بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الإسلام والغرب.. صدام أم حوار؟

حتى يكون القرن الـ 21 قرن الحوار

16/03/2002م

د. محمد الغمقي*- باريس

برلوسكوني.. من دعاة التفوق الحضاري الغربي

بعد أحداث سبتمبر، ارتفعت أصوات عديدة في الغرب تطالب المسلمين بالقيام بنقد ذاتي ومراجعات عميقة في الفكر والسلوك. وهذه الدعوة واقعية من ناحية، ولكنها من ناحية أخرى حق أريد به باطل.

فهي واقعية من حيث انتشار الفكر المتشدد داخل الصف الإسلامي، ووجود حاجة حقيقية لمعالجة هذه الظاهرة، باعتبار أن مثل هذا الفكر يشوّش بل يضرّ الإسلام وأهله، ويجهض عقودا من الجهود التي بذلها مسلمون مخلصون داخل العالم الإسلامي وفي البلاد الغربية من أجل توضيح خصائص الإسلام القائمة على الاعتدال والواقعية بما يتماشى والفطرة الإنسانية، بالإضافة إلى إجهاض جهود التواصل والحوار مع العديد من رجال الفكر والسياسة الغربيين الذين يتواجد من بينهم المنصفون في حكمهم على الإسلام وسلوك المسلمين، من خلال معايشتهم للحضور الإسلامي في الغرب. 

وتزداد واقعية هذه الدعوة عندما يتعلق الأمر بالشريحة الأساسية في بناء المجتمعات ألا وهي الشباب، ذلك أن حاملي هذا الفكر المتشدد أغلبهم من الشباب الذين وجدوا في هذا الفكر ملجأ للتعبير عن رفضهم للمادية السائدة وعن سخطهم على سلسلة الإهانات التي تعيشها الأمة الإسلامية على كل المستويات. واعتمدوا على اجتهادات، ينقصها العمق في فهم النصوص والواقع، وتبنّوا منهجا في التغيير يقوم على التشددّ يصل أحيانا إلى العنف. 

ويرتبط بتداعيات هذا الفكر المتشدد محاولة تقديم الإسلام من منظور أحادي في الفهم والتصوّر، والتشكيك بل تكفير مبدأ التعددية والمعارضة وحرية الفكر من داخل المنظومة الإسلامية، بينما حثّ النص القرآني على جدال غير المسلم بالتي هي أحسن، فكيف بين المسلمين أنفسهم. والسيرة النبوية والروايات التاريخية الصحيحة تنقل العديد من المواقف المشرقة في هذا الباب، مثل تغيير موقع ساحة المعركة في غزوة بدر الكبرى واعتراض امرأة على الفاروق عمر في مسألة تحديد المهر.. وهي مواقف بديهية من أناس استوعبوا التصوّر الإسلامي الذي يجمع بين التوحيد في مجال العقيدة والأساسيات الكبرى لهذا الدين من ناحية، والتعددية في إدارة شؤون الحياة وما يترتب عليها من أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية من ناحية أخرى، دون الخلط بين ما هو أساس مرجعي ومبدئي في المنظومة الإسلامية وبين ما هو قابل للتطوير والمراجعة والنقد والنقض. 

فعلى سبيل المثال، فإنّ علاقة الحاكم بالرعية يحكمها في الإسلام مبدأ الشورى، ولا تخضع لأية علاقة بالمعنى الثيوقراطي (أي أن الحاكم ظل الله في الأرض، وغيرها من التصورات التي لا يقرّ بها الإسلام). والشورى ليست شعارا يُرفع، وإنما مبدأ للتطبيق على أرض الواقع، بما يعنيه من حق الاختلاف في الرأي، والمعارضة، وواجب الالتزام برأي الجماعة أو الأغلبية، دون أن تُنتهك حقوق الأقلية. أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس فيه نص واضح، ومتروك للاجتهاد لترجيح ما يلائم كل عصر. 

