 |
|
هل
ينجح زيني في إنقاذ شارون ووقف
الانتفاضة؟ |
بعد
مرور أكثر من عام على اعتلاء شارون
للسلطة، تأكد أنه غير قادر على تحقيق
الأمن للكيان الصهيوني من خلال السياسة
التصعيدية التي اتبعها. وعلى الرغم من
الفرصة التي حصل عليها بعد أحداث 11
سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة
الأمريكية، التي هيأت له تشديد القبضة
الحديدية على المقاومة الفلسطينية،
ومحاولة محاصرتها، وملاحقتها بتهمة
الإرهاب، فإنه لم يتمكن من تحقيق أهدافه.
فبعد
أن نجح باستصدار قرار أمريكي يضع معظم
قوى الشعب الفلسطيني في قائمة الإرهاب
وجر أوروبا إلى المربع نفسه -ولو بصيغة
استثنت الأجنحة السياسية للتنظيمات
الفلسطينية المقاومة-، ومن ثَم انتزاع
تعهد علني وواضح من رئيس السلطة
الفلسطينية بوقف إطلاق النار، وشن حملة
شعواء على المقاومة الفلسطينية،
وإخراجها عن القانون، قاده غروره
السياسي إلى تشديد الضغوط على السلطة
الفلسطينية بحصار عرفات في مقره برام
الله، وتنفيذ حملة اغتيالات منظمة
لكوادر حماس وفتح أشعلت الشارع
الفلسطيني، وجعلت القيادة الفلسطينية
غير قادرة على تطبيق وقف إطلاق النار في
الوقت الذي لم يلتزم به شارون، ولم يترك
للسلطة الفلسطينية فرصة حقيقية لتطبيقه!.
ضجر
أمريكي
وعلى
الرغم من انسياق الإدارة الأمريكية
وراء شارون في إدانة العمليات
الاستشهادية الفلسطينية -التي نفذتها
"حماس" ردًّا على اغتيال أبرز
ناشطيها العسكريين في نابلس-، وتشديد
هذه الإدارة للضغوط على عرفات في مقره
المحاصر فيه في "رام الله"، إلى
درجة التلويح بإعادة النظر في العلاقة
مع السلطة الفلسطينية، وإعطاء الضوء
الأخضر لشارون لتنفيذ كل سياسته
العدوانية باستثناء طرد عرفات أو
اغتياله، فإن الإدارة الأمريكية لم تكن
مقتنعة بوجود بديل مناسب لعرفات.
وهي
تتخوف من سيادة الفوضى في المناطق
الفلسطينية بعد رحيل عرفات أو سيطرة
حماس على الشارع الفلسطيني، أو لجوء
عرفات إلى تغيير توجهاته السياسية،
وخوض نضال عسكري لا هوادة فيه ضد
الصهاينة، انطلاقًا من منفاه في حالة
إبعاده.
وشاطرها
في ذلك الأوروبيون والعديد من الدول
العربية التي تتخوف من التداعيات
السلبية لاستمرار الوضع الحالي أو
التخلص من عرفات، حيث قادت هاتان
الجهتان تحركًا دبلوماسيًّا محمومًا؛
لرفع الحصار عن عرفات، وتمكينه من حضور
القمة العربية المقبلة في بيروت،
والتحذير من مخاطر إنهاء دوره.
وهذا
ما عزَّز القناعة الأمريكية بخطورة
التوجه الذي يقوده شارون، وضرورة وضع حد
له قبل أن يستفحل ويلحق الضرر بالمصالح
الأمريكية في المنطقة. وكانت الفرصة
المناسبة لتغيير التوجهات الأمريكية
تجاه سياسات حكومة شارون بانتقال هذه
الإدارة إلى المرحلة الثانية من "حملة
الإرهاب"، التي يفترض أن تبدأ
بالعراق، وما يتطلبه ذلك من هدوء في
قضية فلسطين. ومن هذه الخلفية، جاءت
تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأقوى
في دلالاتها بعد تصاعد الحملة
الصهيونية على المخيمات، حيث اعتبر
كولن باول أن "إحصاء الجثث لن يؤدي
إلى نتيجة" في انتقاد مبطن لسياسة
شارون.
وكان
من الدلالات الواضحة على الضجر
الأمريكي من سياسته الخرقاء هو إحجامها
عن إدانة العمليتين الاستشهاديتين
اللتين نفذتهما حماس وفتح في القدس
ونتانيا، بعد المجزرة التي نفَّذها
الصهاينة في نابلس وطولكرم التي أوقعت
حوالي خمسين شهيدًا فلسطينيًّا، حيث
أسفرت العمليتان عن وقوع 13 قتيلاً
إسرائيليًّا وعشرات الجرحى، فاكتفت
إدارة بوش بدعوة الطرفين إلى ضبط النفس؛
وذلك على الرغم من أن العمليتين نفذتا
ضد من يوصفون بـ"مدنيين"!!
الفلسطينيون
ينجحون في صراع الإرادات
لم
يكتفِ شارون بسياسة الاغتيالات، ولكنه
صعَّد صراعه ضد الشعب الفلسطيني وسلطته
الوطنية بإخراج خطط قديمة من أدراج
جيشه، تتمثل بإعادة احتلال المدن
والمخيمات الفلسطينية، حيث عمد جيش
الاحتلال إلى احتلال جميع المدن
الفلسطينية لمدد متفاوتة، وبشكل
تدريجي، بدءاً بجنين، وانتهاء برام
الله. وشنَّ حملة اعتقالات واسعة في
المخيمات والمدن التي اجتاحها، وصلت
إلى 2000 معتقل حتى الآن. كما تكبد الشعب
الفلسطيني خسائر كبيرة في الأرواح وصلت
إلى أكثر من مائة شهيد ومئات الجرحى.
هذه
السياسات لاقت بالطبع مقاومة عنيدة من
الشعب الفلسطيني، وكان اللافت
للانتباه في عمليات المقاومة
الفلسطينية هو:
1-
اشتراك
كل الفصائل الفلسطينية الفاعلة في
عمليات الرد على الجرائم الصهيونية،
إلى درجة حصول تنافس نادر ولافت بين
فتح وحماس في تنفيذ العمليات
النوعية، سواء في المناطق المحتلة
عام 1948 أو 1967م.
2-
التوسع
غير المسبوق في العمليات
الاستشهادية داخل المناطق المحتلة
عام 1948م؛ لتشمل استخدامها من فتح (تنظيم
السلطة الذي كان يدين هذا النوع من
العمليات، ويرفض استخدامها ولا
يعترف بشرعيتها)، والشعبية
والديمقراطية (التنظيمات اليسارية
التي لم يسبق لها أبدًا القيام
بعمليات استشهادية)، إضافة إلى حماس
والجهاد الإسلامي، بعد أن كان هذا
النوع من العمليات حكرًا على هذين
التنظيمين الأخيرين.
3-
الكم
الكبير من العمليات، واتسامها
بالسرعة والدقة في التنفيذ، ووصولها
إلى عمق العدو على الرغم من
الإجراءات الأمنية المشددة التي
اتخذها، وإيقاعها خسائر كبيرة في
صفوف الاحتلال.
4-
تمكن
المقاومة من إعطاب أو تدمير بضع
دبابات "ميركافا"، تشكل أسطورة
الصناعات الحربية الصهيونية.
أما
فيما يتعلق بنتائج هذه الحملة، فقد جاءت
على عكس ما توقعه شارون وجنرالات حربه.
فقد أعلن شارون أنه سيجعل الفلسطينيين
يجثون على ركبهم طلبًا لوقف النار. ولكن
ما حدث كان العكس؛ إذ تصاعدت عمليات
المقاومة بشكل غير مسبوق وتنافست
الفصائل الفلسطينية في تنفيذها. وقدّم
الشعب الفلسطيني نماذج بطولية فذَّة
أربكت الاحتلال، وأنعشت آمال
الفلسطينيين بإمكانية إلحاق الهزيمة
بجيش الاحتلال ودحره عن الأرض
الفلسطينية. وقد فشل جيش الاحتلال في
القبض على الناشطين الفلسطينيين، حتى
أنه أطلق سراح معظم الذين اعتقلهم؛
لأنهم لم يكونوا سوى مدنيين فلسطينيين
عاديين، فيما فضل نشطاء المقاومة الموت
على تسليم أنفسهم للاحتلال!.
دلالتان
هامتان
ولعل
أبرز دلالتين تطرحهما نتائج حرب
الاحتلال ضد لمدن والمخيمات
الفلسطينية، هما:
1-
تأكيد
فشل السياسة الأمنية التي اتبعتها
حكومة شارون في تركيع الشعب
الفلسطيني، أو الحد من رغبته العارمة
في كنس الاحتلال وطرده.
2-
تكريس
برنامج المقاومة كبرنامج وحيد قادر
على دحر الاحتلال، وتعزيز القناعة
الشعبية به، وتوحد كل تنظيمات الشعب
الفلسطيني عليه.
واللافت
للانتباه عودة القيادة الفلسطينية إلى
تفعيل خيار المقاومة من خلال أدواتها
الذاتية (تنظيم فتح)، وعدم اكتفائها
بفتح المجال أمام حماس للقيام بهذا
الدور، ومحاولة استخدام عمليات
المقاومة كورقة للضغط على الصهاينة؛ إذ
قامت القيادة هذه المرة بإعطاء الضوء
الأخضر لتنظيم فتح؛ للتعبير عن نفسه
بعمليات مقاومة بطولية نوعية نافست
فيها حركة حماس بعد أن تفردت فيها هذه
الأخيرة لسنوات طويلة. ويشير مراقبون
بأن عرفات شخصيًّا ربما يقف وراء هذا
التصعيد، محاولاً امتلاك ورقة المقاومة
بالكامل، واستخدامها سياسيًّا في الوقت
المناسب دون أن يتكبد عناء الاعتقالات
والملاحقات في صفوف حماس وبقية تنظيمات
المقاومة، خصوصًا أنه وصل إلى قناعة بأن
شارون لا يفهم إلا لغة القوة!.
وعلى
الرغم من أن تنظيم فتح الذي شارك
بفعالية في عمليات المقاومة خلال
الفترة الماضية من خلال جناحه العسكري
المعروف باسم "كتائب شهداء الأقصى"،
سعى إلى تأكيد أهمية الحل السياسي من
خلال ضرب نظرية شارون الأمنية، والسعي
لفك الحصار عن رئيس السلطة الفلسطينية،
فإن تقديمه لتضحيات كبيرة -جنبًا إلى
جنب مع حماس- يؤكد قناعة جديدة بدأت
تتكرس داخل هذا التنظيم ببرنامج
المقاومة وفعاليته، وأنه لم يستنفذ
أغراضه بعد؛ الأمر الذي يجعل محاولة هذه
القيادة تحقيق إنجازات سياسية محدودة
مقابل وقف المقاومة تواجه صعوبات
كبيرة، بعد أن ذاقت كوادر التنظيم حلاوة
الانتصار على العدو وقدمت الدماء رخيصة
من أجل دحر الاحتلال.
هذا
بالإضافة إلى أن ترسخ برنامج المقاومة
كخيار شعبي يجعل محاولة اقتلاعه أو
تهميشه مسًّا بالوحدة الوطنية
الفلسطينية، وتهديدًا للإجماع الوطني
الفلسطيني الذي يلتف حول خيار المقاومة
حتى دحر الاحتلال، وليس تحقيق انسحابات
محدودة هنا أو هناك!.
وإذا
أخذنا بعين الاعتبار أن شارون لا يمتلك
برنامجًا سياسيًّا يمكن أن يكون مقنعًا
للسلطة الفلسطينية، وأنه يفضل الجانب
الأمني القائم على تركيع الفلسطينيين،
وفرض الحلول الهزيلة التي يراها عليهم،
فإن المراهنة على هذه الحلول لا يمكن أن
تكون كبيرة على المدى المنظور إلا
بانتهاء حكومة شارون التي بدأت فعلاً
تفقد مصداقيتها تدريجيًّا في الشارع
الصهيوني (76% من الصهاينة باتوا يرون أن
معالجته للشئون الأمنية كانت فاشلة)!.
التحرك
الأمريكي
بدأ
هذا التحرك ينضج بعد المبادرة التي
أطلقها ولي العهد السعودي الأمير عبد
الله التي دعت للتطبيع مع الكيان
الصهيوني مقابل الانسحاب إلى حدود 4
حزيران/ يونيو 1967م، حيث تكثفت التحركات
الأوروبية الداعمة لهذه المبادرة
والداعية للبناء عليها، ضمن سياق تحرك
أمريكي واسع شمل إطلاق قرار لمجلس الأمن
الدولي أخذ الرقم (1397)، ودعا إلى قيام
دولة فلسطينية بجانب دولة صهيونية بدون
تحديد لحدود الدولة الفلسطينية، في
تسابق كامل مع مبادرة بوش الابن التي
أطلقها في وقت سابق. كما قام المبعوث
الأمريكي أنتوني زيني بزيارة للمنطقة
العربية، مترافقة مع جولة نائب الرئيس
الأمريكي ديك تشيني التي تهدف أساسًا
للترويج لفكرة ضرب العراق إذا لم يلتزم
بإعادة المفتشين الدوليين.
إلا
أن هذه التحركات ما زالت تفتقر إلى
الآليات الحقيقية القادرة على إلزام
الطرف الصهيوني بالاستجابة الكاملة
لمساعي التسوية السياسية على المدى
المنظور، فضلاً عن أن السقف الذي تطرحه
الولايات المتحدة الأمريكية لا يتجاوب
بأي شكل مع الحد الأدنى من المطالب
الفلسطينية والعربية التي تم التعبير
عنها في المبادرة السعودية بعد
تعديلها؛ لتشمل عودة اللاجئين وقيام
علاقات سلام عادية بدلاً من التطبيع.
وإذا
كانت التحركات الأمريكية ترافقت مع
إعلان شارون -ولأول مرة عن استعداده
للتفاوض تحت النار، وتخفيضه أيام
الهدوء السبعة إلى 48 ساعة فقط- فإن
شكوكًا كبيرة ستظل تحيط بأي اتفاق يتم
التوصل إليه، ذلك أن شارون فضلاً عن عدم
امتلاكه لبرنامج سياسي محدد لم يتنازل
في المرحلة الحالية عن ملاحقة النشطاء
الفلسطينيين أو قصف المواقع الفلسطينية
حتى بعد انسحابه المزعوم من المدن
والمخيمات الفلسطينية، الأمر الذي يجعل
الشعب الفلسطيني في حالة جاهزية للرد
على جرائم شارون المتواصلة. أما السلطة
الفلسطينية فلن تتمكن من منع الشارع
الفلسطيني الذي يغلي جراء استمرار
الاحتلال وإجراءاته القمعية من الرد.
انعطافة
جديدة
إن
التطورات الأخيرة على صعيد المقاومة
الفلسطينية شكلت انعطافة كبيرة في مجرى
الصراع؛ لأنها كرَّست أهمية المقاومة
في صفوف مختلف قوى الشعب الفلسطيني،
وأنها البرنامج الوحيد القادر على
استعادة الحقوق الفلسطينية ودحر
الاحتلال، وهي انعطافة لها أبعاد
سياسية ونفسية لا يمكن تجاوزها بسهولة
من أي جهة، وتحت أي مبرر، لا سيما وأن
الشعب الفلسطيني أثبت أنه قادر على
الصمود وتحمل الخسائر البشرية والمادية
في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية.
كما
تكتسب المعركة مع الاحتلال في هذا الوقت
بالذات بعدًا نفسيًّا مهمًّا، فالطرف
الذي سيصمد أكثر ويتحمل خسائره سيتمكن
في النهاية من الانتصار في المعركة.
والشعب الفلسطيني مؤهل من نواحٍ عديدة
للصمود والصبر، ولكنه بحاجة إلى قرار
فلسطيني رسمي ودعم سياسي عربي؛ لكي
يتمكن من الاستمرار في هذه المعركة حتى
النهاية.
اقرأ
أيضًا:
|