 |
|
هل تعكس قاعات الجامعة مطالب الشعوب خارجها؟ |
مع
اقتراب موعد انعقاد القمة العربية في
بيروت ينظر إليها الرأي العام العربي
والنخب العربية بمزيج من الأمل
والإشفاق: الأمل في أن تتمكن من
مواجهة التحديات الراهنة شديدة الخطورة
على حاضر العرب ومستقبلهم، والإشفاق
من أن تحول القيود الراهنة بينها وبين
القدرة على المواجهة الصائبة لتلك
التحديات. وفي هذا المقال محاولة لبلورة
مجموعة من المهام التي نضعها أمام القمة
العربية بحيث تراعي في صياغتها
اعتبارات الواقع، دون أن يصل الأمر إلى
حد الاستسلام لهذا الواقع:
1-
قضية المتابعة
2-
معضلة السياسة
3-
تعزيز النظام العربي
قضية
المتابعة
عانت
القمم العربية غالبًا ضعفا بيّنا في
متابعة قراراتها، بمعنى أنها كانت تصدر
عادة قرارات هامة، ثم لا تتصدى
لمتابعتها، الأمر الذي يعطي الانطباع
بأن هذه القرارات ربما تكون صدرت
للتعبير عن مواقف في حينها دون نية
تنفيذها، أو لتفادي الحرج من دولة أو
أكثر كانت تضغط باتجاه صدورها، أو أنها
لم تبنَ على حسابات دقيقة للواقع.
ويمثل
بعض القمم العربية استثناءً في هذا
الخصوص، كما في متابعة قمتي الإسكندرية
في سبتمبر/أيلول 1964 والدار البيضاء في
1965 للقرارات المتعلقة بالقيادة
العسكرية العربية المشتركة،
والمشروعات العربية لاستغلال مياه نهر
الأردن، وإنشاء الكيان الفلسطيني، وهي
القرارات التي أصدرتها قمة القاهرة في
يناير/كانون الثاني 1964.
لكن
قرار قمة الإسكندرية 1964 بخصوص إنشاء
محكمة العدل العربية لم يجد من يتابعه –على
مستوى القمة- حتى قمة القاهرة في 1996 (أي
بعد ما يقرب من ثلث قرن)، وإن كان من
الطريف أن قرار قمة القاهرة في 1996
بالموافقة (من جديد) على إنشاء محكمة
العدل العربية من حيث المبدأ لم يجد من
يتابعه بدوره؛ إذ لم تحدث بعد ذلك إشارة
للموضوع في قمتي القاهرة 2000 وعمان 2001.
ومن
ناحية ثانية كانت قمة عمان 1980 قد قررت في
أعقاب توقيع "معاهدة السلام"
المصرية-الإسرائيلية إنشاء "قيادة
عسكرية عربية مشتركة يقرر مجلس الدفاع
العربي المشترك كافة التفاصيل المتعلقة
بتشكيلها، ويرفع تقريرًا عن التنفيذ
إلى مؤتمر القمة القادم، وتقوم القيادة
المشتركة بوضع الخطط العملية لتنفيذها".
ولم
تستكمل القمة التالية في فاس في 1981،
وعندما استكملت في المدينة نفسها في 1982
لم تناقش شيئًا عن قرار إنشاء القيادة
العسكرية العربية المشتركة، وإنما
وافقت على مبادئ لتسوية سلمية، فيما
يعرف بصيغة فاس.
ربما
كان هذا الوضع يبدو متسقًا مع خاصية عدم
دورية انعقاد القمم العربية قبل عام 2001،
فقد كان منطق انعقاد القمم العربية - قبل
اعتماد مبدأ الدورية- يستند إلى وجود
حالة طارئة تستدعي اجتماع القمة
لمواجهتها، غير أن انعدام أو ضعف
المتابعة لم يعد أمرًا مقبولاً بعد تطور
القمة العربية إلى وضع مؤسسي جعل منها
المستوى الأعلى في إدارة شؤون الوطن
العربي على نحو منهاجي لا يمكن أن
يستقيم دون متابعة.
ولا
شك أن ثمة قضايا عديدة تجب متابعتها من
قبل قمة بيروت، بحكم أن هناك قرارات
محددة اتخذت بشأنها في قمة عمان 2001، ومن
أهم هذه القضايا مثلاً متابعة القرارات
المتعلقة بالصراع العربي-الإسرائيلي،
خاصة تلك المرتبطة بالدعم المادي
لانتفاضة الأقصى.
فقد
قررت قمة القاهرة 2000 إنشاء صندوقين "للأقصى"
و"انتفاضة القدس" برأسمال قدره
مليار دولار للصندوقين معًا، ثم فوجئ
الرأي العام بقرار قمة عمان 2001، الذي
يشير إلى أن المجلس الأعلى للصندوقين قد
اعتمد "قرضًا حسنًا" قيمته 60 مليون
دولار يصرف منه 15 مليون دولار شهريًا
للسلطة الفلسطينية لدعم ميزانيتها،
وثمة إلحاح من الرأي العام العربي على
أن يعرف تحديدًا ماذا تم بخصوص الدعم
المادي للانتفاضة.
ومن
القضايا التي تجب متابعتها في قمة بيروت
أيضًا ما يسمى بالحالة بين العراق
والكويت، والعديد من القرارات الأخرى
المتعلقة بتوفير الحماية الدولية للشعب
الفلسطيني، ومحاكمة مجرمي الحرب
الإسرائيليين، والموضوعات المتعلقة
بالتكامل الاقتصادي العربي، وتطوير
القدرات العربية في مجال تكنولوجيا
المعلومات، وتطوير الجامعة العربية،
وغير ذلك من القضايا والقرارات الخاصة
بقمة عمان 2001.
معضلة
"السياسة"
يقصد
بالسياسة كترجمة لكلمة Policy الإنجليزية
"مجموعة محددة من الخطط والتفضيلات
توضع كي تسهل التوصل إلى القرارات في
المستقبل، وتجعلها أكثر تناسقًا"،
والسياسة بهذا المعنى ليست مفهومًا
جامدًا، فقد يكون من الضروري أن تتعرض
لعملية تعديل من وقت لآخر لمواجهة
الظروف المتغيرة، غير أن معدل هذا
التعديل لا ينبغي أن يكون كبيرًا، أو
تكون وتيرته سريعة بحيث يؤثر على تماسك
وفاعلية السلوك النابع من هذه السياسة.
ولقد
تمسكت القمم العربية بسياسات ثابتة في
عدد قليل من المسائل، لعل أهمها ما
يتعلق بالسياسة الواجب اتباعها تجاه
الدول التي تعترف بالقدس عاصمة
لإسرائيل، أو تنقل سفاراتها لديها إلى
القدس، حيث ثابرت هذه القمم على النص في
قراراتها على قطع جميع العلاقات مع أي
دولة تفعل ذلك، اعتبارًا من قمة عمان 1980،
وحتى قمة عمان 2001، على الرغم من أنه كان
واضحًا أن المقصود الرئيسي بتلك
القرارات هو الولايات المتحدة
الأمريكية التي تتردد دول عربية عديدة
في التصعيد السياسي تجاهها.
غير
أن سياسات أخرى عديدة للقمم العربية
تعرضت لسلسلة من التغييرات الجذرية،
وإن كان بعض هذه التغييرات قد تم في مدى
زمني يجعله –بغض النظر عن تقييمنا له-
استجابة متوقعة لمتغيرات فرضت نفسها
على الساحة العربية، ومن ذلك التغير
الذي طرأ على سياسة القمم العربية تجاه
الصراع العربي-الإسرائيلي بعد 1967 من "عدم
الصلح مع إسرائيل أو الاعتراف بها، وعدم
التفاوض معها" في قمة الخرطوم 1967 إلى
الاعتراف الضمني بإسرائيل إذا تحققت
شروط مبادرة السلام العربي التي
بلورتها قمة فاس الثانية في 1982.
ومن
ذلك أيضا التغير الذي طرأ على سياسة
القمم العربية تجاه مصر من التأكيد على
إدانة معاهدة السلام التي وقعتها مع
إسرائيل، ومقاطعة النظام المصري نتيجة
لذلك في قمة تونس 1979، إلى اعتبار أن "العلاقة
الدبلوماسية بين أي دولة عضوة في
الجامعة وبين مصر عمل من أعمال السيادة
تقرره كل دولة بموجب دستورها
وقوانينها، وليست من اختصاصات الجامعة
العربية" في قمة عمان 1987، والترحيب
باستئناف مصر لعضويتها الكاملة في
جامعة الدول العربية، وفي جميع
المنظمات والمؤسسات والمجالس التابعة
لها في قمة الدار البيضاء 1989.
وإذا
كان التحليل السابق قد كشف عن سياسات
مستقرة للقمم العربية تجاه بعض القضايا
(كنقل سفارات الدول لدى إسرائيل إلى
القدس أو الاعتراف بها عاصمة لتلك
الدولة)، وعن تغييرات تمت على مدى زمني
معقول في سياسات تجاه قضايا أخرى (كالموقف
من التسوية السلمية مع إسرائيل عامة أو
السلام المصري-الإسرائيلي خاصة) فإن ثمة
قممًا أخرى قد شهدت ارتباكًا واضحًا في
السياسات أدى إلى تغييرات جذرية في مدى
زمني قصير للغاية، وهو ما يكشف عن خلل ما
في الحسابات، أو في عملية صنع القرارات
داخل مؤتمرات القمة ذاتها.
ومن
ذلك النقلة الجذرية التي تمت ما بين
قمتي عمان 1980 وفاس 1982، فما بين أقل من
سنتين أسقط الخيار العسكري من "برنامج
العمل العربي المشترك لمواجهة العدو
الصهيوني في المرحلة القادمة" الذي
أقرته قمة عمان 1980، الذي نص على تحقيق
التوازن العسكري الإستراتيجي مع العدو
الصهيوني، وإنشاء قيادة عسكرية عربية
مشتركة يقرر مجلس الدفاع العربي
المشترك كافة التفاصيل المتعلقة
بتشكيلها. وتم في قمة فاس الثانية 1982
تبني إستراتيجية عربية شاملة تهدف إلى
"منع إسرائيل من العدوان، ووضع تصور
لمواجهة العدوان الإسرائيلي إذا ما وقع"،
وأول أدوات هذه الإستراتيجية "ممارسة
الضغوط السياسية والدبلوماسية
والاقتصادية على جميع الدول التي تساند
إسرائيل أو تؤثر عليها"، دون أدنى
إشارة للأدوات العسكرية.
وفي
مواجهة التطورات التي لحقت بالسياسة
الإسرائيلية تجاه عملية التسوية
السلمية عقدت ثلاث قمم عربية، في
القاهرة (1996، 2000) وعمان (2001)، ثابرت جميعا
على سياسة ثابتة تقريبًا، تقوم- وفقا
لقمة 1996- على تمسك الدول العربية
بمواصلة عملية السلام لتحقيق السلام
العادل والشامل، والتأكيد على أن أي
إخلال من جانب إسرائيل بالمبادئ أو
الأسس التي قامت عليها عملية السلام، أو
تراجع عن الالتزامات والتعهدات التي تم
التوصل إليها في إطار هذه المسيرة، أو
المماطلة في تنفيذها سوف تضطر الدول
العربية كافة إلى إعادة النظر في
الخطوات المتخذة تجاه إسرائيل في إطار
عملية السلام، وقد أكدت قمة القاهرة 2000
تحميل إسرائيل مسئولية القرارات
والخطوات التي تتخذ في صدد العلاقات
معها من قبل الدول العربية، بما في ذلك
إلغاؤها، والتي تستوجبها مواجهة توقف
عملية السلام، وما نجم عنها من تطورات
خطيرة مؤخرًا، وقد تكرر هذا المعنى بشكل
حرفي تقريبًا في قرارات قمة عمان 2001.
والواقع
أن هذه السياسة تبقى من حيث جوهرها
سليمة طالما أن الدول العربية أسقطت
الخيار العسكري في الصراع مع إسرائيل،
غير أنها باتت تواجه مشكلات من نوع آخر
تتعلق أساسًا بمصداقيتها،
فلا شك أن تطور السياسة الإسرائيلية–وبصفة
خاصة منذ تولي شارون منصب رئيس الوزراء
في فبراير/شباط 2001- يحتاج إلى تفعيل
التصعيد السياسي العربي ضد إسرائيل،
وإعمال ما يمكن إعماله من أدوات أخرى
غير عسكرية في إدارة الصراع معها، وحيث
إن الدول التي ترتبط بالتزامات تعاقدية
مع إسرائيل لا تفكر حتى الآن في خطوات
تمس العلاقات الدبلوماسية معها، فإن
خيار وقف الاتصالات السياسية مع حكومة
شارون يبدو خيارًا معقولاً قد يمثل نقطة
توازن بين توجهات الدول العربية كافة.
ولا
يعني خيار وقف الاتصالات السياسية مع
حكومة شارون إسقاط الدول العربية لخيار
التسوية السلمية، ولكنه يعني أنها قررت
أن حكومة شارون ليست مؤهلة لأن تكون
شريكًا في عملية التسوية بحكم ما ترتكبه
من فظائع تجاه الشعب الفلسطيني، وعدم
امتلاكها لأي برنامج أو حتى رؤية لتسوية
حقيقية؛ ولذلك فإن وقف الاتصالات
السياسية معها لا يصادر على استمرار
الاتصالات مع غيرها من الأطراف الدولية
الفاعلة كالولايات المتحدة الأمريكية
والاتحاد الأوروبي، ولا يصادر كذلك على
إمكانية استئنافها إن حدث تغير جذري-
وإن كان هذا يبدو مستحيلاً- في سياسات
حكومة شارون، أو إن تغيرت حكومة شارون
ذاتها، وهكذا يبدو خيار وقف الاتصالات
بالمعنى السابق بالغ الاعتدال، ومن ثم
قابلاً للتنفيذ.
ومما
يدل على هذا أن لجنة متابعة تنفيذ
قرارات القمة العربية قد أوصت في
اجتماعها في مايو/أيار 2001، الذي حضره
الرئيس ياسر عرفات، بوقف كل الاتصالات
السياسية مع إسرائيل إذا ما استمرت في
هجماتها على الفلسطينيين، ومع ذلك فإن
المرء لا يحتاج إلى جهد كبير لكي يعرف أن
هذه التوصية لم يُعمل بها من جانب كافة
الأطراف المعنية، التي كانت ممثلة في
اللجنة، على الرغم من تصعيد –وليس مجرد
استمرار- الهجمات الإسرائيلية.
ثم
عاد مجلس الجامعة العربية في اجتماعه
غير العادي على المستوى الوزاري في
ديسمبر/كانون الأول 2001، فأكد في بيانه
أن "حكومة شارون غير مؤهلة كشريك في
التوصل إلى سلام عادل ومتوازن"،
وأضاف أنه "طالما لا يرى شارون في
الرئيس عرفات طرفًا في عملية السلام
فالدول العربية لا ترى في حكومة شارون
طرفًا يتمتع بمصداقية تؤهلها للمشاركة
في عملية السلام". وتبدو هذه الصياغة
الأخيرة أكثر "اعتدالاً" من صياغة
توصية لجنة المتابعة، إذ تظهر وكأنها
تبني عدم الاعتراف بحكومة شارون كطرف في
عملية السلام على عدم اعتراف الأخير
بالرئيس عرفات، وليس على مجمل سياساته
الهمجية تجاه الشعب الفلسطيني، ومع ذلك
فإن هذا الموقف المتضمن في بيان مجلس
الجامعة، والذي يتسق مع قرارات القمم
العربية الثلاث الأخيرة نصًا وروحًا،
وإن كان لا يصل إلى السقف الذي تضمنته
هذه القرارات، لم يوضع موضع التطبيق.
وثمة
مثال آخر على معضلة المصداقية التي
تعانيها سياسات القمم العربية يرتبط
بالمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، فمن
المعلوم أن مواقف الدول العربية تجاه
هذه المسألة لم تعد موحدة، وقد انعكست
هذه الحقيقة على تباين في القرارات
العربية إزاءها، فبينما طالبت قمة عمان
2001 بتفعيل المقاطعة العربية ضد إسرائيل
من خلال انتظام عقد مؤتمرات المقاطعة
الدورية التي يدعو إليها المكتب
الرئيسي للمقاطعة بهدف "منع التعامل
مع إسرائيل تطبيقًا لأحكام المقاطعة"،
اكتفى بيان مجلس الجامعة على المستوى
الوزاري في اجتماعه غير العادي في
ديسمبر/كانون الأول 2001 بالنص على أن "مقاطعة
الشعوب العربية للبضائع والمنتجات
الإسرائيلية هي نتيجة طبيعية لاستمرار
السياسة الإسرائيلية الحالية على
احتلالها وعدوانها واغتيالاتها
وممارستها لإرهاب الدولة"، ويلاحظ
على هذه الصياغة أنها تفادت الإشارة إلى
المقاطعة العربية الرسمية لإسرائيل،
كما تفترض أن البضائع والمنتجات
الإسرائيلية تصل إلى كافة الأسواق
العربية بحيث تكون مقاطعة الشعوب
العربية لها رد على السياسات
الإسرائيلية.
تعزيز
النظام العربي
لا
شك أن واقع النظام العربي لا يرضي
طموحات المؤمنين بقيمة الرابطة العربية
وجدواها، بسبب ضعف فاعلية الجامعة
العربية كتعبير تنظيمي عن هذا النظام،
ورواسب بعض الصراعات العربية- العربية
الخطيرة، والعجز عن مواجهة تحدي الصراع
مع إسرائيل، وإدارة النظام لمجمل
علاقاته الإقليمية والعالمية، وبصفة
خاصة علاقاته مع الولايات المتحدة
الأمريكية في أعقاب أحداث سبتمبر/أيلول2001. غير أن العوامل السلبية السابقة لا
تشكل وحدها الصورة الراهنة للنظام
العربي، فقد كان هناك نوع من الحركة
باتجاه محاولة إصلاح النظام تبدت في
النجاح -بعد أكثر من ثلث القرن- في إقرار
دورية القمة، وارتبط بهذا الإنجاز
التفاؤل بالأمين العام الجديد للجامعة
العربية، إضافة إلى الصمود البطولي
للشعب الفلسطيني، وبعض ومضات لحركة
الشارع العربي تعطي أساسًا للأمل في
استعادة دوره المؤثر في تفاعلات النظام.
وتواجه
قمة بيروت 2002 عددًا من المهام لتعزيز
النظام العربي:
1
- متابعة ما يسمى بالحالة بين العراق
والكويت،
وكانت قمة عمان 2001 قد قررت "أن يعهد
إلى جلالة الملك عبد الله الثاني بن
الحسين رئيس القمة بإجراء المشاورات مع
إخوانه القادة العرب والأمين العام
لجامعة الدول العربية، والقيام
بالاتصالات اللازمة لمواصلة بحث موضوع
الحالة بين العراق والكويت من أجل تحقيق
التضامن العربي". وليس معلوما على وجه
الدقة ما الذي تم تحديدًا بصدد تنفيذ
هذا القرار، لكن الموضوع قفز إلى دائرة
الضوء بمناسبة المهمة التي قام بها
الأمين العام لجامعة الدول العربية في
بغداد في يناير/كانون الثاني الماضي،
وأفضت إلى مبادرة عراقية جديدة.
إن
قمة القاهرة 1996 –وكانت أول قمة عربية
تنعقد بعد تحرير الكويت- قد تفادت دعوة
العراق لحضورها خشية انفجار القمة من
داخلها، أو غياب دول مجلس التعاون
الخليجي عنها، غير أن قمة القاهرة 2000 قد
انعقدت بحضور العراق، وإن لم تناقش
المسألة العراقية-الكويتية باعتبار أن
موضوعها الأساسي كان انتفاضة الأقصى،
ثم انعقدت قمة عمان 2001 بحضور العراق،
وجرى فيها بحث مكثف للحالة بين العراق
والكويت قيل إنه كاد ينتهي إلى نتيجة
إيجابية لولا استمرار التشدد من هذا
الطرف أو ذاك. ولذلك فإن قمة بيروت 2002
مطالبة بكل تأكيد بخطوة أخرى إلى الأمام
بناءً على ما سبق، حتى ولو لم تؤد هذه
الخطوة إلى إغلاق الملف تمامًا، ويزيد
من مسئولية قمة بيروت عن إنجاز هذه
الخطوة أن جهود الأمين العام التي سبقت
انعقادها تعد من قبيل التمهيد الجيد
والمطلوب لبحث الموضوع في القمة.
2
- مناقشة "البرنامج التنفيذي"
لإصلاح الجامعة العربية
إذا جاز التعبير، واتخاذ قرار واضح
بشأنه يمكن من بدء انطلاقة واثقة في هذا
الاتجاه. فقد كلفت قمة عمان 2001 الأمين
العام للجامعة "باتخاذ الخطوات
اللازمة، واقتراح الصيغ المناسبة
لإصلاح أوضاع الأمانة العامة للجامعة
من جميع النواحي المالية والإدارية
والتنظيمية، من أجل إعادة هيكلتها،
والارتقاء بأساليب عملها وأدائها،
وتمكينها من الاضطلاع بالمتطلبات
القومية، ومواكبة المستجدات على
الساحتين الإقليمية والدولية"، ولقد
بذل الأمين العام جهودًا واضحة، وبلور
رؤى محددة في هذا الصدد يتعين على قمة
بيروت أن تناقشها، وتتخذ إزاءها
القرارات المناسبة بما يمكن من تمهيد
الطريق أمام مسيرة إصلاح الجامعة.
3
- علاقة النظام الإقليمي العربي
بالولايات المتحدة الأمريكية في الإطار
العالمي.
فقد اتسمت قرارات القمم العربية بصفة
عامة بالعقلانية إزاء الولايات المتحدة
الأمريكية، ولم يكن هذا يعني أنها –أي
القمم العربية- قد تجاهلت المواقف
الأمريكية المنحازة لإسرائيل
وتأثيراتها السلبية، أو نكصت عن تبني
القرارات المناسبة في خصوصها، ولكنه
كان يعني أن القمم العربية كانت تمارس
أقصى قدر ممكن من ضبط النفس السياسي –دون
تفريط في الثوابت- تجاه السياسة
الأمريكية، ويظهر هذا على سبيل المثال
من عدم ذكر الولايات المتحدة الأمريكية
بالاسم في القرارات الخاصة بقطع
العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي
تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو تنقل
سفاراتها لدى إسرائيل إليها، والاكتفاء
في قرارات قمة عمان 2001 بالتعبير عن "الاستياء
البالغ لاستخدام الولايات المتحدة حق
النقض في مجلس الأمن ضد مشروع القرار
حول حماية الشعب الفلسطيني في الأراضي
الفلسطينية المحتلة، وإنشاء قوة الأمم
المتحدة للمراقبة في تلك الأراضي"،
وكذلك الاكتفاء بالتعبير عن "الرفض
التام" للتبريرات الأمريكية في هذا
الخصوص.
والواقع
أن مياهًا "هادرة" قد جرت في نهر
العلاقات العربية-الأمريكية منذ قمة
عمان 2001، وبصفة خاصة منذ أحداث سبتمبر/أيلول
2001 التي يفترض أن معظم من نفذها من
العرب، وقد ترتب على هذه الأحداث كما هو
معلوم تعقيدات جديدة في العلاقات
العربية-الأمريكية نبعت أساسًا من
التباين بين المفهومين الأمريكي
والعربي للإرهاب، الأمر الذي جعل
الولايات المتحدة الأمريكية تضع على
لائحة التنظيمات الإرهابية منظمات
يعتبرها العرب فصائل فاعلة في حركة
التحرر العربي والفلسطيني، وهو ما يعني
في إطار المنهج الأمريكي لمواجهة
الإرهاب أن الولايات المتحدة قد انتقلت
من موقف الانحياز المطلق لإسرائيل إلى
موقف المشاركة الكاملة معها في وأد حركة
التحرر الوطني الفلسطيني، وذلك
بالإضافة إلى ما يبدو من مؤشرات على
رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في
التدخل في بعض القضايا التي تعتبرها
النظم العربية من صميم اختصاصها
الداخلي، وكذلك في الامتداد بنطاق
عملياتها العسكرية المضادة للإرهاب من
وجهة نظرها إلى دول عربية.
وليس
واردا في الظروف الراهنة التفكير في
تصعيد عربي نحو مواجهة عربية-أمريكية
شاملة لا تملك الدول العربية أسباب
الصمود فيها، ولكن المطلوب من قمة بيروت
أن تدشن حوارًا موضوعيًا وجريئًا ورفيع
المستوى يتسم بصفة عربية جماعية مع
الولايات المتحدة الأمريكية، وإذا كانت
الإدارة الأمريكية تعتقد حقًا أن عناصر
عربية بالأساس هي المسئولة عن هجمات
سبتمبر/أيلول 2001 فإن هذا في حد ذاته مؤشر
خطير على مآل السياسة الأمريكية في
الوطن العربي إذا استمرت على انحيازها
المطلق لإسرائيل.
ويعني
هذا أن المصالح الأمريكية في الوطن
العربية مهددة إن لم يكن في المدى
القصير ففي المدى المتوسط، بسبب المناخ
المعادي الذي تفضي إليه السياسات
الأمريكية في المنطقة، والذي يدفع
باستمرار أعدادًا متزايدة إلى معسكر
المعادين لتلك السياسات. أي أن كافة
أطراف العلاقة العربية-الأمريكية سوف
تخسر إذا ما استمرت الأمور على ما هي
عليه: الأطراف العربية بالانحياز
الأمريكي ضد قضاياها الحيوية، والطرف
الأمريكي بالتهديد الأكيد لمصالحه لدى
هذه الأطراف.
ولذلك
فإن الحوار المطلوب ينبغي أن ينطلق من
المصالح المشتركة المشروعة بين الدول
العربية والولايات المتحدة الأمريكية،
ومن حق الاختلاف في مصالح أخرى متعارضة
بين الطرفين، ومن الضروري محاولة إيجاد
صيغة تجمع بين الأمرين معًا، تأمين
المصالح المتبادلة المشروعة وإدارة
التعارض بين المصالح المتناقضة، ذلك أن
التركيز على المصالح المشتركة وحدها
سوف يكون دائمًا مهددًا بردود فعل عربية
معادية نابعة من الشعور بعدم عدالة
السياسة الأمريكية، والتركيز على
المصالح المتعارضة وحدها سوف يؤدي إلى
مواجهة لا يريدها العرب، فضلاً عن أنها
بالتأكيد ليست في صالح الولايات
المتحدة الأمريكية لما سوف تفضي إليه من
إلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية إن لم
يكن في المدى القصير ففي المدى المتوسط.
اقرأ
أيضًا:
|