من هذا المنطلق، فإن واقعية الدعوة إلى قيام المسلمين بعملية نقد ذاتي ترجع إلى ضرورة التشجيع على الاجتهاد المستمر، بعد أن انحسر المدّ الاجتهادي في الأمة الإسلامية لقرون عديدة، دون القول كما يرى البعض بقفل باب الاجتهاد. فلم تعقم هذه الأمة على مدى تاريخها في ولادة المجدّدين والمجتهدين، ولكن صوت هؤلاء كان محدودا كلما ساد جبروت السلطان على العلماء وعلى المجتمع الأهلي أو ما يسمى اليوم بالمجتمع المدني. فعملية التجدّد في دين الأمة نابعة من الحركية الداخلية لهذا الدين وخصائصه، التي يمثل التطوّر أو التجديد واحدا من أهمّها. وبناء عليه، فإنّ المسلمين ليسوا في حاجة إلى دعوة خارجية لدفعهم إلى مواكبة تطورات كل عصر. 

حق أريد به باطل

الإشكال أن هذه الدعوة الخارجية -في جزء منها- ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، أو كما يقال: "حق أريد به باطل"؛ لأنّ المقصود بالدرجة الأولى هو مراجعة علاقة النص بالواقع ودفع المسلمين وعلمائهم ومفكريهم إلى تجاوز الخط الأحمر، بمعنى الاجتهاد في الثوابت من النصوص القطعية الدلالة والثبوت، ومن ثمّ إرغام المسلمين على السير في النمط الغربي في التفكير والسلوك، انطلاقا من قناعة بأنّ هذا النمط هو النموذج القدوة على المستوى القيمي والتصوّري. ومثل هذا الهدف يصبّ في الفكر الأحادي الذي ينظر للأشياء باستعلاء من عين واحدة، ولا يقبل بالتعددية الثقافية والتفاعل الحضاري. وقد ساهم هذا التصوّر في تعميق الهوّة بين الشعوب، وفي إخضاع الجميع لقالب العولمة على الطريقة الأمريكية. 

يقول المفكر الإسلامي منير شفيق: "ثمة محاولة لتجريد الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان من التجربة التاريخية الغربية، ومن ثم من الخصوصية الغربية، لإعطائها صفة المبادئ أو القوانين الكونية وفرضها على العالم كله ضمن الصورة التي وصل إليها الغرب الآن، وعلى التحديد ضمن المنهج الذي راحت العولمة تقدم من خلاله نفسها وقيمها وأنظمتها وحتى ثقافتها ورؤيتها للعالم، وذلك باعتبارها كوكبية أو كونية لتعطي لنفسها حق التدخّل في شؤون الدول والشعوب الأخرى، وتصادر سيادتها وهوياتها ومصالحها وثقافتها وخصوصياتها. كما لتعطي لمنظّريها، أو لمن هم تحت سطوة هذه الموجة، أسلحة نظرية جديدة ليستبدلوا بما كان يعرف "بالاشتراكية العلمية"، أو القوانين العلمية التي تحكم التطور التاريخي، قيم الكونية".(1)

دعوة أحادية الجانب

من ناحية أخرى، لا يمكن أن تكون مطالبة المسلمين بإجراء نقد ذاتي لسلوكياتهم، والأهم من ذلك نمط تفكيرهم، أحادية الجانب. فالغربيون مطالبون أيضا بعملية نقد ذاتي صريح وجريء، لأنّ الحضارة الغربية - وإن كانت خلفيتها دينية مسيحية أساسا- فإنّها نتاج اجتهادات بشرية. فالنصرانية ليس فيها -على حدّ علمنا- دعوة لاستعمار الشعوب ونهب ثرواتها وعرقلة مسار تقرير مصيرها بعد استقلالها، ومنع حرية اختيار من يدير شؤونها. والدين المسيحي يقوم على التسامح ومحبّة الآخر، وليس فيه مكان لدعوة عنصرية أو عرقية أو شوفينية. إلا أنّ المتأمل في التاريخ الحديث والمعاصر، يخلص إلى أنّ الفاشية والنازية والعنصرية نشأت في حضن المجتمعات الغربية، وأن جيوش الاستعمار خرجت من الأراضي الأوروبية. 

ثم إنه لا بدّ من طرح سؤال مهمّ، وهو: هل استطاعت الحضارة الغربية بما تملكه من قوّة مادية وتقدّم تكنولوجي وتفوّق عسكري أن تحقق السعادة والطمأنينة لأفراد المجتمعات الغربية بالدرجة الأولى؟ لا يستطيع أحد أن يُنكر ما حققه التقدم الحضاري في البلاد الغربية من رفاهة وعمران ومن تفوّق علمي واحترام للإنسان ومحيطه من حيوان ونبات، ولكن لا يستطيع أحد أيضا أن ينكر الوجه الآخر أو السلبيات التي تضع الكثير من الإيجابيات المذكورة في الميزان. ويكفي تشخيص الواقع الغربي أو الاطلاع على التقارير الصادرة عن المنظمات والمؤسسات المتخصصة للإجابة على هذا السؤال. 

من هذا المنطلق، فإنّه من المنطقي أن تتواضع الحضارة الغربية لغيرها من الثقافات والحضارات لتستفيد منها لإصلاح ما فسد أو ما اعوجّ في بناء الأفراد والمجتمعات، حتى لا يكون الحوار الحضاري المنشود مجرد شعار للاستهلاك في الندوات والمحاضرات العديدة. وأول خطوة في أي حوار جادّ تبدأ بالاعتراف بالآخر، والتحلّي بالإرادة الحقيقية في التفاعل معه على ضوء قاعدة الأخذ والردّ.

ازدواجية المعايير

وتتأكد في هذا الإطار أهمية مراجعة الخطاب الإعلامي والفكري في الغرب لما له من تأثير في صناعة القرار وفي التخطيط للسياسات والإستراتيجيات الحالية والمستقبلية. فمن مقتضيات الموضوعية والإنصاف، الالتزام بقاعدة "الإنسان بريء حتى تثبت إدانته"، فكيف الأمر إذا وجّهت أصابع الاتهام ليس إلى فرد أو مجموعة فحسب، بل إلى سدس سكان المعمورة من المسلمين. إن استعمال مصطلحات مثل "الإرهاب الإسلامي" من شأنه تضخيم ظاهرة "الإسلاموفوبيا" (الخوف من الإسلام) التي لا تخدم البشرية في حاضرها ومستقبلها. والعاقل من اتعظ بدروس الماضي، حيث ما تزال الأجيال الحاضرة تئن تحت وطأة تركة "الحروب الصليبية" و"الاستعمار"، والحربين "العالميتين". ثم إن المتضرر الأول من الفهم الخاطئ لنصوص الإسلام ورسالته ومن مظاهر التشدد والتعصب في تطبيقه هم المسلمون أنفسهم. كما أنّ الإرهاب والعنف وروح التعصب ظاهرة لم تخل منها حقبة في تاريخ البشرية الطويل، والإعلام إما أن يكون نافخا ومضخما لهذه الظاهرة، أو سدا منيعا في وجهها. 

من ناحية أخرى، نحن نعيش زمن التقارب الجغرافي، وبالتالي فإن الإشارة تصريحا أو ضمنا للصراع الحضاري ليست في محلها البتة، والحال أن المسلمين يتحولون يوما بعد يوم إلى جزء من تركيبة المجتمعات الغربية ويشاركون بقية مكوّنات هذه المجتمعات آمالها وآلامها، ويشتركون معها في المصير نفسه، ويساهمون بسواعدهم وفكرهم في النهوض بهذه المجتمعات وخدمتها. وليست خافية على أحد محاولات بعض من أزعجهم الحضور الإسلامي في الغرب، بث روح الفتنة والشحناء بهدف عرقلة مسار اندماج المسلمين الإيجابي في المحيط الغربي. 

حقيقة التعاون التنموي

لقد ارتفعت أصوات عديدة في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب من أجل التركيز في الاهتمام على معالجة جوهر المشكل، المتعلّق بالظلم السائد السياسي والاقتصادي والثقافي الذي تعاني منه غالبية الشعوب، متمثلا في الفوارق الكبيرة بين شمال وجنوب، وفي معالجة قضايا مصيرية بمعيار مزدوج يراعي ميزان المصلحة ولا يحترم كرامة الإنسان. فهذا أحد السياسيين الفرنسيين النائب "جون فرانسوا ماتّيي" ممثل حزب "الديمقراطية الليبرالية" يدعو الغربيين إلى عملية مراجعة وإلى القيام بنقد ذاتي، قائلا: "هل أخذنا بالاعتبار وبوضوح التغييرات الجوهرية على التوازن العالمي بعد 9 نوفمبر1989 وسقوط جدار برلين؟ فقد جاء بعد حرب –لم تكن بالحرب- سلام بدون اسم. إذ لم تثر فينا الصراعات في الخليج وفي البلقان وفي رواندا الرغبة في مراجعة حقيقية. ويبدو أن الأزمة الحالية تتوّج عشرية غير مجدية. وكان دور الديمقراطيات هامشيا في سقوط الاتحاد السوفيتي، كما أنها أيدت هزيمة السوفيت في أفغانستان، ولكنها تركت القائد مسعود يصارع طالبان وحده. كذلك وافقنا على توحيد ألمانيا، دون الاهتمام بمصير جمهوريات آسيا الوسطى. وبترك الأمور بطريقة غير مسؤولة، قبل الغربيون أن تعوّض الشيوعية بالنزعة القومية أو بالتطرّف الإسلامي. وباهتمامنا بأنفسنا، كنا غير عابئين (بما يحيط بنا) بينما لم تنتصر الديمقراطية. ولم ينته التطرف الديني والعنصري في يوغسلافيا ولا في الغرب. وكنا على وشك أن ننسى أنه توجد أنظمة أخرى من حولنا لها أنظمتها التنموية الخاصة بها. ولكوننا مقتنعين بأننا ربحنا معركة (التنمية)، تجاهلنا أن ملايين البشر تم إقصاؤهم من النظام العالمي أو أنهم يرفضون نمطنا للتنمية".(2)

 وتتأكد ضرورة مثل هذه المراجعات عندما نعرف مدى خطورة الوضع العالمي اليوم على الصعيد الاجتماعي. وتكفي الإشارة إلى أنّ التقرير العالمي الأخير لمنظمة الأمم المتحدة حول التنمية البشرية ذكر أنّه "في سنة 2001 ، يعيش 2.8 مليار من البشر بأقل من دولارين في اليوم، وحوالي مليار من البشر يعانون سوء التغذية، وأكثر من 300 مليون شاب لا يزاولون التعليم بسبب الفقر".(3)

وحتى إن تكرّر الخطاب الرسمي الغربي حول ضرورة الاعتناء بالجانب التعاوني التنموي من أجل محاولة سدّ الفجوات العميقة بين الشمال والجنوب، فإنّ الخيار الأمني يبقى هو الهاجس الأول لأصحاب القرار على حساب التعاون التنموي المنشود؛ لأن مثل هذا التعاون يحتاج إلى مراجعة مقولة بأن الشعوب في الجنوب لم تتهيأ بعد للديمقراطية، فهي بالتالي ما زالت في حاجة إلى وصاية خارجية مباشرة أو عن طريق أنظمة مفروضة ومدعومة. ويحتاج ثانيا إلى إرادة سياسية حقيقية للوقوف صفا واحدا أمام دعاة التفوق الحضاري للغرب من أمثال برلوسكوني ودعاة الصراع الحضاري. ويحتاج ثالثا إلى قناعة بضرورة التعددية القطبية.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع