشورة عن القمة هي أن نجاحها أو عدم نجاحها مرتبط بحضور عرفات، أو -على الأقل- بكلمة مباشرة منه في القمة تمثل "التحدي تجاه سياسة العدوّ الإسرائيلي". فهل يمكن بعد هذه الأجواء التي صنعها المسؤولون أن يُفهم حجب الكلمة -ودون التشاور الواضح مع الوفد الفلسطيني- إلا أنه استجابة لما صنعته الحكومة الإسرائيلية، أو خضوع له على أعلى المستويات، أو حتى مشاركة مقصودة في الحصار الذي استهدف من البداية إسقاطه والمجيء بشخص آخر يمضي شوطًا أبعد على طريق التنازلات الخطيرة؟

هذا بالذات ما جعل كثيرًا من "المراقبين" يتحدّثون عن "ضوء أخضر عربي" بعد الضوء الأخضر الأمريكي؛ لتصنع القوات الإسرائيلية ما تشاء في أهل فلسطين وكامل التراب الفلسطيني، بما في ذلك مصير ياسر عرفات!.

الحرب والسلام.. وإسقاط البدائل

من فضل القول تكرار ذكر العبارة المشهورة أنّ "من لا يستعدّ للحرب فإنه لا يستطيع صنع السلام"، ومن فضل القول تأكيد ما تقول به المصادر المعتمدة في تدريس القانون الدولي من أنّ "اتفاق السلام" ينعقد بين "طرفي حرب" لإنهائها، وقد تسبقه "هدنة"، أما "اتفاقيات الاستسلام" فتنعقد بين كاسب وخاسر تحت ضغوط تمليها خسارة الحرب -أي لغة القوّة العسكرية-، ولا تكتسب تلك الاتفاقيات المشروعية بمفهوم مبادئ القانون الدولي وقواعده الأساسية، إلا عندما تنعقد لاحقًا "معاهدات سلام" تتوفر لها شروطها الأساسية، ومنها التكافؤ بين الأطراف الموقعة، وأن يمثل الموقعون عليها الشعوب المعنية تمثيلاً سياسيًّا وقانونيًّا دوليًّا صحيحًا.

ويدرك المسؤولون الغربيون ذلك تمامًا ويتعاملون بموجبه، وقد انعكس هذا مثلاً في تعاملهم مع ألمانيا المجزّأة بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، فلم تعتبر "المسألة الألمانية" منتهية إلا بعد استكمال عقد "معاهدات سلام" حلَّت مكان اتفاقيات الاستسلام الموقعة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان منها المعاهدات التي وقعتها في النهاية الحكومة المنتخبة في ألمانيا الموحّدة. كذلك لا تزال العلاقات اليابانية - الروسية معلّقة؛ لأنها تفتقر إلى "معاهدة سلام" تحلّ مكان "اتفاقات الاستسلام" التي وقعتها اليابان بعد هزيمتها العسكرية منذ 57 عامًا.

ونحسب أن المسؤولين في البلدان العربية -أو مستشاريهم على الأقل- يعلمون بذلك أيضًا وهم يتحرّكون على درب ما يوصف بالمبادرات وما يُوقَّع من اتفاقات، ويذكرون فيما يذكرون "العجز عن المواجهة العسكرية بعد الحروب الخاسرة الماضية". فهم يقرِّون بذلك ضمنًا أنهم يعقدون "اتفاقيات استسلامية" بمفهوم القانون الدولي، وليس كما يزعم بعض المروّجين لتلك السياسات أن تعبير "الاستسلامية" هو من اختراع من لا يتعاملون مع الواقع بسياسة "واقعية عقلانية"!.

إن المشكلة فيما يُطرح من مبادرات ومشاريع سلام من الجانب العربي تكمن أيضًا في وضع عناوين "مزيَّفة مضللة" لها؛ فالحديث عن "سلام عادل" و"شرعية دولية" و"معاهدات سلام" و"علاقات طبيعية" حديث يتناقض مع القانون الدولي نفسه، مثلما يتناقض مع معطيات التاريخ ومع الحقوق الثابتة، ولا يمكن أن يوصل ذلك التزييف والتضليل إلى أرضية مشتركة تجمع بين الحكومات والشعوب، ولو جمعت بين الحكومات القائمة ودولة الاحتلال ومَن وراءها من القوى الدولية.

وهذا المنطلق الهشّ في الحديث عن "السلام" هو من أسباب تفاوت مواقف الحكومات العربية مع كل مبادرة تطرحها إحداها بعد تشاور جزئي مسبق أو دون تشاور مسبق على الإطلاق:

1- بدءاً بالمملكة المغربية -كمثال من أقصى المغرب- تتعامل مع دولة الاحتلال من قبل اتفاقات كامب ديفيد، وساهمت في صناعتها، وارتفعت نسبة التجارة بينها وبين دولة الاحتلال في عام الانتفاضة 2001م. وهي تحتضن "لجنة القدس"، وتتحدّث في ذلك عن الشطر الشرقي من المدينة. ولا يختلف موقف دولة قطر -كمثال من أقصى المشرق- عن ذلك اختلافًا يستحق الذكر.

2- مرورًا بمصر والأردن من دول "المواجهة"، وقد خرجتا من المواجهة فوضعتهما الانتفاضة الفلسطينية ودموية جرائم الاحتلال أمام خيارين: إسقاط المعاهدات المعقودة -وقد فقدت البقية الباقية من "أرضية الواقعية" المزعومة لها-، أو الاستمرار على طريق الانفصام النكد بين الإرادة السياسية والإرادة الشعبية، التي تعبِّر عن نفسها في البلدين بصورة مباشرة، وتلقى من "القمع الرسمي" ما تلقاه.

3- وانتهاء بالعراق -كمثال قائم بذاته كما هو الحال مع ليبيا- وقد أعلن عن تشكيل "جيش من المتطوعين" من جهة، ولكن شارك من جهة أخرى في توفير "الموافقة بالإجماع" على المبادرة السعودية، وهي موافقة لا يمكن فصلها عن "الانفراج" في العلاقات بينه وبين الكويت والسعودية بعد وضعه أمام خطر هجوم عسكري أمريكي جديد، نرجِّح -وفق توقيته وأسلوب إخراجه- أنّ الحديث عنه بصورة استعراضية، وبغض النظر عن التطورات المستقبلية المحتملة، قد استهدف تحقيق النقلة في موقف الحكومة العراقية نحو التحرّك في قضية فلسطين على طريق تختلف تمامًا عما كانت تعلنه "رسميًّا" على الأقل.

إن ما أصبح يحمل عبر قمة بيروت عنوان "مبادرة السلام العربية" جاء نتيجة إصرار الدول العربية -قبل الانتفاضة وأثناءها- على ما يسمَّى "الخيار الإستراتيجي الوحيد" تحت عنوان "السلام"، فلم يكن لدعم الانتفاضة، ولا لحقن دماء أهل فلسطين كما يتردّد أحيانًا؛ بل كان رغمًا عن الانتفاضة، والواجب الذي تفرضه تلك الدماء، وما تستوجبه المخاطر الأخرى على المنطقة برمّتها؛ أي أنه خيار "استسلام".

اللاجئون.. والتنازلات قبل المفاوضات

مع تجاوز سائر ما سبق ومحاولة الوقوف فقط عند حدود ما تقول به القمة العربية بشأن مبادرتها الأخيرة -دون التسليم بمضمونها- يبقى من الممكن النظر فيها وفق المنطق السياسي الذي يؤكّد أن أيّ "مبادرة سلام" لا تفيد دون أن تنطلق من أحد منطلقين:

1- المنطلق الأول هو عرض الحدّ الأدنى من المطالب تجاه الطرف الآخر، ورفض التفاوض حولها، واعتبار "الحرب" هي البديل عن "السلام". وذاك ما يوصف عادة بتعبير (إما.. أو..) في عالم السياسة الواقعية. وهذا منطلق لم تزعمه القمة لنفسها.

2- المنطلق الثاني هو عرض الحدّ الأقصى من المطالب (وفق منطق أصحاب المبادرة)، ووضع ذلك على مائدة المفاوضات، مع المطالبة بالحصول على الحد الأقصى من مطالب الطرف الآخر؛ لتكون المفاوضات "وسيلة" للتوصل إلى حل وسطي ما!.

وهنا نجد أن مثال تعامل القمة –وعلى وجه التحديد الدول المشاركة فيها- مع بند "حق العودة" للمشرّدين الفلسطينيين عن أرضهم منذ عام 1948م وفيما بعد، يكشف عن خطأ فادح أو جهل فاضح في تحديد موقف المفاوض العربي، وبالتالي التعامل مع حالة الصراع القائمة، واختيار الخطاب السياسي الذي تفرضه إقليميًّا ودوليًّا.

إن الامتناع عن ذكر "عودة اللاجئين" في البداية، ثم طرحها بصورة عائمة، ثم الخلاف العلني الشديد بين الدول العربية حولها، فضلاً عن التكهنات المنتشرة بشأن تعليل غياب بعض من غاب بأنه أراد تبني صيغة عائمة تحت عنوان مبهم، مثل "الحل العادل" لقضية اللاجئين، وتجنب ذكر عبارة من قبيل "رفض التوطين".. جميع ذلك، ووقوعه قبل إعلان المبادرة عربيًّا أصلاً، نقل عملية "التفاوض" المطلوبة من خلالها، وعلى نقطة رئيسية تعتبر من الأوراق القليلة المتبقية في أيدي "الطرف" العربي، إلى ساحة النزاع أو على الأقل ساحة التفاوض بين "الأطراف" العربية، والهبوط من مستوى طرح "أحد المطالب القصوى" إلى طرح صياغة معدّلة، تنطوي على التنازل، وتلوِّح بإمكانية المزيد من التنازل عبر توظيف مواقف بعض "الأطراف" العربية للضغط على الأخرى. وهو ما يُسقط من "طاولة المفاوضات مع العدو" مسبقًا تنازلات، كان من المفروض أن يطالب بها العدوّ أولاً، لا أن تطالب بها الأطراف العربية بعضها بعضًا.

من هنا تعتبر مسألة "حق العودة" مثالاً نموذجيًّا على ما كان يُفترض بالجانب العربي أن يجعله بندًا رئيسيًّا بارزًا في المبادرة المطروحة؛ ليكون من مطالب "الحدّ الأدنى"؛ فلا مفاوضات حوله، أو -في أسوأ الأحوال، وحسب منطق أصحاب المبادرة- من مطالب "الحدّ الأقصى"؛ ليمكن انتزاع بعض الحقوق الأخرى المغتصبة عبر التفاوض. لكن قمة بيروت لم تفعل هذا ولا ذاك، بل كان التعامل مع "حق العودة" -قبل القمة وأثناءها- بأسلوب تقديم التنازلات المسبقة، وسط ظروف حرب همجية عدوانية مستمرة بفلسطين، سواء قُدّمت تلك التنازلات أم لم تقدّم!.

فنّ التيئيس.. سياسة انتحارية

إن قمة بيروت التي وُصفت بقمة الفرصة الأخيرة أمام دولة الاحتلال من أجل "السلام" لم تسفر عن حصيلة تذكر "البديل" عن تلك الفرصة "الأخيرة"، وهو ما يفقد كلمة "الأخيرة" مفعولها، كما يحول دون أن تكتسب "المبادرة الجديدة" -بغض النظر عن مضمونها- أي قوّة للتأثير الفاعل على المسرح السياسي الإقليمي أو الدولي.

ولكن قمّة بيروت كانت واقعيًّا قمة "الفرصة الأخيرة" أمام الحكومات العربية تجاه شعب فلسطين والشعوب العربية والإسلامية الأخرى المتضامنة معه ومع تحرير أرضه، وهذه الفرصة الأخيرة هي التي ضيّعتها الحكومات العربية في قمّة بيروت بتكريس التخلّي عن تبني خيار المقاومة المسلّحة المشروعة ضد احتلال غاصب غير مشروع، وهي الفرصة التي لا تستعاد دون التحوّل الفعلي إلى تبني خيار المقاومة، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج مباشرة، بدءاً برفع الحظر المفروض على مدّها بالسلاح، مرورًا برفع الحظر والقيود المختلفة على تحرّكها السياسي والإعلامي والتعبوي في البلدان العربية والإسلامية، وانتهاء بالتعامل مع القوى الدولية من منطلق الحقوق المشروعة حقًّا كحق تقرير المصير، ومقاومة الاحتلال، واستعادة الأرض المغتصبة بالقوة.. وليس من منطلق سلام موهوم أو "إرهاب" مزعوم.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع